‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاخوة بوريكات وتازممارت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاخوة بوريكات وتازممارت. إظهار كافة الرسائل

السبت، 2 يناير 2021

لا نملك أي شيء ضدكم.. أنتم أحرار

 لا نملك أي شيء ضدكم.. أنتم أحرار




- كم بقيت في المستشفى العسكري، الذي نقلت إليه من ثكنة أهرمومو، التي قضيت فيها حوالي 10 أيام بعد الإفراج عنك من تازمامارت؟

حوالي ثلاثة أشهر. لقد تم نقلي إلى المستشفى العسكري رفقة شقيقي بايزيد الذي أجريت له عملية جراحية على فتق الحجاب الحاجز (La hernie hiatale)، فيما كنت أتابع علاجي في جناح الأمراض الرئوية. وقد تم وضعي في غرفة تخصص عادة لكبار الضباط العسكريين والدبلوماسيين، بعد تحويلها إلى زنزانة بباب حديدي مزدوج، يحرسها، ليل نهار، دركيان، أحدهما يمكث رفقتي في الغرفة-الزنزانة، والثاني يرابط ببابها. وأذكر أن البروفسور الذي كان مشرفا على علاجي، وكان برتبة كولونيل ماجور، طلب يوما من الدركي الذي يوجد معي في الغرفة أن يبتعد عني قليلا، حتى يتمكن من كشف مناطق حساسة من جسمي، فأجابه الأخير: «أنت لست رئيسي حتى أتلقى منك أوامر»، وبقي لصيقا بي. كما كان يداوم على رعايتي ممرض بسطوا له فراشا على الأرض في غرفتي فكان يظل معي ليل نهار تحسبا لأي عارض صحي قد يلم بي.
- هل أصبحت خلال المدة التي قضيتها في المستشفى العسكري قادرا على المشي؟
لا، لم أتمكن طيلة فترة وجودي بأهرمومو ثم بالمستشفى العسكري من المشي.. كنت كسيحا مقعدا.
- وشقيقك بايزيد؟
بايزيد كان قد تمكن من الوقوف على قدميه والمشي بالكاد بتؤدة.
- ما الذي حدث بعد خروجكما، أنت وشقيقك بايزيد، من المستشفى العسكري؟
تم نقلنا إلى «الكوميسارية سنطرال» في منطقة المعاريف بالدار البيضاء.
- من تولى نقلكما من المستشفى العسكري بالرباط إلى»الكوميسارية سنطرال» بالدار البيضاء؟
الكولونيل فضول، ومجموعته من الدركيين.
- وشقيقكما علي؟
ألحق بنا في اليوم الموالي، بعد استقدامه من أهرمومو التي كان قد بقي فيها طيلة فترة وجودنا، أنا وبايزيد، في المستشفى العسكري «الماريفيين» بالرباط. وهناك في «الكوميسارية سنطرال»، تم وضعنا في قاعة تحت أرضية، وقيل لنا إنها كانت قاعة للرياضة وإنه تم إخلاؤها، حديثا، من المعدات والآليات الرياضية وفرشها بمطارح أرضية لننام عليها، لكنني كنت أعرف أنها كانت قاعة تعذيب. بتنا ليلتنا الأولى هناك أنا وبايزيد، وفي اليوم الموالي ألحق بنا علي.
- ما الذي حدث في «الكوميسارية سنطرال» بالمعاريف؟
نزل عندنا ضابط وقال لنا: سأطرح عليكم بعض الأسئلة؛ ثم شرع يسألنا واحدا واحدا، فيجيب كل منا على حدة بينما هو يدون ما نقوله.
- ما الذي سألكم عنه؟
أسئلة روتينية، عن أسمائنا وهويتنا وتاريخ اعتقالنا. هذا كل ما هناك، وقد كان يأتينا بالأكل من فندق حياة ريجنسي، حسب ما كان مكتوبا على بطاقة مرفقة بلفة الطعام.
- كم مكثتم من الزمن في «الكوميسارية سنطرال» بالمعاريف؟
ثلاثة أو أربعة أيام. بعدها أعطونا بذلة وحذاء رياضيين، وأركبونا سيارة شرطة، دون أن يقيدوا أيدينا أو يضعوا عصابة على أعيننا، ثم انطلقت السيارة في اتجاه الرباط. وفي الطريق، قال لنا أحد الضباط المرافقين لنا إنه يعرف عائلة اليعقوبي التي من أفرادها محمد علي زوج أختي حليمة. وعندما وصلت السيارة إلى إدارة الدفاع الوطني، تم وضعنا في ممر قرب مكتب الوكيل العام العسكري.
- من استقبلكم في إدارة الدفاع؟
الوكيل العام العسكري. وقد فوجئنا ببذخ وفخامة مكتبه الذي لم يكن يتوفر عليه حتى رئيس الجمهورية في فرنسا. وجدنا الوكيل العام ينظر إلى ثلاثة ملفات، في كل منها توجد ورقة وحيدة، هي محضر الاستماع إلينا في «كوميسارية» المعاريف. كان الوكيل يتظاهر بتقليبها حتى يتفادى النظر إلينا. بعدها سألنا، واحدا واحدا، عن أسمائنا وتواريخ اعتقالنا، فأجبناه: اختطفنا بالتاريخ الفلاني. بعدها أزاح الملفات جانبا، وفكر لدقائق، ثم قال: المسطرة التي يجب اتباعها هي استنطاقكم ثم صياغة نص قرار يرفع إلى الوزير الأول، بمقتضاه يحيلكم الأخير على المحكمة العسكرية، لكننا لا نملك أي شيء ضدكم، ثم أكمل بالفرنسية: «Par conséquent, vous êtes libre» (وبالتالي، فأنتم أحرار). قال ذلك ثم همّ بالوقوف «زعما الله يتهناكم»، فبادرته أنا بالقول: عن أي حرية تتحدث؟ نحن لا نتوفر على أية وثيقة ثبوتية، وليس معنا مال. كان الجو باردا وقتها، فأضفت: يمكن لأي رجل أمن أن يعتقلنا ويعيدنا من حيث خرجنا. نظر إلي وقال: هل لكم أفراد عائلة في المغرب؟ قلت له: هناك أخ لنا اسمه عمر بوريكات، كان يشتغل في الإذاعة ويسكن في سلا؛ وهناك صهرنا محمد علي اليعقوبي، يسكن في منطقة أنفا بالدار البيضاء. ضغط على الزر، فظهر شرطي، طلب منه أن يتركنا في الممر لبعض الوقت.. بقينا هناك قرابة 11 ساعة، من العاشرة صباحا إلى حوالي التاسعة مساء، لم نذق فيها طعاما، اللهم قطعة صغيرة من «سندويش» اقتسمه معنا الشرطي المكلف بحراسة الممر. وفي حوالي الساعة التاسعة مساء، خرج الوكيل العام العسكري وقال لنا: لقد قضيت اليوم كله وأنا أحاول البحث عن قريب لكم، إلى أن تمكنت قبل قليل من ربط الاتصال بصهركم محمد علي اليعقوبي، وهو قادم، الآن، من الدار البيضاء لاصطحابكم.

بوريكات: نظر الوكيل العام العسكري إلى ملفاتنا وقال: لا نملك أي شيء ضدكم.. أنتم أحرار
قال إن الدركي الذي كلفه الكولونيل فضول بحراسته رفض الامتثال لأوامر بروفيسور المستشفى العسكري
نشر في المساء يوم 13 - 06 - 2014

الكولونيل فضول أطلع الحسن الثاني على وضعي الصحي

الكولونيل فضول أطلع الحسن الثاني على وضعي الصحي



 - كيف قضيت أيامك العشرة في ثكنة أهرمومو التي نقلت إليها من تازمامارت؟

تكررت عملية فركي وتقشيري طيلة خمسة أيام متتالية. خلال هذه المدة استمات الدركيان، المكلفان بغسلي، في حربهما ضد الأوساخ التي تراكمت على جسدي والتصقت بجلدي بإمعان وإصرار.. كانا يستعملان في ذلك صابونا يطلق رائحة حمضية قوية. وبعد الخمسة أيام، استسلما أمام عناد الأوساخ التي فشلا في استئصال طبقاتها بعد أن أصبحت، مع توالي السنين، جزءا مني، فانسحبا. أذكر أن أحدهما قال لي: إذا كنت تريد أن ترى مجددا لون بشرتك الأصلي وتستمتع بالريح والشمس يداعبانها، فما عليك إلا أن تستمر لمدة طويلة في تقشير طبقات الأدران التي أصبحت جزءا منك.
- هل استعدت قدرتك على المشي على قدميك، بعد مدة من العلاج في أهرمومو؟
لقد أخضعني الأطباء لعدد هائل من الفحوص بالأشعة والتحاليل، وتم عرضي، طيلة أسبوع، على طبيب نفسي وطبيب عيون وأخصائي في علاج أمراض الصدر والتنفس، وعلى أطباء في تخصصات أخرى. لقد كان هؤلاء الأطباء يقولون، على سبيل طمأنتي: إن خروجك من تازمامارت هو الحياة نفسها، أما ما ترتب عن اعتقالك فيه من جروح وتعقيدات صحية فيمكن التغلب عليه. خلال عشرة أيام قضيتها في المركز الصحي لأهرمومو لم يزدد وزني، كل تلك الأطعمة التي كنت أبتلعها بشره كانت تمر عبر جسمي دون أن تتحول ولو إلى ذرة لحم أو شحم. وقد قال الطبيب إن «آلتي الغذائية» (Ma mécanique digestive) لاتزال تحت وقع النظام الذي خضعت له لسنوات في تازمامارت.
- هل استمر الكولونيل فضول، الذي قلت إنه كان مسؤولا عن تازمامارت، في زيارتك في غرفتك بأهرمومو؟
نعم، فضول كان يزورني يوميا، وقد أثار قلقَه كونُ وزني لم يكن يزداد. كان فضول أثناء كل زيارة يصطنع طريقة حميمية في الحديث إلي، كما لو كنا صديقين قديمين، فكنت تراه يخوض معي في عدة مواضيع عفا عنها الزمن، ثم يعود ليسألني عن أسباب اعتقالنا وسجننا طيلة تلك السنوات، ويطلب مني أن أحكي له كيف مرت مدة الاعتقال تلك. كان واضحا أنه يريد أن يعرف ما إذا كانت ذاكرتي تحتفظ بالمراحل المختلفة لاعتقالنا، من النقطة الثابتة «PF3» إلى كامب شخمان ثم إلى مقر القيادة العليا للدرك، كما كان يذكرني بأسماء وأماكن ليعرف خطورة ما سأحمله معي بعد الإفراج عني. ولأن سنوات الاعتقال جعلتني أحتاط من ظلي، فقد كنت أجيب بحذر شديد، ويبدو أن أجوبتي لم تكن تقنع فضول، لذلك قال لي: ستأنف المحادثة لاحقا بشكل أكثر، ملمحا إلى أنني قد أبقى لمدة في قبضته.
- هل كنت طيلة مدة اعتقالك بثكنة أهرمومو تتواصل مع شقيقيك بايزيد وعلي؟
لم تكن تصلني من علي وبايزيد سوى تحيات صباحية ينقلها إلي الدركي الذي يقدم إلي الطعام، فقد كان يطمئنني بكلام لا يخلو من كذب عن حالتهما الصحية. وذات ظهيرة، جاء دركيان وألبساني ملابس جديدة، ثم قيدا يدي وعصبا عيني، وانطلقنا مجددا في سفر آخر. فضول كان قد حضر قبلهما ببضع دقائق ووقع على ظرف بحضور الدكتور مبروك الذي كان مشرفا على رعايتنا صحيا طيلة مدة اعتقالنا. كان الظرف يحتوي على ملفي الصحي، الذي سيطلع عليه الملك. كان فضول يلمح إلى أن الملك يولي اهتماما خاصا لحالتي الصحية. لكني كنت مقتنعا بأنه يود في قرار نفسه أن يخبر الملك بأني لست في حالة تسمح له برؤيتي، وبأني سأشكل تشويشا على السمعة «المحترمة» للسجون المغربية (يضحك). حملوني على متن سيارة إسعاف، يرافقني طبيب ودركي، وتوجهوا بي نحو المستشفى العسكري بالرباط، الذي وصلنا إليه حوالي الساعة العاشرة مساء. ولأني تعودت على النظر من تحت عصابة العينين، فقد تعرفت على المكان بسرعة من خلال أرضيته. لقد شعرت بارتياح أكبر عندما علمت بأنني بين يدي الأطباء العسكريين، «سأخضع لإعادة أنسنة»، قلت في نفسي.
- هل زارك فضول هناك؟
(يضحك) طبعا، فلم يكن فضول ليحرم نفسه من عادته الممتعة المتمثلة في أن يكون أول وجه أراه كلما تغير محل «إقامتي». كان برفقتنا الطبيب مبروك، وكان يحمل ملفي الصحي الذي سلمه إلى شخص آخر يرتدي وزرة بيضاء. وقد دارت بين ثلاثتهم محادثة طويلة، قبل أن يشرع البروفيسور العسكري في فحصي وتفقد جسدي، وكان، وهو يتفقد جسدي كما لو كان جسد كائن فضائي مريض، يكرر أسئلة بليدة أجوبتُها موجودة سلفا في ملفي الصحي. ثم وقع وثيقة تسلمي. كنت جائعا كثيرا، فقد بقيت طيلة الظهيرة دون أكل، وعندما طلبت أن آكل تحقق طلبي في الحال، صحن سمك صول وسلطة وصحن سباكيتي، اقتسمت الوجبة مع الممرض الذي رافقني من مركز أهرمومو، وقد كان بدوره «ميتا من الجوع» فكان يلتهم مع حرصه على ألا يأكل أكثر مني. وفي حوالي الثانية عشرة ليلا، غادر فضول زنزانتي الجديدة، تاركا معي دركيين بزي مدني ليقوما بحراستي.
- ما الذي كان يشغل بالك، إلى جانب استعادة عافيتك وقدرتك على المشي؟
كانت تنتابني أفكار انتقام، كانت الخطط والأفكار قد بدأت تعشش في رأسي.. الدليمي، الذي أشرف على إقبارنا في تازمامارت، قد مات؛ علمنا بذلك ونحن مسجونون، لكننا لم نعلم بأنه كان قد قُتِل، بعد أن علم الحسن الثاني بأنه يخطط لمؤامرة ضده. فكرت في أن الدليمي، على الأقل، حظي بجنازة رسمية، عكس أوفقير. كنت أفكر في الحسن الثاني، فهو المسؤول الأول عن مأساتنا، وقد كان لايزال على قيد الحياة، لكنني كنت أجتهد في إخفاء غضبي خوفا من يعيدني ظهوره إلى جحيم بالكاد غادرته.

بوريكات: الكولونيل فضول أطلع الحسن الثاني على وضعي الصحي
قال إن أفكار الانتقام سيطرت عليه بعد الخروج من تازمامارت
نشر في المساء يوم 12 - 06 - 2014

عقب الخروج من تازمامارت

عقب الخروج من تازمامارت



 - يوم 16 شتنبر 1991، ستجدون أنفسكم تنتقلون من تازمامارت إلى ثكنة أهرمومو؛ كيف تم إيواؤكم هناك وإعدادكم، نفسيا وبدنيا، لعملية الإفراج عنكم؟

في أهرمومو تم تفريقنا على غرف بأسِرَّة نظيفة ومرحاض أرضي «بلدي»، لكنه كان بعيدا عن السرير. عندما نقلت أنا من الشاحنة إلى الغرفة على نقالة محمولة، ونزع العساكر القيد من معصمي والعصابة عن عيني، نظرت من حولي فشعرت بأنني أولد من جديد، لولا أن سوَّدت لحظة َالسعادة تلك رُؤيتي للكولونيل فضول يقف قريبا مني. كان الحراس يهمون بوضعي فوق السرير، فطلب منهم فضول تركي مطروحا على الأرض: لا تضعوا أيا منهم فوق السرير المخصص له حتى يغتسل؛ قال فضول. والواقع أننا كنا، بالفعل، على درجة من الاتساخ لا يمكن وصفها، إذ كنا نحمل أوساخ وأدران سنوات طوال. هكذا حملني دركيان ووضعاني على أريكة صغيرة كانت في ركن من الغرفة، ثم عاد أحدهما يردد على مسامعي أوامر فضول وكأنني لم أسمعها: لا تتمدد فوق السرير. بدأت أتحسس الكنبة بيدي اللتين كانتا قد فقدتا الإحساس طوال سنوات اعتقالي في تازمامارت؛ رددت بصوت مسموع: أنا عائد إلى الحياة لا محالة. دخل دركي ووضع لي على الطاولة المقابلة صحنا به قطعة خبز ساخن مدهون بالزبدة وكأس حليب معد بالشوكولاته. كانت الطاولة في الطرف القصي من الغرفة الواسعة، وعندما كان يهم بالمغادرة قلت له: كيف سأقوى أنا على الذهاب إلى هناك؛ قرّب الطاولة إلي أو ساعدني على الذهاب إلى حيث هي. في باب الغرفة كان الكولونيل فضول واقفا، وعندما سمعني أتحدث إلى الحارس دخل إلى الغرفة، وتوجه إلي سائلا: ماذا هناك؟ أجبت: لا أقوى على الذهاب إلى حيث يوجد الصحن. نظر إلى الدركي وقال له: «هزو وديه لتما»، فحملني الدركي إلى حيث يوجد الصحن، وقبل أن يغادر فضول التفتُّ إليه وقلت: أحتاج إلى كرسي مرحاض. وفي الصباح، جاؤوا بكرسي أحدثوا وسطَه ثقبا واسعا ووضعوه على المرحاض. لكني كنت في حاجة إلى من يحملني إلى غاية المرحاض، ويضعني فوق الكرسي، وقد قلت هذا للكولونيل فضول فأجابني: «غير كون هاني»، حيث أصبحت أنادي على أحد الدركيين الواقفين قرب باب الغرفة فيحملني إلى المرحاض ويضعني على الكرسي، ثم يعود لحملي بعد أن أنتهي من قضاء حاجتي. أما عن الطعام، فقد أكلت أول وجبة لي خارج تازمامارت بنهم شديد ثم سقطت مغشيا علي؛ وعندما أفقت وجدت أمامي «صينية» مليئة بما لذ وطاب من الأكل الشهي: خبز وشوكولاته ويوغورت وتمر وعنب وموز، فانقضضت على الأكل بنهم لأسقط مغشيا علي من جديد. لقد كنت، من فرط وهن سنوات تازمامارت، آكل فأدخل في غيبوبة. نمت لحوالي ساعتين، ولم أفق إلى أن أيقظني ممرض، ساعدني على الجلوس أمام طاولة الأكل، فازدردت وجبتي الثالثة خارج تازمامارت، وكانت عبارة عن طبق ساخن وفواكه.. كنت أحشو الطعام في فمي بنهم، وبطريقة أسرع من المرتين السابقتين.. كنت وحشا في جسد إنسان، يأكل أي شيء يجده فوق الطاولة، ثم ينتابني إحساس من سيفقد وعيه، فأغط في نوم عميق.. هكذا مر يومي الأول خارج تازمامارت.
- هناك في أهرمومو، سيتم عرضكم على أطباء من مختلف التخصصات لبعث الحياة فيكم من جديد؛ كيف تم ذلك؟
في اليوم الأول، دخل عليّ الكولونيل فضول مصحوبا بطبيب رحَّب بي قائلا: «Je suis là pour te remettre en état» (أنا هنا لكي أعيد تشغيلك)، وكأنني آلة لحقت بها أعطاب كثيرة. في اليوم الثاني، زارني طبيب آخر، وعندما رآني فزع لحالي وخطا خطوتين إلى الوراء، ثم مافتئ أن تشجع قليلا واقترب مني وأخذ يفحصني وهو يرتعد وينظر إلي كما لو أني كائن غريب. أخذ عينات من دمي وبولي. بعدها جاؤوني بمروِّض طبي سيظل يتردد علي لمدة أسبوع. وطيلة ذلك الأسبوع الأول في ثكنة أهرمومو، استمررت في الأكل بالنهم نفسه، لكن شيئا فشيئا لم يعد يغشى علي بعد الأكل. في اليوم الثالث، دخل غرفتي الكولونيل فضول، مصحوبا بحلاق، قص شعري وحلق لحيتي. كان الحلاق فارع الطول، فمازحته قائلا: سيكون من الأحسن لك لو تحولت إلى لاعب لكرة السلة، فطولك سيساعدك على شق مستقبل أفضل في هذه اللعبة. وبعد الحلاقة، تم نقلي على كرسي متحرك إلى الحمام حيث وضعوني تحت رشاش ماء ساخن وأنا على الكرسي المتحرك بعد أن نزعوا عني ملابسي، التي منها قميص منحني إياه الحراس عندما كنا نهم بمغادرة تازمامارت.. كان قميصا مفتوحا قليلا، يظهر منه صدري وقد غلفته قشرة صدفية «Une carapace» كالتي تحملها السلحفاة. عندما خلع الدركيون ملابسي ورأوا تلك الصدفة المكونة من طبقات أوساخ تراكمت طيلة سنوات من الاعتقال، تراجعوا بداية إلى الخلف.. لقد استمروا لحوالي ساعتين وهم يحاولون فركي ودهني بالصابون لتنظيفي، وكنت أحس بأنهم سيستسلمون أمام قوة وصلابة الأوساخ التي علقت بي وأصبحت جزءا مني، وفعلا فقد استسلموا بعد مرور ساعتين، وأعادوني إلى غرفتي. وفي اليوم الموالي استأنفوا غسلي، أو تقشيري، أو تخليصي من الأوساخ وفصلي عنها.. لقد كنت أحس بهم، وهم يرون كميات الأوساخ التي تنزل مني، يستشعرون كم كانت فظيعة ووحشية تلك السجون التي كانوا مسؤولين عنها.

من مقال

بوريكات: عندما رآني الطبيب عقب الخروج من تازمامارت فزع ورجع إلى الخلف خطوتين
قال إن رجال الدرك تناوبوا على تنظيفه ليومين لإزالة طبقات الأوساخ العالقة بجسده
نشر في المساء يوم 10 - 06 - 2014

حكاية صهر أوفقير الجزائري الذي تورط في قضية بن بركة

حكاية صهر أوفقير الجزائري الذي تورط في قضية بن بركة






 - في تازمامارت حدث لك خلاف مع المعتقل القبطان عبد الحميد بندورو، الذي كانت لك سابق معرفة به قبل الاعتقال، فانقلبت صداقتكما إلى جفاء تام؛ كيف حدث ذلك؟

بندورو (آخر ضحايا تازمامارت، توفي يوم 5 مارس 1991) يتحدر من مدينة الرباط، وقد كنت أعرفه وأعرف عائلته جيدا. في تازمامارت أصبح مواظبا على قراءة القرآن، وأحيانا كان يقدم هو وبوشعيب سكيبة بعض التفسير لمعانيه إلى المعتقلين، وبالموازاة مع ذلك كان يروق له كثيرا أن يتحدث معنا (الإخوة بوريكات) عن الرباط وعائلاتها، إلى أن فوجئنا به ذات يوم يقول لنا: «ما بقيتش كنهدر معاكم نتوما بثلاثة».
- لماذا؟
قال إننا نتحدث عن الحانات، وعن بنات الهوى، وعن قاعات السينما..
- يعني أنه أصبح متدينا إلى حد رفضه مجرد التسلية بالحديث عن الماضي؟
«زعما.. زعما». وبعدما قال لنا ذلك، قلت له أنا: كرر ما قلته فأنا لم أسمعك جيدا؛ فأعاد ذلك على مسامعي: «أنا منهدرش معاكم نتوما كتهدرو غير على الكاباريهات والعاهرات والسينمات»، فأجبته منفعلا: «واش انت وليتي نبي؟». ولفرط ما آلمني أن يتحدث إلينا بتلك الطريقة، دخلت في موجة هستيرية، وظللت أسبه لمدة 48 ساعة، بليلها ونهارها، دون توقف (معلقا) هل تصدق، فلم أكن أتوقف إلا عندما يأتينا الحراس بالطعام، وبمجرد ما يوزعون الطعام علينا وينسحبون أعود لمواصلة سبه، تاركا الأكل والنوم.
- في أكتوبر 1989 سيقضي اليوتنان عبد السلام حيفي، بعد سنوات من الحمق والمرض، وأيضا ساعات الإمتاع والمؤانسة التي كان يقتطعها من قلب مآسي تازمامارت؛ اِحك لنا عن هذا الرجل..
لقد سبق أن حكيت لك أن عزيز بينبين كان ذات يوم قد حكى لي عن شقيقة له، تعمل أستاذة تدرس اللغة الإنجليزية، فالتقط ذهن المعتوه حيفي اسمها وخزّنه، ثم شرع يستفز بينبين، من حين إلى آخر، مباغتا إياه بالسؤال عنها: «آش كدّير فلانة دابا.. فلانة را تكون فهاذ الوقت فالدار دايرة شي سواري...». وقد انزعج عزيز بينبين من ذلك كثيرا واغتاظ من حيفي وبدأ يسبه ويطلب منه ألا يعود إلى الكلام معه. ولكي يروّح حيفي عن نفسه، بدأ يتحدث عن الممثلات المصريات، وأساسا ممثلة وراقصة شهيرة (يحاول تذكر اسمها) وكان ذلك يروق لي، فكنت مرارا أبادره بالسلام ثم أسأله بقصد لا يخلو من خبث: «إيوا آ حيفي.. آش عندك من خبار على الممثلة الفلان فلانية؟»، فيبدأ بالحديث عن راقصته المصرية الأثيرة، ثم يعرج على باقي الممثلات. وكم كان يحلو لحيفي الحديث إلى بينبين عنهن. أحيانا، كان يأتي الدور على نجمة السينما الأمريكية مارلين مونرو فيشرع حيفي في الحديث عنها كما لو كانت ملازمة له، ثم لا يفتأ أن يعود إلى الحديث عن ممثلاته المصريات، وكان بالأساس يحب أن يوجه حكيه إلى عزيز بينبين، بالرغم من أن الأخير كان قد عبر له مرارا عن عدم رغبته في الاستماع إليه.
- كان عزيز بينبين قد حكى لك في تازمامارت عن أحد أقاربه، الذي ترمز إليه في كتابك «Mort vivant» ب»H.E.C»، والذي كان قد تورط في قضية اختطاف واغتيال المهدي بن بركة في 1965؛ اِحك لنا عنه بتفصيل أكبر..
يتعلق الأمر بالماحي الغالي، ابن خالة عزيز بينبين. لقد رمزت إليه ب»H.E.C»، نسبة إلى «معهد الدراسات التجارية العليا» في باريس. لقد كان الماحي الغالي، ابن كولونيل جزائري في الجيش الفرنسي يقيم في قلعة السراغنة، وكانت تربطه علاقة صداقة بأوفقير، فسجل ابنه الماحي بثانوية مولاي يوسف بالرباط، وكذا بقسمها الداخلي، وكان أوفقير هو المسؤول عنه. وفي أوقات فراغاته، كان يتردد على بيته بالرباط؛ بعدها شغله أوفقير في ديوانه بوزارة الداخلية، قبل أن يلحقه بالأجهزة السرية، «الكاب 1»، ثم ما فتئ أن سجله في «LEcole des Hautes Etudes Commerciales» (معهد الدراسات التجارية العليا) في باريس وزوجه من ابنة أخيه، ثم كلفه بأن يندس وسط الطلبة المغاربة في فرنسا. وعندما بدأ الإعداد لاختطاف المهدي بن بركة تم تكليفه بمراقبة تحركاته وحضور ندواته.. ورفع تقارير عنه. لقد قرأت عن الماحي الغالي أنا أثناء المحاكمات التي شهدتها باريس عقب اختطاف المهدي بن بركة، حيث وجهت إليه نفس التهمة التي وجهت إلى «لوبيز»، أي الاحتجاز التعسفي(La séquestration arbitraire) للمهدي بنبركة، فكانت الصحافة تشير إليه ب»Le commissaire-étudiant» (عميد الشرطة الطالب). بعد الإفراج عنا من تازمامارت تم إسكاني في شارع فكتور هيجو، وقد تعرفت بداية على أخت الغالي التي أخبرتني بأنها تسكن رفقة والدتها في نفس الشارع، فأبديت رغبة في التعرف على أمها التي كانت مريضة، فكنا نجلس في إحدى المقاهي بنفس الشارع.
- ماذا كان مصير الماحي الغالي؟
اعترف أمام المحكمة بأنه التقى بالجنرال أوفقير في مطار «أورلي» يوم 30 أكتوبر، لكنه نفى أي تورط له في عملية اختطاف بن بركة. وبعد عودته إلى المغرب، تزوج من ابنة الإذاعية بديعة ريان، وهي الزيجة التي لم تستمر أكثرمن ثلاثة أيام. وذات يوم من سنة 1983 ستنقلب سيارته، بغتة، في أحد المنعطفات.. وقد ضغط على الدواسة وكرر الضغط، لكن عبثا.. هكذا تم التخلص منه.

عن مقال

بوريكات: هذه حكاية صهر أوفقير الجزائري الذي تورط في قضية بن بركة
قال إن بندورو أصبح متدينا في تازمامارت وإنه قاطعه بدعوى أنه يتحدث عن الحانات والعاهرات
نشر في المساء يوم 08 - 06 - 2014

الميلودي الصديق اعتقل ظلما فقرر أن يموت في صمت بتازمامارت

الميلودي الصديق اعتقل ظلما فقرر أن يموت في صمت بتازمامارت




 - اِحك لنا عن عسكري المظليين الميلودي الصديق الذي التقيتم به (الإخوة بوريكات) أثناء اعتقالكم في مقر الأركان العامة للدرك «L'Etat Major» في حي المحيط بالرباط، قبل أن تعودوا إلى الالتقاء به في تازمامارت التي سيقضي بها نحبه في أكتوبر 1986؟

«آه.. ذاك السارجان»، لقد كان ضمن فريق التدخل المكلف بحماية القصر الملكي.
- الميلودي الصديق اتهم بسرقة ذخيرة سلاح؟
ليس هو من سرق الأسلحة، بل رئيسه في العمل الذي كان برتبة «ليوتنان»، وقد قام بذلك بمعية عسكرييْن آخريْن يعلوان الميلودي رتبة. عندما اعتقل «اليوتنان» والعسكريان الآخران وأودعوا مركزا تابعا للدرك الملكي بتمارة، حاولوا إلصاق التهمة ب»السارجان» الميلودي الصديق، ومع ذلك لم يسلموا من التعذيب حيث قضوا ثلاثتهم تحته. وبعد موتهم، اعتقل المسكين الميلودي الصديق دون أن تكون له يد في ما حصل.
- كيف تعرفتم على الميلودي الصديق أثناء اعتقالكم في مقر الأركان العامة للدرك «L'Etat Major»؟
في «L'Etat Major» ، كان هناك دركي طيب يعطف علينا كثيرا.
- ماذا كان اسمه؟
كان عبد الرجاوي، الذي كانت والدته الممرضة على علاقة بوالدتي، يأتينا بالطعام من بيت عائلته، كما كان ينقل أخبارنا إلى عائلتنا، وأخبار عائلتنا إلينا، عن طريق أمه، لكن بحذر شديد. وقد استضافني عبد الرجاوي في بيته بعد خروجي من تازمامارت. المهم أنه ذات صباح، في حوالي الحادية عشرة، وبينما كان عبد الرجاوي معنا في زنزانتنا ب«L'Etat Major» والتي كان بابها مواربا، رأيت أربعة دركيين يحملون شخصا في «كاشة»، ولم يكن ذلك الشخص، حسب ما سأعرفه لاحقا، سوى الميلودي الصديق الذي كان معتقلا في إحدى زنازين «L'Etat Major»، وكان قد اقتيد باكرا ذاك الصباح إلى إحدى نقط التعذيب، ربما كانت تمارة، ثم أعيد إلى «L'Etat Major» وهو على تلك الحال، ليتم بعدها رميه في زنزانته. وفي صباح اليوم الموالي، وبينما كنت واقفا رفقة عبد الرجاوي في مكتبه الذي كان يوجد قرب زنزانتنا، رأيت نفس مشهد الأمس يتكرر: دركيون يحملون شخصا في «كاشة» ويطرحونه في زنزانته. اختبأت حتى مروا، وسألت عبد الرجاوي عمن يكون الرجل، فأخبرني بأن الأمر يتعلق بعسكري متهم بسرقة الأسلحة، وأن رؤساءه قضوا تحت التعذيب. وذات يوم، غادر الميلودي الصديق»L'Etat Major» فظننا أنه ربما أخلي سبيله، قبل أن نلتقي به في تازمامارت.
- كيف تعرفتم عليه؟
الميلودي الصديق ظل صامتا في تازمامارت. كل ما قاله للنزلاء قبل مجيئنا، هو ما حكاه لهم من كونه عندما كان يشتغل بالرباط حدثت حملة تمشيط كبرى قام بها رجال الدرك في كل أنحاء المغرب، وأنه سمع بأنهم كانوا يبحثون عن عقا (المساعد أول أمهروش عقا أحد المشاركين في المحاولة الانقلابية ليوليوز 1971) بعد أن فر من السجن. بعد إفضائه بهذه الحكاية، لزم الميلودي الصديق الصمت. وعندما وصلنا نحن إلى تازمامارت وجدنا بعض المعتقلين، مثل بوشعيب سكيبة (المعروف ببوشعيب السيبة)، يتحدثون في ما بينهم بالإنجليزية والفرنسية؛ وأخبرونا، أثناء التعارف، عن «سارجان» قال لهم إنه لا يتحدث الفرنسية، وإنهم، باستثناء ما حكاه لهم عن حملة تمشيط من أجل اعتقال أمهروش عقا، لا يعرفون أي شيء عن أسباب اعتقاله واقتياده إلى تازمامارت.
- كانوا يقولون ذلك على مسمع منه؟
نعم، وكنا نتعمد استعمال الفرنسية أو الإنجليزية، أثناء الحديث عن حالته.
- كيف تعرفتم (الإخوة بوريكات) على الميلودي الصديق؟
لقد كنت، أنا شخصيا، حريصا، كل صباح، على إلقاء التحية على كل زميل باسمه: «صباح الخير أ فلان.. صباح الخير أ فلان»، وعندما كنت أصل إليه كنت أقول: صباح الخير أ اللي فالسيلون رقم كذا». وبما أن المعتقلين كانوا يردون علي: «صباح الخير أ السي مدحت» فقد التبس اسمي على مسامعه، لأفاجأ به ذات صباح يقول لي: «صباح الخير أسيد الحاج»، بدل: «صباح الخير أ السي مدحت»، واستمر على تلك الحال، كل يوم، يرد على تحيتي الصباحية قائلا: «صباح الخير أسيد الحاج». في البداية، ظننت أنه ربما أبدى استعدادا للحديث معنا، لكنه حافظ على زهده في الكلام، مكتفيا بترديد: «صباح الخير أسيد الحاج». وقد كان الميلودي يشغل نفسه عن الكلام بمزاولة الرياضة، فكنت أسمعه يقوم بحركات «التراكسيون» وغيرها، إلى أن سقط ذات يوم على عتبة الزنزانة فأصيب بكسر في ذراعه، وبقي بدون جبس ولا جبيرة ولا دواء، يعاني في صمت. وذات يوم سمح الحراس لعزيز بينبين بأن يعوده فوجد أن حرارته مرتفعة بشكل مهول. ومنذها، أخذت قدرته على الأكل وكذا على الكلام تتراجع شيئا فشيئا.. تعفن ذراعه، ثم أصيب ب«الغانغرينا» (موت الخلايا وتحلل أنسجة الجسم بسبب انسداد الشرايين)، وبعدها مات.
- أثناء مرضه، حكى لكم حكايته فعرفت أنه هو الذي كان جارا لكم في معتقل الأركان العامة للدرك «L'Etat Major» في حي المحيط بالرباط؟
لم ينبس ببنت شفة.. لقد مات الميلودي الصديق معتصما بصمته.
- وكيف عرفت أنه هو «السرجان» الذي اتهم بسرقة الأسلحة، وجاوركم مدة في «L'Etat Major»؟
بعد مغادرتنا تازمامارت وزيارتي لصديقي الدركي عبد الرجاوي في الرباط، وكان قد تقاعد عن العمل، أكد لي أن جارنا الذي كنت قد رأيته ليومين متتاليين محمولا في كاشة، كان اسمه الميلودي الصديق.

من مقال
بوريكات: الميلودي الصديق اعتقل ظلما فقرر أن يموت في صمت بتازمامارت
قال إنه جاوره في معتقل للدرك وفي تازمامارت حيث توفي دون أن يعرف أحد هويته
نشر في المساء يوم 06 - 06 - 2014

سيضرب زلزال أو سيحدث انقلاب ونغادر تازمامارت

سيضرب زلزال أو سيحدث انقلاب ونغادر تازمامارت







 - بعد إصابتك في تازمامارت بإسهال حاد دام سبعة أشهر، أصبح الحراس يسمحون لشقيقك علي بالاعتناء بك؛ اِحك لنا عن ذلك..

لم يكن مسموحا لعلي بالتردد باستمرار على زنزانتي، فلم يكن يعودني إلا في أشد اللحظات حرجا، عندما كان المرض يجعلني لا أقوى على فعل أي شيء. وقد كان الحراس يتركون شقيقي علي يزورني في زنزانتي كما سمحوا له بزيارة اليوتنان عبد السلام حيفي بعدما أصيب بالجنون وبقي عاريا لسنوات يتبرز في بطانيته. وحاول علي، أيضا، لمرات قليلة، الاعتناء بشقيقي بايزيد بعدما أصبح بدوره مقعدا، وظل على تلك الحال لسنوات؛ ومن جانبه كان بوشعيب سكيبة، المعروف ببوشعيب السيبة، يتطوع في مرات قليلة لمساعدة بايزيد، قبل أن يصاب بالحمق ويبدأ في النباح وتقليد أصوات الطيور.. عبد العزيز الداودي كان بدوره يبادر إلى مساعدة بايزيد في بعض المرات.
- يبدو أن صغر سن شقيقك علي مكنه من أن يبقى أكثركم (الإخوة بوريكات) حفاظا على صحته؟
قليلا.. قليلا. هل تعرف ما الذي حدث لشقيقي علي في تازمامارت؟ لقد احتقن ثقب مرحاض زنزانته، وفاض ماؤه العطن ليغمر كل أرجاء الزنزانة، وبقيت قدماه غارقتين في بِركة ظل يقضي حاجته فيها لأزيد من ثلاثة أشهر؛ وبالرغم من أن الحراس كانوا يرون وضعيته تلك، ورغم مطالبته المستمرة لهم بالسماح له بتغيير الزنزانة، فقد كانوا يجيبونه بأنهم ينتظرون الأوامر بذلك.. وهي الأوامر التي كانت تأتي من مولاي حفيظ العلوي، لذلك سبق أن قلت لك إن الأخير كان هو المسؤول الأول والأخير عن تازمامارت.
- لنعد إلى وضعيتكم الصحية في تازمامارت.. ما حكايتك مع «الأسنان المتحركة»؟
ذات يوم، أحسست بأن كل أسناني «تتحرك» وتوشك على السقوط، وعندما اشتكيت إلى زميلي بوجمعة أزندور، قال لي: هل تعرف أنني أخلع أسناني بالليل وأعيد تركيبها، واحدة واحدة، بالنهار، لأمضغ بها. لاحقا عرفت أن أحد الحراس كان قد مد أزندور بجراب صغير ك»الحرز» كان يحتفظ فيه بأسنانه ليلا لكي لا يبتلعها أثناء النوم. أما أنا، فبالإضافة إلى أسناني التي أخذت تتزحزح، فقد أصبح معصمي، من فرط ضعفه وهزاله، يتحرك ب180 درجة، حيث صرت أقلب راحة كفي إلى أعلى بمرونة مدهشة.. كان معصمي قد أصبح عبارة عن جلدة رهيفة تحتها عروق.
- في 1986 سيموت بوجمعة أزندود، بعد معاناة طويلة مع الشلل الذي أصابه إصابة مزمنة بالروماتيزم؛ اِحك لنا عنه..
أزندود كان مع عزيز بينبين في زنزانة واحدة.
- لماذا؟
في مرحلة من مراحل الاعتقال بتازمامارت تم جمع كل سجينين في زنزانة واحدة، بعد أن أخبرونا بقرب استقدام سجناء جدد.
- شخصان يعيشان في زنزانة واحدة، مساحتها متران على ثلاثة أمتار، يقضي الواحد منهما حاجته أمام زميله..
طبعا، فنحن لم نكن نثير أدنى اهتمام لدى إدارة السجن لتفكر في أن حميمية السجناء تنتهك بجمع اثنين في زنزانة بمواصفات زنازين تازمامارت.
- لنعد إلى بوجمعة أزندود؛ ما الذي حدث له؟
كان رفقة عزيز بينبين، وبعدما تم تفريقهما قبع في الزنزانة بمفرده وظل يجتر معاناته، ولم يكن بوسعنا أن نؤنسه إلا بالكلام، فكان وهو مريض يحكي لنا حكايته وتجاربه، وفي مرحلة متقدمة من المرض توقف عن الكلام، وبقي على ذلك الحال إلى أن مات. لقد أهمله الحراس متعمدين حتى يعاجله الموت بعد أن تبين لهم أن حالته ميؤوس منها. وأذكر أنه قبل وفاته بمدة، توقف عن شرب الماء.
- لماذا؟
لست أدري.
- هل حدث أن تمنيت الموت في تازمامارت؟
لا. أبدا.
- يعني أنك بقيت دائما محتفظا بأمل مغادرة أسوار تازمامارت؟
نعم، وقد كنت أقولها لزملائي هناك، فعندما كان أزندود يقول لنا: كلنا سنموت هنا، بمن فينا عزيز بينبين! كنت أجيبه بقولي: «Tu n es pas le bon Dieu. Moi je crois au bon Dieu « (أنت لا تعرف الإله الرحيم، أما أنا فأؤمن بالإله الرحيم)، وكنت أضيف قائلا: سوف نغادر تازمامارت، طال الزمن أو قصر.. سيحدث انقلاب وسيفرج عنا؛ سيضرب زلزال هذه المنطقة وتهتز أسوار السجن ويفر الحراس ونغادر أسوار تازمامارت.. سنغادر تازمامارت.. سنغادره طال الزمن أو قصر.
- حتى وأنت مقعد كان لديك أمل في مغادرة تازمامارت؟
نعم، بقيت إلى آخر لحظة مؤمنا بأننا سنغادر تازمامارت.
- مَن مِن أخويك (بايزيد وعلي) فقد أمل الخروج من تازمامارت؟
كلنا، بايزيد وعلي وأنا، بقينا محافظين على أمل الخروج من ذلك الجحيم.. وقد خرجنا منه.

من مقال
بوريكات: كنت أقول لمن فقد الأمل: سيضرب زلزال أو سيحدث انقلاب ونغادر تازمامارت
قال إن شقيقه علي بقي يقضي حاجته في بركة تغرق زنزانته لأزيد من ثلاثة أشهر
نشر في المساء يوم 05 - 06 - 2014

هكذا أفلتنا من دفن جماعي في تازمامارت

 هكذا أفلتنا من دفن جماعي في تازمامارت



- كيف تلقيتم زيارة امبارك الطويل، معتقل البناية الأولى «B1» في تازمامارت، لبنايتكم، البناية الثانية «B2»، بعد السماح له بالتجول في ساحة السجن، إثر قيام زوجته الأمريكية بحملة دولية للتشهير بمعتقل تازمامارت السري والضغط في اتجاه إطلاق سراح زوجها؟

ذات يوم، في حوالي الساعة الثالثة بعد الزوال، وبينما كان الصمت يعم أرجاء البناية وأغلب السجناء يخلدون إلى القيلولة، سمعت أنا قرعا خفيفا على الباب الرئيسي للبناية، وصوتا خافتا يصيح: «بوشعيب.. بوشعيب»، فناديت على زميلنا بوشعيب قائلا: «شي حد كيعيط عليك»، فأجابني: «واش كتفلا»، من سينادي علي؟ إذا كان الأمر يتعلق بالحراس فهم حراس وبإمكانهم الدخول إلى غاية زنازيننا أنى شاؤوا ولا حاجة بهم إلى الطرق أو المناداة من خلف الباب.
- ألم يكن هناك حراس على باب البناية؟
الحراس يأتون في أوقات توزيع الطعام، ويغادرون بسرعة، كما أنهم لم يكونوا هم من يقفلون الباب الرئيسي للبناية، بل كان الأمر موكولا، ربما، إلى مسؤول عنهم.. وقد كانت لديهم تعليمات صارمة بأن يوزعوا علينا الطعام في زمن لا يتعدى ست دقائق، ويغادروا بسرعة، باستثناء الصباح، حيث كان وقت التوزيع يتجاوز الدقائق الست بقليل لأن الحراس كانوا يوزعون علينا، بالإضافة إلى الطعام، الماء؛ أما وجبة الغداء فقد كان الحراس يوزعونها بسرعة وحذر، لأنه كان قد تم تحذيرهم من أنه إذا ما تأخر أحدهم في الداخل فسيقفل الباب في إثره.
- ما الذي حصل بعدما نبهت السجين بوشعيب إلى أن هناك من يردد اسمه في الخارج؟
أصاخ السمع، ونحن معه، فسمعنا طرقا خفيفا على باب البناية، قال بوشعيب: نعم.. من يطرق؟ فجاء الصوت: أنت بوشعيب؟ أجاب: نعم. فعرف المنادي على نفسه قائلا: أنا امبارك الطويل. وبعد تبادل السلام، سأل الطويل: «شكون معاكم؟»، ولم يكن يعرف بالتحديد من يوجد داخل بنايتنا من السجناء، ومن مات منا؛ فأجابه بوشعيب معددا أسماء نزلاء بنايتنا الثانية «B2»؛ وعندما انتهى من ذلك سأله الطويل عن أسماء -أصحابها كانوا قد ماتوا منذ مدة- فأجابه بوشعيب: مشاو عند الله. حينها بدأ الطويل يحكي لنا عن الحياة داخل البناية الأولى «B1» والامتيازات التي يحظون بها، مثل أجهزة الراديو والدواء، وغير ذلك من الحاجيات التي كان الحراس يمدونهم بها بعد زيارة عائلاتهم.. فقد كان أغلب نزلاء «B1» ينتمون إلى أسر ميسورة، بالإضافة إلى سيادة جو من التضامن بينهم. كما حكى لنا الطويل عن أمور مهمة سمعها عبر الراديو، لم نكن على علم بها، خصوصا وأننا كنا قد فقدنا جهاز الراديو الصغير الذي كان بوشعيب السيبة قد حصل عليه عن طريق مقايضته بخاتم ذهبي كبير مع طباخ السجن الذي كان قد تحول إلى حارس؛ فبعدما تمت إعادة الأخير إلى المطبخ طلب من بوشعيب أن يعيد إليه المذياع الذي كان يحتفظ به عزيز بينبين، حتى لا ينكشف أمره، فأعاده إليه، وبذلك انقطعت أخبار العالم عنا.
- إلى أن فوجئتم بزيارة الطويل..؟
نعم، والتي لم تدم طويلا، فبعد مدة أعيد إلى وضعه السابق، كباقي السجناء، ولم يعد مسموحا له بأن يبقى طليقا يتجول بين البنايتين ووسط ساحة السجن طوال اليوم.
- هل كنتم ترون الحراس وهم يقومون بدفن زملائكم الذين كانوا يموتون في تازمامارت؟
كنا نسمعهم يحفرون قبور أوائل الموتى، في الساحة؛ فقد كانوا يدفنون جنب بنايتنا كل من يموت، حتى ممن كانوا نزلاء في البناية الأولى، لكنهم لاحقا جاؤوا بآلة حفر، وحفروا خندقا طويلا، لطمر من سيقضون نحبهم لاحقا، كما قال لنا الحراس. لكننا سنعرف لاحقا أنهم حفروا الخندق لوضعنا فيه جميعا بعد التخلص من كل من بقوا أحياء في تازمامارت عن طريق تسميمهم أو قتلهم بأية طريقة أخرى. في هذه الفترة، جاؤوا بمجموعة جديدة من الأكفان ووضعوها في زنزانة فارغة، بعدما كان أحد الحراس قد سرق الأكفان التي كانت موجودة بداخلها.. لقد كانوا يفكرون، عند حفر الخندق، في قتل من تبقى من السجناء ودفنهم جماعيا، وإنهاء حكاية تازمامارت من أصلها، لكن ظروفا لعبت لصالحنا عندما تحولت موازين القوى العالمية، وبدأ العالم كله يتحدث عن فظاعة اسمها تازمامارت ويضغط لإنهاء مأساة سجنائها. في هذا السياق، أفلتنا من مجزرة جماعية كانت تُحضَّر لنا على مرأى ومسمع منا.
- على ذكر التخلص من المعتقلين بتسميمهم، سبق لك أن تعرضت أنت لحالة تسمم في تازمامارت؛ اِحك لنا عنها..
تلك لم تكن مقصودة، وحدثت لي خلال شهر رمضان؛ فعندما وزع علينا الحراس، أثناء السحور، وجبة أرز (ساخرا) قيل إنها بالحليب، حصلت أنا على حصة إضافية من الأرز وضعتها في الصحن وفي «الكار» (معلقا).. كانت زنزانتي هي الزنزانة ما قبل الأخيرة، وقد كنت أحيانا أحظى بما تبقى في طنجرة الحراس من طعام، وأحيانا أخرى كانوا يقولون لي: الطنجرة فرغت، اصبر إلى الغد، فأنام جائعا. ليلتها أكلت من وجبة الأرز وادخرت ما تبقى منها إلى الغد. وبما أننا كنا في فصل الصيف، فقد أصيب الطعام بحموضة وتعفن، ومع ذلك أكلته في اليوم الموالي، فأصبت بإسهال حاد لازمني لسبعة أشهر.
- بقيت دون دواء طيلة تلك المدة؟
«ماكاين لا دوا لا والو». كنت آكل خبزة حتى أستطيع «إخراج» شيء آخر غير خيوط الماء.. لقد عانيت عذابا فظيعا لسبعة أشهر.

من مقال

بوريكات: هكذا أفلتنا من دفن جماعي في تازمامارت
قال إنه تسمم ولازمته حالة إسهال حاد لسبعة أشهر
نشر في المساء يوم 04 - 06 - 2014

علي بوريكات نجح في بعث رسالة إلى كولونيل أمريكي من داخل تازمامارت

 علي بوريكات نجح في بعث رسالة إلى كولونيل أمريكي من داخل تازمامارت




- في الوقت الذي استطاع فيه معتقلو البناية الأولى «B1»، في تازمامارت، نسج علاقات طيبة مع الحراس، مكنتهم من إخبار عائلاتهم بمكان وجودهم، والاستفادة من الدواء وعدد من الامتيازات، بقيتم أنتم في البناية الثانية B2»» مقطوعي الصلة بذويكم، وتعانون الحرمان؛ هل يعود هذا أيضا إلى تميز بنايتكم بعدم الانضباط والفوضى؟

ربما كان المعتقل الوحيد داخل بنايتنا، البناية الثانية B2»»، الذي يستفيد من خدمات الحراس هو غني عاشور، الذي كان أكبر نذل ضمن كل الأنذال «Le plus grand salopard des salopards».
- لماذا؟
لأنه كان سائقا للكولونيل اعبابو، وكان مكروها من طرف زملائه الذين كانوا يشتغلون معه؛ وقد استمر كرههم له حتى داخل تازمامارت. من ناحية أخرى، استطاع غني عاشور إرشاء الحارس المسمى باعزات، والذي كان أكثر الحراس سوءا في معاملتنا، لأن باعزات هذا كان على معرفة بعائلة عاشور. لا تنس أن جميع حراسنا في تازمامارت كانوا سائقين أو شغالين في منازل المعتقلين عندما كانوا أطرا وكوادر في الجيش، وقد تم انتقاء الحراس للقيام بمهمة الحراسة في تازمامارت خصيصا لينتقموا من رؤسائهم ومشغليهم السابقين. لقد كان الحارس باغازي كثير الصمت؛ وفي فترة من الفترات أصبح لا يستجيب لطلبات غني عاشور المتكررة، ليفاجأ بهذا الأخير يهدده بأن يبلغ عنه مدير السجن، محمد القاضي، رغم أن الحارس باغازي زار مرارا عائلة عاشور في تيفلت وطالما جاءه محملا بالمأكولات. ولم يكن عاشور يهدد الحراس فقط، بل كان ابتزازه يطال حتى زملاءه المعتقلين.. لقد كان «سوسة».. كان يظن أنه عن طريق الوشاية و«تابياعت» سيتمكن من التحكم في رقاب المعتقلين والحراس.
- هل حصلتم على مذياع في البناية الثانية «B2» في تازمامارت؟
نعم.
- بحوزة من كان؟
المعتقل بوشعيب السيبة.
- كيف حصل عليه؟
بوشعيب عرف كيف يحتفظ في تازمامارت بخاتم ذهبي كبير، كان قد اشتراه من الولايات المتحدة الأمريكية، عندما خضع لتدريب عسكري هناك. في فترة من الفترات، أصبح طباخ تازمامارت مكلفا بحراستنا بعد توزيع الطعام علينا، فقام بوشعيب السيبة بإرشائه بأن قايضه الخاتم الذهبي بجهاز راديو صغير يعمل على جلبه إليه. وعندما جاءه به أعطاه لعزيز بينبين. وبما أن الجميع كان متوترا، فقد أصبح بينبين يستمع لوحده إلى البرامج والأخبار، ثم يقدم إلينا ملخصا بأهم ما جاء فيها. ولطالما كان يستمع إلى إذاعة الجزائر وبرنامجها «مغرب الشعوب» الذي كان يتحدث مرارا عن معتقلي تازمامارت، وكذا إلى إذاعة البوليساريو التي كانت تتساءل يوميا عن مصير «الإخوة بوريكات» في سياق حديثها عن اختطافنا من طرف السلطات المغربية.
- في هذه المرحلة، كان شقيقك علي أكثركم (الإخوة بوريكات: بايزيد ومدحت وعلي) أملا في تدخل فرنسا لصالحكم، باعتباركم مواطنين فرنسيين؛ لماذا كان علي أقلكم يأسا واستسلاما؟
«أنا كنت قاطع ليّاس من كولشي»، أما شقيقي علي فقد كان يعتقد أنه إذا كان هناك من ضغط سيقع على المغرب فإنه سيأتي من الولايات المتحدة الأمريكية. وعندما غادرنا أسوار تازمامارت أخبرني علي بأنه كان قد بعث رسالة إلى السلطات الأمريكية من هناك.
- لماذا لم يخبركم بذلك في حينه؟
كيف كان عساه أن يفعل؟ لو كان أخبرنا بذلك لكان انفضح أمره.
- ألم يكن بإمكانه إخباركما (مدحت وبايزيد بوريكات) بلغة مشفرة؟
«ما بغاش».
- من هو الحارس الذي ساعده على إخراج الرسالة وإرسالها إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ وكيف تم ذلك؟
الحارس باغازي، أسوأ الحراس معاملة للمعتقلين، هو من قام بذلك. لقد أقنعه علي بالأمر، وذات يوم جاءه بورقة وقلم وشمعة، فكتب علي الرسالة وسلمه إياها مرفوقة بالعنوان الذي كان يحفظه. لكن الحارس باغازي بقي مترددا لحوالي ستة أشهر قبل أن يقرر إرسالها.
- لماذا بقي مترددا؟
لأن حراس تازمامارت كانوا بدورهم مراقبين.
- من هي الجهة التي بعث إليها علي بالرسالة؟
بعثها إلى كولونيل أمريكي كان صديقا لوالدي، أيام كانت القواعد العسكرية الأمريكية موجودة بالمغرب. هذا الكولونيل، الذي لم أعد أذكر اسمه، كان صديقا أيضا لمحمد الخامس الذي كان يزوره في محل سكناه، في حي أكدال بالرباط، غير بعيد عن كلية الحقوق، قبل أن يغادر المغرب بعد حصوله على التقاعد. كما أن علي كانت له علاقة خاصة به، بحكم أن علي كان يشتغل في نادي الضباط الأمريكيين في شارع الجزائر بالرباط.
- هل توصل الكولونيل برسالة شقيقك علي؟
نعم، وقد تدخل لدى السلطات الأمريكية وبلغها بمضمون الرسالة..
- ماذا كان مضمونها؟
كان علي قد سجل فيها مكان وظروف اعتقالنا.. فقبل ذلك لا أحد كان يعرف هل نحن أحياء أم أموات؛ وقد أقدم علي على بعث الؤسالة رغم أنه لم يكن متيقنا من بقاء الكولونيل الأمريكي على قيد الحياة.. فقد كان الرجل في عمر والدي.
- متى بعث شقيقك علي بتلك الرسالة؟
قبل خروجنا من تازمامارت بحوالي ثلاث سنوات.
- ما هو المقابل الذي أغرى به شقيقك علي الحارسَ باغازي حتى أسدى إليه هذه الخدمة؟
بعثه إلى أحد أصدقائنا، بعد أن لقنه كلمة سر، فنفحه هذا الصديق بعض المال.

من مقال

بوريكات: شقيقي علي نجح في بعث رسالة إلى كولونيل أمريكي من داخل تازمامارت
قال إن غني عاشور كان يبتز الحراس والمعتقلين ويهددهم بالإبلاغ عنهم
نشر في المساء يوم 02 - 06 - 2014

حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير

حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير