‏إظهار الرسائل ذات التسميات المحاولة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المحاولة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 12 يناير 2021

ضمن أرشيف «لوموند ديبلوماتيك»، ومن أقوى الروبورتاجات الصحفية لسنة 1972.. السنة التي تزلزل فيها عرش الحسن الثاني!!

 ضمن أرشيف «لوموند ديبلوماتيك»، ومن أقوى الروبورتاجات الصحفية لسنة 1972.. السنة التي تزلزل فيها عرش الحسن الثاني!!


صدر مؤخرا كتاب هام يضم أهم الروبورتاجات الصحفية التي نشرت بجريدتي «لوموند» و «لوموند ديبلوماتيك» ما بين سنتي 1960 و1975. وهو الكتاب الذي صدر تحت عنوان «حين كانت الخلفية حمراء».
يحتوي الكتاب، من ضمن ما يحتويه من روبورتاجات، على روبورتاج أنجزه سنة 1972 الصحفي والكاتب الفرنسي جيلبير كونت، حول مغرب ما بعد انقلابي الصخيرات سنة 1971 والهجوم على الطائرة الملكية سنة 1972. وهو الروبورتاج الذي يتضمن عددا من التفاصيل المثيرة والهامة، نرى أنها تصلح اليوم مادة للتأمل كوثيقة شاهد أجنبي عن أحداث زلزلت مغرب بداية السبعينات. الروبورتاج الذي نترجمه هنا بتصرف، نشر في أواخر دجنبر 1972، تحت عنوان مثير: «ممنوع الخطأ ثانية».
خلف أطلال المسجد العتيق المشيد في عهد السلطان الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور، والذي لم يتبق منه غير أعمدة متراصة مكشوفة على الهواء الطلق، تنتصب صومعة حسان، منذ ما يربو على ثمانية قرون، غرب مدينة الرباط، كرمز شاهد على مجد وطني غابر.
في بداية حكمه الذي شارف اليوم على أحد عشر عاما، قرر الملك الحالي للمغرب، تشييد ضريح، على الطرف الآخر من بقايا المسجد، هو عبارة عن تحفة معمارية مكسوة بالرخام الأبيض، حيث يرقد الآن جثمان السلطان محمد الخامس، ليكون الملك بذلك قد منح في الآن عينه، قبرا لوالده وضريحا للملكية.
من حيث عظمتها وكلفتها، قد تستفز هذه المعلمة جمهور المثقفين، غير أنها حين تستقبل كل يوم، تحت قرمودها الأخضر الزاهي، عشرات العائلات، بنسوتها المنقبات، الحاملات رضعهن فوق ظهورهن، والمتشحات بجلاليب مزركشة، فإن كلا من البدويين القادمين من القرى المجاورة و العمال الآتين من المدن، يأخذون جميعهم قسطا من الراحة أمام هذا الحلم الأسطوري ، تماما كما كان الشعب الباريسي لفترات طويلة يتبرك بالأمجاد النابوليونية تحت قبة ضريحه خلال القرن التاسع عشر.
حتى اليوم، لم يكن للهجوم الدامي على قصر الحسن الثاني بالصخيرات من قبل الضباط الشباب بمدرسة هرمومو، في يوليوز 1971، ولا للهجوم على طائرته الملكية في عرض السماء، ثلاثة عشر شهرا بعد ذلك، أدنى تأثير على تدفق الحجيج الذي يزور هذا الضريح. غير أن الولاء الشعبي لذاكرة الرجل الذي اعتبر دوما الصانع الرئيسي للاستقلال، لم يعد كافيا الآن، لضمان الولاء المطلق للملكية في كل تجلياتها.
في مكتبه الفاخر، كان وزير الداخلية محمد بنهيمة، مع ذلك، يؤكد لنا العكس بعبارات صارمة «لا تنخدعوا ، 80 في المائة من المواطنين لايهتمون تماما بالشؤون السياسية. لمعرفة وفهم هذا البلد، يجب التحدث مع ساكنته بجميع أشكالها. فما عدا المدن، ومن بين جميع المنخرطين في الصحف الأجنبية اليسارية، لن تجدوا أي شخص يؤيد الثورة، كما يزعمون. أما في البوادي، والتي مازالت تضم بين 65 و70 في المائة من الساكنة، فإن الناس لا ينشغلون إلا بالخبز وبفرص العمل وبتدريس أبنائهم.. غير هذا، لاشيء يهمهم، وبالأخص خطابات المعارضة.» ..
في هذا الوقت بالذات، كان رئيس الحكومة الأسبق، عبد الله ابراهيم، يتحدث في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بلغة أخرى مغايرة تماما، حيث كان ينسب «الانهيار الحالي» الذي تعيشه المملكة «للسياسة العامة المفروضة من فوق على الشعب المغربي، والقائمة على الاستغلال الطبقي، والتنكر لمطالبه الحيوية، وعلى الديماغوجية والفساد والعنف...»
مباشرة بعد نجاته بأعجوبة من الانقلاب العسكري الثاني في 16 غشت 1972، قام الحسن الثاني بوضع تشخيص متشائم للوضع القائم: «منذ حصول بلدنا على الاستقلال ، نادرة هي البنيات التي بقيت سالمة، يجب الاعتراف بأن كلا من المؤسسات الروحية، والادارية والحكومية والعسكرية وحتى الأحزاب، لم تعرف إلا تدهورا، فهذه القوى انخرطت في تناقضات واختلافات وصراعات ما كان لها إلا أن تعبد الطريق لكل من أراد زعزعة النظام أو كل من يبتغي المس بقيمنا المقدسة»
بعيدا عن كل الشروخ التي يمكن أن تكون قائمة بين أي نظام ومعارضيه، فإن هذين الحكمين الأخيرين يؤشران على وجود أزمة وطنية حقيقية.
خلال هذا الصيف وصف بنهيمة المحاولة الانقلابية الثانية ب«الحادثة العابرة»، غير أنه بشيء أكثر واقعية ، وصف الحسن الثاني هاتين المحاولتين، في خطابه الموجه الى البرلمان ب «زلزالين قويين»..
إن هدوء البوادي، كما هو هدوء المدن، يفسر جيدا هذا الموقف، فالصمت المطبق يعم من طنجة إلى واحات أرفود على أطراف الصحراء، ليس هناك أي تفتيش من قبل الشرطة، ولا أي خلل بالبوادي يعرقل حركية المرور على الطرق التي تعبرها يوميا آلاف السيارات والشاحنات.. وليس ثمة أية إضرابات تلوح في الأفق أو تهدد الأمن العمومي..
وفي قطاعات اقتصادية كاملة، كما هو الشأن بالنسبة للمكتب الشريف للفوسفاط، الذي يديره اليوم رئيس الحكومة الأسبق، كريم العمراني، فإن الموظفين الشباب يؤدون مهامهم بكفاءة عالية، وبفضل عملهم الدؤوب، فإن الحيوية والشباب تجتاحان كل مساء شوارع الرباط وفاس والدارالبيضاء ومكناس، حيث لا التنورات القصار للشابات ولا الشعور المسدلة لرفاقهن الشباب توحي بأي انقلاب محتمل على النظام. غير أنه في الآن ذاته، فإن أخبار المتابعات القضائية والمحاكمات السياسية، هي التي باتت تغذي أحاديث الناس في المملكة. ففي الرباط يمثل اليوم ستة وزراء سابقين أمام محكمة خاصة متابعين بالإخلال بواجبهم المهني. وفي الدار البيضاء تستعد المحكمة الجهوية للشروع في محاكمة حوالي خمسين من المهندسين والمعماريين والأساتذة المتهمين بإعداد متفجرات أو بحيازة أسلحة نارية ، ومن بين الصفوف الأولى لهؤلاء يمثل ابن رئيس حكومة آخر سابق.. وأخيرا بالقنيطرة، وخلال الشهر الماضي، أصدرت المحكمة العسكرية في أعقاب محاكمة العناصر المتورطة في الانقلاب الثاني ضد طائرة البوينغ الملكية، عدة أحكام بالإعدام .
كما هي الحال في مؤامرة الصخيرات، وما تلاها من موت الجنرال محمد أوفقير ، فإن هذه الأمور لاتعكس بتاتا أن النظام بصحة جيدة، بدءا برجل الثقة السابق للحسن الثاني. لا أحد من المنعم عليهم بأوسمة الشرف، جازف بنفسه يوما بمحاولة تقويض النظام الذي كان من المفروض أن يكون من خدامه.
في الوقت الذي كان يحمل لقبه الواعد كولي للعهد، كان ابن محمد الخامس يثير الاعجاب في محيطه بذكائه المتوقد وشجاعته النادرة.. وفي سنة 1957 كان لتنصيبه على رأس القوات المسلحة الملكية أثر بالغ في تكوين شخصية القائد لديه. ربما كانت له طموحات أكثر سلطوية. وبعد وفاة والده في فبراير 1961، ولمواجهة تخوفاته من الأحزاب، سيركز الملك الشاب بين يديه جميع السلط الدينية والحكومية.
ولم ينجح تكوينه العصري، في انتزاع الحسن الثاني من فيودالية المخزن، هذه الكلمة السحرية مازال سائقو الطاكسيات بالرباط يستعملونها أثناء نقل زبنائهم إلى ضواحي القصر الملكي. فالمعنى الأدبي للكلمة يحيل على السلطة والقوة العمومية، غير أنها في نفوس المغاربة تعني الأسرار والخبايا الملكية للقصر ..
إن عواطف الشعب الحقيقية تجاه رئيس الدولة، رغم أخطائه، الذي يستمد رمزيته وقدسيته من أصوله ومهامه، لا تخضع بالضرورة للمنطق العقلاني الغربي. إن الشائعات التي تطلق ضد القصر، وأخبار التخبط داخله، لا تلقى أي صدى في عمق الريف أو في تافيلالت. إن تلك المناطق البدوية، المرتبطة بالعرش بشكل عاطفي، حيث العادة قرينة الإيمان، تمجد عاليا أمير المؤمنين.
إن الفلاحين، الذين همهم الأول هو الحصول على عمل قار يضمن لهم دخلا، إذا ما تبنينا تحليل السيد بنهيمة، لا يستوعبون جيدا طبيعة النظام، أمام الأحداث الدموية للأشهر 18 الأخيرة. إن خيار العنف هذا، لا يمس الولاء المتأسس في جانب أساسي منه، على الخوف من المجهول.
« إن المخزن هو الذي يحول دن أن نتصارع بيننا. إن المخزن هو ضامن النظام، بل هو النظام»، كان يجيب بعض القرويين مؤخرا، عددا من الباحثين الإجتماعيين. بل إن أحد الفلاحين قد أكد بالحرف: « لولا وجود المخزن، فإن من هو أقوى منك، إذا رآك تنتعل حذاء جديدا وجميلا، فإنه سيزيله لك بالقوة، وحينها ستمشي حافيا».
قرب مكناس، سيهتف بدويون في وجه مرشح برلماني، قبل السماح له بإلقاء خطابه: « قل لنا أولا هل أنت مع الملك أم ضده !!». وإذا كان ذلك يعكس وعيا بمجريات الأمور، وما يتهدد الملك، فإن ذلك لا يلغي تحقق تطور في الوعي. فمنذ عامين فقط، لم يكن أحد بالبادية المغربية يتخيل إمكانية، أن مغربيا سوف ينتفض ضد العرش. وفي المناطق النائية، لا تزال تهيمن هذه الفكرة على الأفئدة. وعلى المدى القصير، فإن هذه التحولات تسيئ عميقا لرمزية الهيبة الملكية. وبعيدا عن الآلة الإدارية، ليست هناك قوة سياسية منظمة، ولا حزب، ولا نقابة، تراقب أو تؤثر على هذه القوة الشعبية النائمة، التي تتميز بحذر شديد من كل ما هو قادم من المدن.
في المدن الكبرى، فإن الأزمة تأخذ أبعادا أكثر وضوحا ودقة، خاصة بين المثقفين الراديكاليين وتلاميذ الثانويات والطلبة، الذين هم جميعهم مناهضون للنظام السياسي القائم، خاصة بين الذين منهم ينحدرون من عائلات ذات حظوة. حقا، الصورة الرسمية [للملك] في كل الأماكن العمومية، وحين يتحدث عنه يقال: «جلالة الملك»، وبعض المتملقين يطلقون معنى محبة تفيد في ترقيتهم الإدارية. مثلما أن بعض زعماء المعارضة يستعملون أحيانا ذات التعبير.
بعيدا عن الموظفين المرتبطين بخدمته مباشرة، فإن الكل يهاجم القصر بعنف شديد. في العاصمة الرباط، مثلما يحدث في باقي العواصم العربية، حيث المنع والمحافظة طاغيان ويتحكمان في الرأي العام، فإن الامتعاض الشعبي يبرز من خلال القصص المختلقة حول سادة الوقت، والتي تشاع بعناية من قبل خصومهم. ففي أكتوبر أطلقوا على العاهل لقب « ل.ي.ش.» ( لن يتجاوز الشتاء). (...).
في خضم هذا الطقس من الحقد الأعمى، المثير أحيانا، فإن حجم الوعي المواطن أو الإلتزام الحزبي، غير بارز ولا واضح. وتبعا لبعض الأطروحات، فإن البلد اليوم متروك للنهب والديكتاتورية والمهانة. ولابد من تقمص دور منظف بلدي، لمعرفة إن كانت حاويات القمامة، التي تجمع كل فجر من أمام مقار سكنى الوزراء بحي السويسي الراقي، تحتوي على عدد من زجاجات الويسكي الفارغة، التي تعتبر مسا بالأخلاق عند العامة المسلمة، من قبل الطبقة الحاكمة الفاسدة.
رغم عمقها، فإن الأزمة الحالية تبررربما هذا التفاؤل لبضعة شهور قادمة، فالشعب لن يسهل عليه الانفصال عن الأمير الذي أحبه بقلب خالص، صحيح أن بعض الانتقادات والتشكيات تروج داخل أزقة المدن، وأن صورته لم تعد تؤثث منازل الدارالبيضاء، وأن الجميع يتسابق كل يومي أربعاء و سبت في التاسعة مساء، لسماع الاذاعة الليبية، حيث أتباع المهدي بنبركة يهاجمون الملكية بعنف. غير أنه لكون الوجع الوطني آت من مشاعر قوية محبطة للمغاربة تجاه ملكهم، فإن كثيرا منهم مازال يتمنى أن تعطى للعاهل مهلة أخرى قبل أن يتحول إحباطهم الى الأبد إلى حقد دفين . فإذا لم يكن يوجد حتى الآن سوى قلة قليلة من الجمهوريين بالبلاد، و كثير من الملكيين المحبطين، فإن أحدا منهم لم يعد يقبل بالملكية بالشكل التي هي قائمة عليه منذ إحدى عشرة سنة. ورغم أنهم لم يعودوا يؤمنون بهذا المبتغى كثيرا، فإنهم يأملون أن يأخذ الملك نفسه بزمام التغيير، في أفق أن يصبح «الثائر الأول للمملكة» على حد تعبير بعض البورجوازيين الليبراليين.
هذا الأمل المستحيل الذي يبدو غير قابل للتحقق، لم يفتأ مع ذلك يرخي بثقله على نفوس الكثيرين، لأن الكل يتخوف الآن من أزمة قوية، قد تستتبع الزوال المفاجئ للملك يمكن أن ينجم عنها دخول البلاد في دوامة من الفوضى، وانتقامات شخصية وعائلية وجهوية ، كما كانت معروفة قبل عهد الحماية بالعبارة الدموية «السيبة».
«رغم كل عيو به، فإن الحسن الثاني مازال الضامن للوحدة الوطنية»، كما يقول رعاياه الأبعد ما يكونون عن التآمر ضده، «فإذا ما اختفى فإن هذه الوحدة ستنهار لا محالة. صحيح أن بديلا سيطرح، غير أنه في جميع الأحوال سيمثل جهة بعينها، أو حزبا، أو وسطا بعينه.. ليكون رجل الإدارة ضد الجيش، أو رجلا من الجيش ضد المدنيين، أو القرويين ضد الحضريين، أو مدنا ضد قرى، يمكن أن يكون هذا الرجل شريفا ووطنيا، غير أنه مهما كانت المزايا التي يتمتع بها، لن يتمكن من لعب دور الحكم الأكبر الذي طالما مثله الملك. لأن هذا الأمر لم يسبق أن وقع مرة في تاريخ المغرب الطويل. إن السيبة ستندلع مباشرة في الادارات والمصالح العمومية، وفي الجيش والشرطة ومن ثمة ستسري في جميع أنحاء البلاد. والحال أنه عندما تسيل الدماء عندنا، فلا أحد يدري متى تتوقف المجزرة..»
هذه التأويلات التي لا تستساغ في الخارج، هي التي تمنح الملك صلاحيات واسعة، وقد عرف كيف يوظفها، وعبرها سعى جاهدا، ليقوي هيبته بمعاقبة المفسدين حتى في محيطه الأقرب..
بعد المحاولة الانقلابية ل 16غشت [1972] أكد الحسن الثاني بأنه: « سيظل مخلصا للفكرة المالكية التي تقول أنه لا ينبغي التردد في التضحية بالثلث، للحفاظ على سلامة ثلثي الجسم وعافيته» (...).



شاهد على العصر - الحلقة السادسة - عبدالهادي أبوطالب

 شاهد على العصر - الحلقة السادسة - عبدالهادي أبوطالب




الثلاثاء، 29 ديسمبر 2020

الامير عبد الله والطائرة المهددة بالسقوط

 لحظات حرجة بجانب الملك

قضى الأمير  عبد الله لحظات حرجة على متن البوينغ الملكية القادمة من باريس في صيف 1972، وهي تتعرض لهجمات طائرتي “ف 5″ تحت أوامر الكومندار الكويرة في السماء وتعليمات الكولونيل أمقران ببرج المراقبة بالقاعدة الجوية بالقنيطرة. عندما دخلت الطائرة الملكية الأجواء الوطنية، وبالضبط فوق سماء مدينة تطوان، أحاطت بها طائرات ف 5 لمرافقتها إلى مطار الرباط سلا كالعادة، وقتئذ، كان الملك الحسن الثاني جالسا على مكتبه بالطائرة والأمير مولاي عبد الله واقفا على يساره يتحدثان في أمور مفرحة، وأحداث طرأت بالديار الفرنسية، وبمجرد وصول الطائرة، سماء شاطئ مولاي بوسلهام استهدفت طائرتي ف 5 البوينغ الملكية وشرعت في إطلاق النار عليها، آنذاك كان الشقيقان لايزالان يتحدثان، الملك جالس في مكتبه والأمير بجانبه الأيسر، اكتسح دخان الفضاء، وسقطت فوق رؤوسهما كمامات الهواء… قام الملك وهم بمغادرة مكتبه، آنذاك كان الأمير قد سقط من جراء رجة قوية، مسك الملك بيده وساعده على القيام أمرا إياه بالاستقرار على مقعد وتثبيت حزام السلامة، ثم اتجه إلى مقدمة الطائرة، لكن الأمير مولاي عبد الله مسك إحدى الكمامات الهوائية وهو ينادي شقيقه قائلا: “عليك بوضع الكمامة.. خذ الكمامة..”

لم يلتفت الملك لما قاله الأمير فاتجه إلى مقصورة القيادة وانحنى على الطيار محمد القباج والطائرة متجهة بسرعة نحو الأسفل خارج تحكم الطيار. وبعد لحظة تمكن محمد القباج من التحكم فيها واستقر طيرانها، آنذاك اقترب الملك الحسن الثاني من أذن الطيار اليسرى ليقول له: “عليك إشاعة أنني أصبت إصابة خطيرة.. وأنك ستهبط الطائرة بالقاعدة الجوية”. وهذا ما كان، وبفعل هذه الخدعة أنقذ الملك حياته وحياة شقيقه الأمير  عبد الله.



الاثنين، 28 ديسمبر 2020

بنعمرو: حضرت لإعدام المتورطين في انقلاب الطائرة وتلاقينا الراحل الحسن الثاني لطلب العفو

 

بنعمرو: حضرت لإعدام المتورطين في انقلاب الطائرة وتلاقينا الراحل الحسن الثاني لطلب العفو



الطيّار القبّاج.. أو الرجل الذي أنقذ حياة الحسن الثاني الطيّار القبّاج.. أو الرجل الذي أنقذ حياة الحسن الثاني إدريس ولد القابلة

 

الطيّار القبّاج.. أو الرجل الذي أنقذ حياة الحسن الثاني



الطيّار القبّاج.. أو الرجل الذي أنقذ حياة الحسن الثاني
إدريس ولد القابلة

إذا كان يوم 16 غشت 1972 يوم بداية السقوط في الجحيم بالنسبة للبعض، فإنه كان بمثابة فاتحة خير ونقطة تحول في حياة محمد القباج. في ذلك اليوم بالذات قلبت، رأسا على عقب، الكثير من الحيوات، إما صعودا إلى سنم التألق والسلطة والجاه، أو نزولا إلى قاع الجحيم والضياع والاختفاء وراء الشمس.

ذلك اليوم شاء القدر أن يقود محمد القباج طاقم الطائرة الملكية القادمة من مطار برشلونة، وعلى متنها الملك الحسن الثاني وشقيقه الأمير مولاي عبد الله، يرافقهما مجموعة من الضباط والموظفين السامين والمرافقين لعاهل البلاد.كان أمقران والكويرة بطلين بارزين ضمن "العصبة الخاسرة"، وكان محمد القباج بطل "العصبة الرابحة"، في ذلك اليوم الصيفي.أمقران كان يعلم أنه "ميت مع وقف التنفيذ" بفعل إصابته بمرض عضال بكليتيه. لقد كان محكوما عليه بالموت المؤكد بعد حين. عندما سلمته سلطات جبل طارق للقصر وجد نفسه أمام الحسن الثاني وجها لوجه، فقال له الملك: "أنا الذي قمت ببعثك إلى مستشفى "نيكير" (فرنسا) للعلاج، ألم تعلم أنك ستفقد الحياة بعد 18 شهرا على أبعد تقدير، حسب رأي الأطباء؟".رد عليه الكولونيل :"أعلم أنني سأموت لا محالة، لكني لم أكن أعرف المدة المتبقية لي...".في نفس اليوم حدث أن قذف الكوموندار الكويرة بنفسه في سماء سوق الأربعاء الغرب، بعد أن هزمته الرغبة الحثيثة في الحياة، لكن إلى حين فقط، إذ اعتقلته عناصر من الدرك الملكي، وسلمته للملك بقصر الصخيرات، سأله الحسن الثاني:- " من أمرك بإطلاق النار على طائرتي؟"رد عليه الكومندار الكويرة دونما تردد :- "الجنرال محمد أوفقير..".قاطعه الملك، مندهشا :- "مستحيل..."!!!يردف الكويرة:- "لا فائدة من الكذب الآن "أسيدي" وقد وقعت وانكشف أمري..."تلك بعض نتف من "الحوار" الذي دار بين الملك الحسن الثاني والرجلين اللذين شكلا رأس حربة انقلاب 16 غشت 1972."كان الجنرال محمد أوفقير يعتقد أن بمقدوره اقتراف "الجريمة الكاملة ذلك اليوم"، هذا ما قاله الملك الحسن الثاني في الندوة الصحفية التي حضرها أكثر من 200 صحفي، على خلفية الانقلاب الثاني الفاشل. آنذاك وحده الملك تكلم، وصمت الجنرال محمد أوفقير إلى الأبد.في معرض إجاباته على أسئلة الصحفيين، قال الملك: "بعد إخضاع المعطيات الخاصة بالهجوم على "البوينغ 727" وآثاره وظروف حدوثه، وعن مختلف الوقائع والحيثيات التي رافقته بالإضافة إلى تحاليل الحواسيب وقتئذ، كانت النتيجة، أن إمكانية النجاة لم تكن تتعدى الواحد على المليار"، ثم يضيف الملك في تدخل آخر، وهو يبتسم:"لم يكن الجنرال أوفقير قد أعد مخططا بديلا.. هذه هي غلطته [..] بعد نجاح العملية والتخلص من الملك، كان الجنرال ينوي تحميل المسؤولية لأمقران والكويرة، ثم يقوم بتصفيتهما لإسكاتهما".صمت محمد أوفقير إلى الأبد بعد الإعلان عن الأطروحة الرسمية: "انتحر الجنرال ودفن بسرعة دون إقامة الشعائر المعتادة حسب ما تقتضيه التعاليم الإسلامية في حالة الانتحار". أقيمت مراسيم الدفن بعين الشعير تحت حراسة مشددة ووفق تعليمات صارمة.بعد انقلاب "المشاة"، جاء دور الطيارين قبل مرور أقل من سنة، ومن أشهر الروايات أن الجنرال محمد أوفقير فكر في القضاء على الملك عبر إسقاط الطائرة في البحر أو إرغامها على النزول بالقاعدة الجوية للقنيطرة ليرغمه على التنازل عن العرش قصد الإعلان عن نظام جمهوري عسكري يقوده الجنرال بمعية حكومة كان قد سبق وأن عين أعضاءها، ضمنهم الجنرال حسني بنسليمان، الذي كان آنذاك عامل صاحب الجلالة على إقليم الغرب (القنيطرة)، لكن الكومندار محمد القباج أعدم "حلم" الجنرال أوفقير بعد أن صار بطلا لـ "معجزة" إنزال الطائرة الملكية دون إلحاق أي ضرر بركابها، وعلى رأسهم جميعا الملك الحسن الثاني.من ثمة يفرض هذا السؤال نفسه: كيف أنقذ هذا الرجل الملك؟
كرونولوجيا الأحداثكيف أنقذ محمد القباج الملك الحسن الثاني؟
بين 15 و 17 غشت 1972، وقعت أحداث قلبت رأسا على عقب مآل حياة العديد من الأشخاص، بل مصير بلد وشعب، وعلى مدار أكثر من 82 ساعة تقاذفت أمواج بحر الأحداث مصائر البلاد والعباد، إلا أن المصير النهائي للملك والعرش تحدد في السماء بين فضاء العرائش والرباط. على امتداد 6 ساعات ونيف كان النظام الملكي والجالس على عرشه قاب قوسين أو أدنى من الزوال... آنذاك تدخل القدر لفتح صفحة جديدة في حياة الطيار محمد القباج، الذي كان قد اختار الحياة المدنية بعد طلب إعفائه في الستينات من الجندية، ليعود إليها بعد هذا الحادث في صيف 1972 من طرف أعلى سلطة على هرم قيادتها.بدأت أحداث هذا المسلسل في ليلة 15 غشت 1972. المكان : القاعدة الجوية بالقنيطرة.كان من المنتظر هذا اليوم تسليح طائرات "ف 5" الثلاث بصواريخ ذات توجيه ذاتي، غير أن القاعدة الجوية الثالثة لم تكن قد توصلت بها بعد، ولم يكن متوفرا يومئذ سوى رصاص المدافع الرشاشة وقذائف جو ـ أرض وقنابل أخرى.في تلك الليلة قام أحد الضباط بتجريد الطائرات الحربية القابعة بمدرج القاعدة الجوية من السلاح، كما تنص على ذلك الضوابط العسكرية، إلا أنه بعد لحظة وصل أمر إعادة تسليح بعضها بمدافع رشاشة من عيار 20 مليمتر.وخلال أطوار المحاكمة أقر أمقران أن الجنرال محمد أوفقير أعطى الضوء الأخضر لتسليح الطائرات مساء يوم الاثنين 15 غشت 1972.ويقول أحمد رامي، إن آخر لقاء جمع بين الجنرال محمد أوفقير والكولونيل أمقران والكومندار الكويرة حدث ليلة 15 غشت 1972 بمدينة الدار البيضاء.. ذلك اليوم، عندما عاد الجنرال أوفقير إلى بيته بالرباط حوالي الساعة الثالثة صباحا، كان الأمر قد حسم.وقتها لم يكن أحد في القاعدة الجوية بالقنيطرة يعلم بعودة الملك إلى الوطن عبر الجو، باستثناء قائدها، الكومندار الكويرة والكولونيل أمقران نائب القائد العام للقوات المسلحة الجوية آنذاك.
16 غشت 1972الساعة السابعة صباحا
المكان: القاعدة الجوية بالقنيطرة. تم الإعلان عن حالة الاستنفار بالقاعدة، وزادت حدة هذا الاستنفار مع حضور الكولونيل أمقران بلباس مدني، ورغم أنه كان يضطلع بمهمة نائب قائد القيادة العامة للقوات الجوية، فإنه تسلم ذلك اليوم أمر قيادة القاعدة عوض الكومندار الكويرة، قائدها الفعلي حينئذ.ذلك الصباح توصل رئيس العمليات بأمر الإعداد لخفر الطائرة الملكية القادمة من مطار برشلونة واستقبالها في المجال الجوي الوطني بالشمال فوق البحر الأبيض المتوسط، بفضاء مدينة طنجة.
الساعة الثامنة صباحا
المكان: القاعدة الجوية بالقنيطرةاجتمع الطيارون تحت رئاسة صلاح حشاد، رئيس العمليات، وكانت البداية بالإطلاع على الحالة الجوية وتقارير الأرصاد، بعد ذلك تم تعيين الطائرات المشاركة في خفر الطائرة الملكية. تكلف صلاح حشاد بقيادة طائرة "ف 5 ب" (ذات مقعدين) صحبة "الدكالي" كمرافق، أما "داحو" و"بوبكر"، فإن كل واحد منهما كان يحلق على متن "ف 5 أ" (ذات مقعد واحد)، هكذا تشكلت الفرقة الأولى تحت إمرة القبطان صلاح حشاد.أما الفرقة الثانية، فتكونت من الكويرة والعربي وبوخاليف باستخدام طائرات "ف 5أ" بقيادة الكومندار الكويرة قائد القاعدة الجوية الثالثة. لكن في آخر لحظة عوض "زياد" "العربي".ثلاث طائرات من بين ست (الفرقة الثانية) كانت مسلحة، الشيء الذي أثار انتباه صلاح حشاد الذي استفسر الكولونيل أمقران عن الموضوع.ظل الطيارون بالقاعدة، وبقي الكولونيل أمقران يشرف هناك على الأمور. في نفس الوقت، بمقر القيادة العامة للقوات المسلحة، انعقد اجتماع طارئ بدأ على الساعة الثامنة، أشرف عليه الكولونيل حسن الليوسي للمصادقة على التعيينات التي بلورت بسرعة بعد أن ترقى أمقران إلى نائب قائد القوات الجوية عوض الكويرة على رأس القاعدة الجوية بالقنيطرة.
الساعة الثانية زوالا
اتصل الكومندار الكويرة ببرج مراقبة مطار برشلونة (إسبانيا) للاستفسار عن إقلاع الطائرة الملكية قبل أن يلتحق بطائرته "ف 5أ" بالمدرج، المستعدة للإقلاع.تلقى الماغوتي برقية تؤكد إقلاع الطائرة الملكية من مطار برشلونة.
الساعة الثانية و20 دقيقة زوالا:
توجه الكولونيل أمقران إلى برج المراقبة بقاعدة القنيطرة لقيادة العملية، يلتحق الطيارون بطائراتهم بعد تلقي أمر الإقلاع، آنذاك كانت الطائرة الملكية قد اقتربت من المجال الجوي الوطني.
الساعة الثالثة زوالا و40 دقيقة:
اتجهت الطائرات "ف 5" على علو 9000 متر إلى طنجة، بدخولها أجواء المثلث العرائش – طنجة – تطوان بدأت التحويم في انتظار ظهور الطائرة الملكية.بعد انتظار دام بضعة دقائق طلب الكويرة أحد رفاقه باستطلاع الأجواء المجاورة لمثلث العرائش – طنجة – تطوان، معتقدا أن الملك ربما أمر بتغيير مسار طائرته.فعلا، وحسب المعلومات التي اتضحت في ملف القضية، كان الملك الحسن الثاني قد أمر محمد القباج بالطيران فوق الشواطئ الإسبانية أكبر مدة ممكنة، الشيء الذي أخر موعد ظهور الطائرة الملكية في مجال الجو الوطني بالشمال.كان الملازم "دحو" أول من شاهد البوينغ الملكية، فأعلن في الراديو: "طوليهو".. "طوليهو".. (وهي عبارة انجليزية معروفة لدى طياري المطاردة، وتعني أن الهدف قد انكشف بوضوح).استقرت الفرقة الأولى، بقيادة صلاح حشاد يمين الطائرة الملكية وضبطت مسارها إلى جانبها حسب القواعد المعمول بها في عمليات الخفر كما كان محددا. في حين انطلقت طائرات الفرقة الثانية، تحت قيادة الكومندار الكويرة أمام البوينغ، لتتحرك صعودا ونزولا وهي تقوم بحركات بهلوانية.آنذاك أمرهم محمد القباج بالابتعاد قائلا: "ابتعدوا.. الملك لم يطلب خفر طائرته.. ابتعدوا..." وقتئذ كان الملك بمكتبه الخاص على متن طائرته منهمكا في حديث مع شقيقه الأمير مولاي عبد الله، في حين كان الدليمي وباقي ركاب البوينغ جالسين على كراسيهم في الجناح الخاص بهم.الساعة الثالثة و42 دقيقة زوالا:على حين غرة أمر الكومندار الكويرة، صلاح حشاد وفرقته عبر الراديو: "ابتعدوا.. اذهبوا إلى حال سبيلكم.. ابتعدوا.."قبل إطلاق النار، يقول أحمد رامي، أمر الكومندار الكويرة الطائرة الملكية بالهبوط في القاعدة الجوية بالقنيطرة، غير أن الملك رفض هذا الأمر جملة وتفصيلا، آنذاك بدأ الكويرة بإطلاق النار على الطائرة الملكية.في تلك اللحظة نهض الملك من مكتبه وأخذ ينظر من النافذة، تارة إلى اليمين وأخرى إلى اليسار، ثم توجه إلى مقصورة القيادة، حسب ما تسرب من معلومات.عمت الفوضى وقتئذ بين الركاب في الجناح الخاص بهم، وتزاحموا على النوافذ التي احتل إحداها أحمد الدليمي ولم يغادرها حتى اختفت طائرات "ف 5" عن انظاره.آنذاك انطلقت الرصاصات الأولى من رشاش طائرة الكومندار الكويرة، لكن سرعان ما اكتشف أن رشاشه لم يعد يتحرك بفعل عطب غير متوقع، سمعه الربابنة يصيح عبر الراديو ويسب باستعمال بعض الألفاظ النابية.تنحت طائرة الكويرة جانبا وتقدم "زياد" ليمطر الطائرة الملكية بوابل من الطلقات دون أن يصيب هدفه.تلاه بوخاليف الذي أخذ يرشق البوينغ برشاشه، حيث تمكن من إصابتها في عدة أماكن، سيما في أحد محركاتها.وقتئذ صاح بوخاليف في الراديو: "قضي الأمر... لقد أصبتها...".في ذلك الوقت قال "الدكالي" لصلاح حشاد، والرصاص يلعلع في السماء: "ما العمل الآن؟.. لماذا لا نفلت بجلدنا إلى إسبانيا". لحظتئذ كان بوخاليف قد تمكن من إصابة المحرك الثاني للطائرة الملكية، بعد إنهاء مخزونه من الرصاص.انطلق صوت الكويرة عبر الراديو من جديد قائلا:"وداعا يا رفاق.. سأصطدم بالبوينغ من أجل وطني.."توجهت مقدمة طائرة "ف 5" نحو مقصورة قيادة البوينغ، ثم انبجس الكويرة منها، ليظهر بعض لحظات معلقا تحت مظلته في السماء.استمرت طائرته في الهبوط في اتجاه البوينغ لكنها انحرفت بعض الشيء عن هدفها وكادت تصطدم بإحدى جناحيها، لكن الطائرة الملكية نجت من الاصطدام بأعجوبة.وحسب أحد طياري "لارام"، وقع ذلك بفعل عوامل الجو والرياح، سيما وأن الكويرة غادر مقصورته، مما خفف من وزن الطائرة التي تلاعبت بها الرياح فسقطت كل حسابات الكاميكاز في الماء.بعد ذلك استقرت طائرة بوخاليف فوق البوينغ في وقت كانت النار قد شبت بإحدى محركاتها ودخان كثيف السواد يلف جزءا من جناحها، فأفرغ مخزون وقوده (الكيروزين سريع وشديد الاحتراق) فوقها، ولحسن الحظ أبعدت الرياح الحمولة بفعل السرعة التي كانت تهبط بها الطائرة الملكية المصابة، وإلا لكانت قد تحولت إلى كرة نارية قبل أن تتناثر أجزاؤها بفعل الكمية الكبيرة من الكيروزين التي كانت متوفرة بخزاني جناحيها الاثنين، سيما وأن أحد المحركات كان يحترق تحت وطأة النار المشتعلة فيه.بين الساعة الرابعة والخامسة والنصف عم الهلع صفوف ركاب الطائرة، آنذاك كان الملك يقف بصعوبة وراء محمد القباج بفعل الارتجاجات، كانت لحظات حرجة بين الحياة والموت..يضع الملك الحسن الثاني يده على كتف محمد القباج، ويهمس له بحذر في أذنه اليمنى، قائلا :"قل لهم أن يوقفوا رشقنا بالرصاص.. لأن الملك أصيب إصابة خطيرة.. وتظاهر بالامتثال لأوامرهم...".رغم بداية نشوب حريق بالطائرة، أسرع الملك إلى مقصورة القيادة غير مبال بالمضيفة التي كانت تطلب منه استخدام قناع الأوكسجين.. أمر "الستيوارت" الذي كان واقفا بالباب بترك المكان.. دخل المقصورة ووقف وراء الربان محمد القباج، ثم انحنى عليه، متابعا مشهد إمطار طائرته بالرصاص من طرف إحدى طائرات "ف5".وبعد لحظة أمر الملك محمد القباج بإرسال برقية عبر الراديو، مفادها أن الملك أصيب إصابة خطيرة.آنذاك كان الكويرة قد قرر القيام بدور "الكاميكاز"، لكن غريزة حب الحياة خانته ونفذ بجلده في آخر لحظة. وبعد ذلك عوضه بوخاليف، مصيبا المحرك الثاني.بدأت الطائرة الملكية في الانحدار صوب مدرج هبوط الطائرات بالقاعدة الجوية بالقنيطرة.. ومرت على مسافة قريبة جدا من السجن المركزي.قبل هذا، ومنذ أن أطلق الكويرة رصاصته الأولى، كان أحمد الدليمي يكرر بعض الإشارات دونما توقف محاولا تمرير رسالة غير مفهومة إلى أحد طياري الفرقة الأولى، وغالب الظن أنه كان يحاول إخبار صلاح حشاد بأمر ما، هذا الأخير لم يوله أي اهتمام لصعوبة رؤية ما يقع داخل الطائرة الملكية، وذلك ما أكده مرافقه الدكالي.ربما أيقن كل من زياد وبوخاليف، أن البوينغ ستنزل فعلا بالقنيطرة، لذا استعد زياد للهبوط وتبعه بوخاليف بعد أن حاول إفراغ ما تبقى من وقوده على البوينغ.في تلك اللحظة، وخلافا لقواعد الطيران، أعاد محمد القباج تشغيل المحرك رغم نشوب النار به، ومكنته هذه المخاطرة من التحكم من جديد في البوينغ، ثم غير الاتجاه وبدأ في الصعود قاصدا مطار الرباط ـ سلا.آنذاك حطت طائرات "ف5" بمدرج القنيطرة، وبعد التزود بالوقود والسلاح أقلعت أكثر من طائرة متوجهة إلى الرباط بعد أن صاح بوخاليف في اتجاه الطيارين: "ليتبعني من يريد..". كما أمر الكولونيل "أمقران" "مرحاج" وطيارا آخر بالقيام باستطلاع جوي بالمطار والتقاط صور. وذلك بعد أن أسر لـ "العربي" بالتوجه إلى الرباط، اعتقادا منه، أنه في حال فشلت محاولة النيل من الملك في الجو، سيحسم الجنرال محمد أوفقير الأمر على الأرض بالرباط، سيما وأنه كان قد أعد فرقة الدبابات للقيام بالمهمة.
الساعة الرابعة و50 دقيقة زوالا:
بعد التزود بالوقود والأسلحة من جديد حلقت طائرتا "زياد" و"بوخاليف" متبوعتين بطائرات أخرى في اتجاه مطار الرباط ـ سلا.آنذاك كان الانقلاب قد فشل وبدأ أمقران وطيارون آخرون ـ مكثوا بالقاعدة الجوية بالقنيطرة ـ يفكرون في المآل.
الساعة الخامسة و15 دقيقة زوالا:
في الجناح الشرقي بمطار الرباط ـ سلا، كان الوزراء وموظفون وضباط سامون في انتظار استقبال الملك الحسن الثاني الذي غاب عن الوطن 20 يوما، لم يكن أحدهم يعلم بما حدث في السماء بين طنجة والقنيطرة.ظهرت الطائرة الملكية في الأفق تتبعها سحابة من الدخان الأسود الكثيف، وهي تتأرجح يمينا وشمالا..وقتئذ كان الجنرال محمد أوفقير ببرج مراقبة مطار الرباط في انتظار القيام بإنجاز آخر مشهد في عملية "البراق"، ومن ثم إرغام الملك على التخلي عن الحكم باستخدام وحدة عسكرية تحت إمرة الكولونيل "أوباجة" الذي كان بمعية دباباته في انتظار الأوامر. لكن الجنرال فضل ـ لغرض في نفسه ـ إصدار أمره للكولونيل بإخلاء المكان والانسحاب إلى ثكنته، قبل أن يغادر هو نفسه المكان بصمت ودون إثارة انتباه الحاضرين.بعد ذلك اتصل الجنرال ببرج مراقبة قاعدة القنيطرة لمعرفة الضباط الحاضرين بها وقتئذ، ثم أصدر أمره للجنرال بنعبد السلام قصد التوجه إلى قاعدة القنيطرة لسحق الخونة الذين تطاولوا على الملك للدوس عليهم بدباباته. بعد الساعة الخامسة بدقائق معدودات، حطت الطائرة الملكية بالمطار، مع أنها انحرفت قليلا عن مسار الهبوط وتوقفت بجانب مدار المدرج بإرادة من محمد القباج تلافيا لاحتكاك الطائرة بالإسفلت، سيما وأنها كانت قد فقدت إحدى عجلاتها، تجنبا لاشتعالها وتعرض ركابها للموت احتراقا.. لقد سادت فوضى عارمة بالمطار وبالقاعة الشرفية بعد أن بدأت طائرات "ف 5" تمطر بالرصاص كل شيء يتحرك.. انطلق الموكب الملكي الرسمي في جو من الفوضى.. وامتطى الملك الحسن الثاني سيارة عادية تم احتجازها من طرف إدريس بنعمر أو محمد المديوري، حسب روايتين. اتجه الموكب الرسمي إلى القصر الملكي بالرباط تحت وابل من الرصاص، في حين اتجهت السيارة التي تقل الملك إلى قصر الصخيرات متجنبة عبور الطرقات الرئيسية.يقول مصدر مطلع، في البداية رفض الملك الحسن الثاني مغادرة الطائرة الملكية، إلا أن محمد القباج ألح عليه، ورغم أن الملك لم يبد موافقته الصريحة، رفض ربانه الانصياع لرغبته وحرص على اقتياده إلى قاعة الانتظار في ظروف ما زالت لم تتجل بعد كل حيثياتها.
الساعة الخامسة والنصف زوالا:
امتطى أمقران طائرة هيلكوبتر بمعية اليزيد الميداوي للالتحاق بالجنرال محمد أوفقير بالرباط، لكن حال وصوله المطار، فهم أن الرياح قد هبت في غير الاتجاه المحدد، فقرر قيادة طائرته صوب جبل طارق، جنوب اسبانيا. وقبل مغادرة المجال الجوي الوطني أعلن عبر الراديو أن اسم المدبر للانقلاب يبدأ بحرف "أو" (بالفرنسية)، ثم عبر المضيق ليحل ضيفا ـ غير مرغوب فيه ـ على الإنجليز الذين أعادوه للمغرب بعد جملة من الضغوطات والتهديدات، منها قطع الماء الصالح للشرب على الصخرة.آنذاك كان الانقلاب قد فشل، وحسب أحمد رامي، يتحمل الوافي الكويرة المسؤولية كاملة في فشل هذه العملية، لأنه لم يتحقق من سلاح طائرات "ف5"، لقد تم تزويدها برصاص التدريب وليس برصاص المعركة المتفجر، وربما قد حدث أيضا خطأ في صناديق الذخيرة، خصوصا وأن أمر تسليح الطائرة صدر على حين غرة.
الساعة الخامسة و50 دقيقة زوالا:
بعد وضع اليد عليه بين سوق الأربعاء الغرب وشاطئ مولاي بوسلهام بإقليم القنيطرة، من طرف فرقة محلية للدرك الملكي، اقتيد الكومندار الوافي الكويرة على وجه السرعة إلى القصر الملكي بالصخيرات، هناك خضع لاستنطاق بحضور الملك الحسن الثاني، فكشف عن المستور.آنذاك كان "زياد"، "بوخاليف"، "كمون"، "بينوا"، "البحراوي" وآخرون يتبادلون التهم فيما بينهم بمدرج القاعدة الجوية بالقنيطرة، في حين انزوى صلاح حشاد في ركن بمكتبه محاطا بجدار من الصمت الرهيب محاولا الفهم عبر استعادة شريط الأحداث.وقد قال أحمد رامي: "حين كان الجنرال محمد أوفقير ببرج المراقبة بمطار الرباط ـ سلا، بلغت إلى مسمعه الاستغاثات الصادرة عن الربان محمد القباج عبر الراديو، والذي قال: "إن طائرتنا هوجمت والملك قد مات..."، بعد هذا الكلام اعتبر الجنرال أن عاهل البلاد قد لقي فعلا حتفه.. امتطى سيارته وتوجه إلى ثكنة مولاي إسماعيل، حيث كنت أنتظره هناك.. عندما وصل باب الثكنة ناداه أحد الجنود من نافذة إحدى البنايات دون انتظار.. ناداه بصوت مرتفع غير معتاد، سيما وأنه صادر من طرف مرؤوس لأعلى رئيس له بعد الملك... وأخبره أن صاحب الجلالة يطلبه توا بالهاتف...".ويضيف أحمد رامي:"لقد قيل كذلك، إن الخطأ القاتل الذي ارتكبه الجنرال أوفقير، هو مغادرته لبرج مراقبة مطار الرباط ـ سلا، وحين أبعد إمكانية تدخل فرقة الدبابات لمحاصرة المطار كما كان مقررا في الخطة البديلة، في حالة فشل إسقاط الطائرة الملكية أو إرغامها على النزول بقاعدة القنيطرة".
الساعة السادسة مساءا وبضع دقائق.
اتصل صلاح حشاد بالعربي الذي كان ببرج مراقبة قاعدة القنيطرة وأمره بتوقيف أي حركة طيران ومطالبة الربابنة بالعودة ووضع الطائرات الحربية بموقعها.. إلا أنه "لا حياة لمن تنادي".مع اقتراب حلول الظلام حطت طائرات "ف 5" سواء التي قصفت مطار الرباط ـ سلا، والموكب الملكي وقصر الرباط، أو التي تكلفت بالاستطلاع والتقاط الصور بمدرج القاعدة.. وتبين أن كل شيء قد انتهى.. اجتمع الضباط بنادي القاعدة.. ساد القلق والتوجس من الآتي.. ولم يكن من مخرج سوى الانتظار.
الثامنة والنصف مساء
اوصلت المدرعات إلى قاعدة القنيطرة.. في البداية ظن البعض أن الجنرال محمد أوفقير قام بما كان عليه أن يقوم به وبعث بالقوات لدعم ومساندة القاعدة الجوية الثالثة.. لكن المدرعات طوقت المكان وأحاطت بالطائرات الحربية الجاثية على أرضية المدرج، فتمت المناداة على الجميع وأمروا بالانبطاح على الأرض ووضع الأيدي على الرقاب تحت وابل من السب والتنكيل.. وأسدل الستار باعتقال الجميع.
بعد الساعة الثامنة والنصف ليلا
وصل الجنرال أوفقير إلى القصر الملكي بالصخيرات، بعد أن قام بالاتصال بزوجته فاطمة الشنا وابنته مليكة لطمأنتهما.كانت تلك الليلة بيضاء حضرها إلى جانب الملك الحسن الثاني، أحمد الدليمي ومولاي حفيظ العلوي وآخرون.. ولج الجنرال البلاط ماشيا على قديمه وغادره جثة هامدة.. وقال الملك:" انتحر الجنرال الخائن"، في تلك الليلة البيضاء مثل بين يدي الحسن الثاني أمقران، الكويرة، زياد وبوخاليف.. وكانت الحصة الأولى للاستنطاق الذي حدد مآل المحتجزين آنذاك بالقاعدة الجوية الثالثة بالقنيطرة.
17 غشت 1972، الساعة الرابعة صباحا
أشرف كل من الجنرال بنعبد السلام، نائب قائد القيادة العامة للقوات المسلحة، والكوموندار حميدو لعنيكري (الدرك الملكي)، والكومندار بوطالب (القوات الجوية) والقبطان الموش (القوات الجوية) على اقتياد معتقلي القيادة الجوية الثالثة بالقنيطرة إلى القيادة العامة بالرباط تحت حراسة مشددة.. وهناك بدأت مسلسلات "سين وجيم".. وكانت انطلاقة النزول إلى الجحيم.


محمد القباج

محمد القباج من الذين ساهموا في تأسيس القوات الجوية بالمغرب، إذ تكلف بمجرد عودته من فرنسا بتدبير "المكتب السادس الجوي"، الذي شكل النواة الأولى للقوات المسلحة الجوية المغربية، إلا أنه بعد 5 سنوات من الخدمة العسكرية، طلب إعفاءه من الجندية لظروف شخصية في شهر أبريل 1969، ليلتحق بالخطوط الجوية الملكية كطيار مدني.برز اسم محمد القباج يوم 16 غشت 1972، عندما نجح في إنزال الطائرة الملكية وعلى متنها الملك الحسن الثاني وشقيقه الأمير مولاي عبد الله ومجموعة من مرافقيه، على أرضية مدرج مطار الرباط ـ سلا، بأعجوبة رغم إصابتها البالغة جراء هجوم ثلاث طائرات "ف5". وقد حدث ذلك في زمن بلغ فيه الجفاء السياسي مداه الأقصى بين البلاط والمعارضة والمؤسسة العسكرية.كان محمد القباج من الفوج الأول لطياري المغرب المستقل حديثا، كانوا 12 طيارا اختاروا خدمة الملك يوم فاتح يوليوز 1956، وهم الذين شكلوا النواة الأولى للقوات الجوية الملكية.بعد تكوين بمدرسة "سالون دو بروفانس" بفرنسا، خضع محمد القباج لأكثر من تدريب خاص في الطيران الحربي، بالقاعدة الجوية الفرنسية بمكناس آنذاك، وضمن الفرقة الثامنة الفرنسية المقيمة بالمغرب وقتئذ.استقبله الملك محمد الخامس رفقة دفعة مدرسة "سالون" بحضور ولي عهده مولاي الحسن، وكان محمد القباج في الصف الأول، اعتبارا لكونه الأول ضمن دفعته.يقول أحمد الوافي، أحد زملائه في مراحل التكوين الأولى:" في سنة 1959، كان محمد القباج وطنيا وليس ملكيا، إذ إبان مراسيم تسلم طائرة "فوري" الانجليزية، رفض تقبيل يد الحسن الثاني، ولي العهد آنذاك. وعندما أنبه الجنرال الكتاني بخصوص هذا التصرف، قال له القباج :"لم يلقوننا تقبيل اليد في مدرسة الطيران".تألق نجمه بسرعة عندما أنقذ الملك الحسن الثاني من موت محقق، سيما أنه وجد نفسه وجها لوجه مع زملاء الأمس.بعد انقلاب 16 غشت 1972 عينه الملك قائدا للقوات الجوية مكان حسن اليوسي الذي كان يزاول هذه المهمة إلى جانب تدبيره "المكتب الثاني" (المكلف بالمخابرات العسكرية) حيث رقاه إلى رتبة جنرال بعد أن قضى شهرا بالمستشفى قصد النقاهة.عندما علم الكولونيل أمقران أن محمد القباج هو القائد ـ ربان الطائرة الملكية امتلكه شعور خاص بالألم الممزوج بالحسرة، كان يعرفه جيدا ويحترمه ويقدره.لقد خبر محمد القباج جيدا طائرات "ف 5"، وقد قيل إنه تعامل مع "البوينغ 727" يوم هجوم 16 غشت 1972، كما لو كان يقود طائرة حربية، وهذا ما ساعده على النجاة حسب العديد من الربابنة.تقاعد في نهاية الثمانينات وقد وافته المنية في غضون سنة 1989.

" طائرة الرعاية".. "الحاجة البوينغ"

بعد النجاة من محاولة الانقلاب في صيف 1972 أطلق الملك الحسن الثاني على الطائرة الملكية، "البوينغ 727"، "طائرة الرعاية"، في حين نعتتها صالونات الرباط بـ "الحاجة البوينغ"، لأنها أخذت إلى مكة وغسلت بماء بئر زمزم بعد مرور سنة على المحاولة الانقلابية الفاشلة، وبعد أن قامت شركة "البوينغ" بترميمها.بعد سنوات من استخدامها عبر رحلات بين المغرب وأوروبا وأمريكا، خصصت لتدريب مضيفات و"ستيوارت" "لارام".في بداية السبعينات اقتنى المغرب أول طائرة "بوينغ 727" من انجلترا، وكانت تقريبا جديدة، مسجلة تحت تسمية "cn - ccg"، قامت بأول رحلة في 24 نونبر 1970 وكانت آخر رحلاتها في شتنبر 1993، لتخصص لتدريب الطاقم الطائر بشركة الخطوط الملكية الجوية.ارتبطت طائرة "البوينغ 727" في الذاكرة الجماعية بعملية "البراق" التي اقتضت خفر الطائرة الملكية من شمال البلاد إلى مطار الرباط ـ سلا، وتهديدها ثم إرغامها على الهبوط بالقاعدة الجوية بالقنيطرة، وفي حالة فشل المرحلة الأولى، كانت الخطة البديلة هي تطويق الطائرة الملكية على أرضية مطار الرباط ـ سلا، وإرغام الملك على التخلي عن الحكم.في الوقت الذي كانت فرقتا الخفر تطوف فوق المثلث طنجة ـ تطوان ـ العرائش، كان بعض الطيارين، يبيتون هجوما على "البيونغ 727" القادمة من برشلونة لإسقاطها في البحر الأبيض المتوسط. كانوا في الحقيقة يرغبون في القيام بانقلاب ضد الملكية لتنحية الملك الحسن الثاني.آنذاك كان محمد القباج يقود الطائرة باطمئنان... زادت طمأنته عندما رأى سرب طائرات "ف5" التي تحوم على بعد من البوينغ في انتظار الإحاطة بها لتشكيل الموكب، على موعد مع وابل من الرصاص ينطلق من كل جانب وسرب من طائرات حربية حضرت لحمايته وخفره.. كان الجو حارا ذلك اليوم والشمس رصاصية.بعد الهجوم استمرت الطائرة الملكية في التحليق بتشغيل محركين ثم بمحرك واحد فقط.. وقد شبه أحد الصحفيين الغربيين حالة البوينغ 727 بعد هبوطها بـ "كسكاس" نظرا لكثرة الثقوب التي أحدثها الرصاص بها من كل الجوانب.ويقول أحد العاملين بالمطار (برج المراقبة) إن محمد القباج تعمد عدم استعمال مدرج الهبوط وقاد الطائرة خارجه على أرضية ترابية لتجنب احتكاكها بالإسفلت واشتعال النار كما سلف الذكر، سيما وأنها كانت قد فقدت بعض
عجلاتها، وقد نجحت الخطة، علما أن الجناح الأيسر للطائرة كان يحيط به اللهب منذ أن أوهم القباج المهاجمين بإنزال الطائرة بقاعدة القنيطرة.

الدليمي استهدف حشاد

ظل أحمد الدليمي يضمر حقدا خاصا لصلاح حشاد، لأنه لم يمتثل لأوامره حينما كانت الطائرة الملكية تتعرض لقصف من طرف الكويرة وزياد وبوخاليف في السماء بين طنجة ومولاي بوسلهام.لقد أخذ الدليمي على حشاد عدم الانتباه إليه وهو يوجه له إشارات من نافذة الطائرة، كان يومئ له بإشارات تفيد الابتعاد، وكان يرمي إلى إفهامه أن يذهب لإخبار المسؤولين.ففي إطار الاستنطاق سأل الكومندار لعنيكري صلاح حشاد، بحضور الجنرال مولاي حفيظ العلوي، قائلا :
- نعلم أن لا صلة لك بالانقلاب، لكن قل لنا ما هي السرعة التي كنت تطير بها لحظة الهجوم على الملك؟يجيب حشاد:- "بين 800 و900 كيلومتر في الساعة".ويردف لعنيكري:
- "...ولماذا لم تهبط بمطار الرباط ـ سلا، لمد يد العون للملك ومساعدة البوينغ المصابة؟".يرد حشاد بكل ثقة في النفس:- "لم يكن في إمكاني القيام بذلك.. "مون كومدان" لأنه مخالف لقواعد المنظمة العالمية للطيران، ولو كنت قد قمت بذلك لانسد الطريق أمام الطائرة المصابة المضطرة للهبوط كيفما تيسر لها.. ولكانت العاقبة وخيمة، علما أن القاعدة المعمول بها في حالة الهبوط الاضطراري، تفرض على كل الطائرات المحلقة فسح المجال لها والابتعاد توا عن المدرجات إلى حين هبوطها".وخلال مرافعتها، في غضون أكتوبر 1973، طلبت النيابة العامة (وكيل الملك) الإعدام في حق 15 ظنينا، وكان صلاح حشاد أحدهم. اختلط الأمر على الأستاذ الفرقاني الذي قال، في مكالمة هاتفية، لعايدة حشاد، زوجة صلاح:-
- "هل هناك من علاقة عمل أو صداقة بين زوجك والكولونيل الدليمي؟ هل تعرفين هذا الضابط؟".كان جواب الزوجة بالنفي، فقال لها الأستاذ الفرقاني إن الكولونيل الدليمي يستهدف رأس زوجها، سيما وأنه (الدليمي) كان أحد ركاب الطائرة الملكية وهذا أمر ندد به الكثيرون في السر بفعل الرعب السائد آنذاك، خصوصا وأن الدليمي كان ضمن هيئة المحكمة العسكرية التي حددت مصير المعتقلين.وقد أجمع أغلب متتبعي ملف القبطان صلاح حشاد من رجال القانون والملاحظين والعسكريين والزملاء والمتهمين أنفسهم، على أن صلاح كان ضحية رغبة انتقامية لم يخفها الكولونيل أحمد الدليمي.فصلاح حشاد، يعتبر الطيار الوحيد الذي قاد طائرة غير مسلحة، حيث حوكم بـ 20 سنة سجنا نافذا. أما مرافقه، يوم الهجوم على الطائرة الملكية، الدكالي، فمتعته المحكمة بالبراءة وكذلك الأمر بالنسبة لبن بوبكر وداحو اللذان قادا طائرتي "ف5"، غير المسلحتين.. وبذلك ظلت حالة الطيار القبطان صلاح حشاد لغزا حير العديدين. وقد أصاب الأستاذ الفرقاني حين أبدى قلقه بصدد الدفاع عنه، خصوصا لما شهّر بحرص الدليمي الشديد على إسقاط رأس حشاد بأي ثمن وذاك ما كان، لأنه أشار إليه من قلب البوينغ 727، لكن حشاد لم ينتبه له، بل لم يكن في إمكانه رؤية ما يحدث داخل الطائرة الملكية عبر نافذتها الصغيرة، وهي تطير بسرعة 800 كيلومتر في الساعة.آنذاك، كان الظلم سائدا، وكانت رغبة الكولونيل الدليمي في الانتقام، كافية وزيادة لإدانة صلاح حشاد مهما كان الأمر.

نهاية الطيارين المتمردين

كان محمد القباج من بين الذين حضروا إعدام الضباط وضباط الصف الإحدى عشر، وفي هذا الصدد قال الأستاذ الفرقاني: "كنت في فترة نقاهة، بعد إجراء عملية جراحية طارئة بإحدى المصحات في العاصمة الرباط.. زارتني عناصر من الأمن على الساعة الثانية ليلا وأرغموني على مغادرة السرير لاصطحابهم قصد حضور مراسيم إعدام الكولونيل أمقران، بحكم أنني دافعت عنه وآزرته خلال المحاكمة.. قادوني في تلك الليلة إلى السجن المركزي بالقنيطرة قبل أخذي إلى مكان تنفيذ الإعدام.. لم يسبق لي أن تأثرت كما تأثرت في تلك الليلة الباردة.. سمعت الكومندار الكويرة يتلو :"لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك".. تم الإعدام تحت أنظار العديد من الضباط.. ربما لتمرير الرسالة وحثهم على أخذ العبرة.. أما الكولونيل أمقران فقد طلب الصفح من زملائه، لكن "العربي" رد عليه قائلا :".. إنه لشرف عظيم، الموت بجانبك "موكولونيل..". أما "زياد" و"بوخاليف" فصاحا، أمام فرقة الموت بصوت واحد "تحيا الجمهورية الديمقراطية الشعبية المغربية".أسر لنا أحد عناصر الأمن، الذي اشتغل بمدينة القنيطرة في السبعينات، أنه تلقى أوامر لمرافقة عناصر غريبة عن المدينة، قيل له إنهم من القصر، جاؤوا لالتقاط صور للأشخاص المشاركين في تشييع جنازة الضباط وضباط الصف الذين أعدموا صبيحة يوم الأضحى لعام 1973.ذلك اليوم أبت الطبيعة إلا أن تشارك المشيعين حزنهم، والمغاربة استياءهم وعدم تقبلهم برمجة عملية الإعدام يوم الاحتفال بأعظم الأعياد الإسلامية، يوم نهى فيه الإسلام عن سفك الدماء وإعلان الحروب حتى على ألذ الأعداء.. ذلك اليوم، على حين غرة تلبدت السحب في السماء واكفهر الجو ولاحت بوادر عاصفة في الأفق.. زوال ذلك اليوم أخبرت عائلات المعدومين لتسليم جثامين ذويهم للقيام بمراسيم الدفن في صمت ودون هرج.. نقل جثمان "العربي" إلى مدينة تيلفت، أما جثمان "الميداوي" فقد أُخِذ إلى مدينة فاس ليدفن بجوار قبر الشهيد "بن إدريس" حسب وصيته، في حين دفن جثمانا كل من "زياد" وبلقاسم" بمقبرة سيدي البخاري بالقنيطرة، وقد سار خلف نعشهما جمهور غفير أقلق السلطات المحلية ومصالح الأمن.آنذاك كانت عناصر أمنية، أتت من الرباط، خصيصا لالتقاط صور المشاركين في الجنازة، أما جثماني كل من "أمقران" و"الكويرة"، فقد تقرر دفنهما بمدينة الشاون حسب رغبتهما، غير أن عامل الإقليم رفض السماح بدفنهما بمقبرة المدينة، إذ اعترض سبيل موكب الجنازة، وأرغمه على تحويل اتجاهه نحو مقبرة صغيرة بجبل بضواحي المدينة، حيث وري الجثمانان.وفي غضون شهر فبراير 1973 صدر الأمر بإخلاء المساكن الوظيفية الكائنة بالقاعدة الجوية بالقنيطرة، التي تقطنها عائلات الطيارين المعتقلين، لكن محمد القباج، قائد القوات الجوية منذ فترة قصيرة، سمح لـ "نانسي"، زوجة الطيار "الطويل" الأمريكية الجنسية ـ دون سواها من العائلات الأخرى ـ بالمكوث بالمسكن الوظيفي في قلب القاعدة.هذا في وقت لقيت عائلات المعتقلين صعوبات جمة في كراء منازل للاستقرار في مختلف أحياء مدينة القنيطرة، بفعل الرعب الذي امتلك السماسرة والملاكين جراء بعض تدخلات السلطات، وحتى العائلات التي تمكنت من إيجاد منازل للكراء صادفت صعوبات كثيرة للحصول على عدادي الماء والكهرباء. آنذاك عمل المخزن على إظهار أفراد تلك العائلات كخونة وأعداء للملك والوطن وجب نبذهم.

بوخاليف الذي ظل قويا

اضطلع بالدفاع عن الطيار بوخاليف، أحمد رضا كديرة، وكان أقرب المقربين من البلاط آنذاك. هذا أمر قد يستغرب له البعض، لكن في واقع الأمر ـ وحسب أحد الذين يعرفون هذا المحامي حق المعرفة ـ ما كان يهم كديرة، هو المال ولا شيء سوى المال، وهو الذي قال في مرافعته بالمحكمة العسكرية بالقنيطرة:"من الطبيعي أن تقع انقلابات بالمغرب، لقد وضعنا السلطات بين يدي الجيش لمدة طويلة، فعندما كانت السلطة بيد المدنين، كنا في مأمن من الانقلابات"، طبعا الأمر لا يحتاج إلى تعليق، إن المستهدف كان هو الجنرال محمد أوفقير، أحد الأعداء اللدودين لأحمد رضا كديرة.بعد الهجوم على الطائرة الملكية، أمر الحسن الثاني بإحضار الطيارين، الذين كانوا يرغبون في القضاء عليه للمثول أمامه ومعاينتهم عن قرب.اقتيد كل من امقران والكويرة وبوخاليف وزياد إلى القصر الملكي بالصخيرات. أراد الملك ان يتعرف عن قرب على هؤلاء الذين كانوا قاب قوسين من تنحيته.حسب رواية صلاح حشاد، عندما امتثل أمقران بمعية رفاقه أمام الملك، نظر إليه الحسن الثاني طويلا قبل أن يقول له:" لماذا فعلت هذا؟ أهكذا ترد الجميل.. لقد عولجت على نفقتي بفرنسا.. هل هكذا تجازي عطف ملكك عليك؟.."، واصل الملك سيره يدقق النظر في الماثلين أمامه، وعندما التقت عيناه بمقلتي بوخاليف امتلك الملك شيء من الاندهاش، فقال له:- " كيف نجحت في إصابة طائرتي بطلقاتك بعينيك هاتين"؟فرد بوخاليف بكل ثقة في النفس (حسب صلاح حشاد دائما) على الملك قائلا:- "لو كانوا قد أخبروني بأمر الهجوم قبل حدوثه، أؤكد لكم، لما تمكنتم من مغادرة "البوينغ" سالمين".كانت عينا بوخاليف صغيرتين جدا وشبه مغلقتين، حيث قضى ليلة 15 ـ 16 غشت 1972، ساهرا مع ثلة من ندمائه، ولم يكن على استعداد عملي ونفسي للمهمة التي تكلف بها في آخر لحظة، علما أنه كان الوحيد من طياري "ف 5 " الذي أصاب "البوينغ" الملكية أكثر من مرة، بل وتمكن من تعطيل اثنين من محركاتها الثلاثة.

مخطط أمقران الذي لم ينفذ

قبل الهجوم على الطائرة الملكية يوم 16 غشت 1972، كان الكولونيل أمقران قد اقترح على الفقيه البصري وبعض رفاقه خطة بسيطة للتخلص من الملك الحسن الثاني، إذ أنه دأب على نقل الحسن الثاني على متن طائرة الهيلوكوبتر، ويمكنه في أي لحظة افتعال عطب تقني لتبرير هبوطها في أي مكان متفق عليه، لكن شريطة أن يتكلفوا هم بالملك. إلا أن الفقيه البصري ورفاقه لم يردوا على متقرح الكولونيل أمقران قبل حلول 16 غشت 1972.يبدو أن أمقران بلور هذه الخطة دون علم الجنرال محمد أوفقير وضباط الجيش، علما أن نجاح مثل هذه العمليات يكمن في دقة التخطيط ومشاركة أقل عدد ممكن من الأشخاص، وهذا ما غاب من برنامج التخطيط لعملية "البراق"، التي استهدفت التخلص من الملك الحسن الثاني في السماء، عندما ظهر الكولونيل أمقران العقل المدبر لانقلاب 16 غشت 1972، والكومندار الكويرة كمنقذ، فالأول خطط للعملية، والثاني قصف الطائرة الملكية، بل حاول التضحية بحياته لتنحية الملك الحسن الثاني، غير أن الرغبة في الحياة خانته في آخر لحظة.تقول رواية إنه كان من المقرر أن يتم الهجوم على الطائرة الملكية في رحلة الذهاب إلى الديار الفرنسية في 26 يوليوز 1972، إذ كانت 4 طائرات "ف5" جاثية بمطار طنجة ستعترض الطائرة الملكية لإسقاطها في عرض البحر الأبيض المتوسط، غير أن الملك الحسن الثاني قرر في آخر لحظة، ركوب القطار من الرباط إلى طنجة ثم السفر على متن الباخرة إلى إسبانيا، ومن هناك إلى إسبانيا عبر الطائرة، مما فرض إرجاء الهجوم إلى حين رحلة العودة.ويحكي أحمد الوافي، أحد ضباط القاعدة الجوية الثالثة (القنيطرة).. قبل انقلاب 16 غشت 1972 زاره الجنرال محمد أوفقير رفقة الكولونيل حسني بنسليمان، عامل إقليم القنيطرة آنذاك، في مكتبه بالقاعدة، وطلب منه توضيحات حول طائرات "ف 5 " الأمريكية التي كانت قد عوضت طائرات "الميج" الروسية، ولما هم الوافي بتشغيل شريط في الموضوع سقطت صورة الملك الحسن الثاني التي كانت معلقة على أحد جدران القاعة.

لقاء أربك الجنرال أوفقير

لقد قيل إن الجنرال محمد أوفقير اضطر إلى التعجيل بمحاولة قلب الملك بعد لقاء أجراه الملك الحسن الثاني، دون علمه، مع المعارضين المغاربة.ففي غضون شهر يوليوز من عام 1971، كان الملك الحسن الثاني بالديار الفرنسية. آنذاك انعقد اجتماع في الرباط بالدار التي كان يقطنها المهدي بنبركة، جمع زعماء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.. إلى حدود ذلك الوقت دأب هذا الحزب على اعتماد مقاطعة الانتخابات، لكن مجموعة من القادة أعلنوا عن القطيعة مع العهد السابق للمشاركة في اللعبة السياسية (سيما البرلمانية).تزامن هذا القرار مع انتشار أخبار مفادها أن الحسن الثاني استغل وجوده بفرنسا لمقابلة بعض رموز المعارضة سرا هناك، دون علم الجنرال محمد أوفقير. في نفس الفترة أعلنت إذاعة ليبيا أن معارضي الخارج قد تحالفوا مع القصر الملكي وأعلنوا قبولهم المشاركة في البرلمان.بالنسبة للجنرال أوفقير، الذي كان قد دخل في حرب ضروس مع المعارضة منذ مقتل المهدي بنبركة، كانت القضية مطروحة على الشكل التالي:"إما اليسار أو هو.. ومادام الملك يتفاوض مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فقد قرر التضحية به.." ومنذئذ، يقول أحد المتتبعين، اتضحت الصورة لدى الجنرال :"الملك أو هو؟"، لذلك اختار أوفقير تصفية الملك على وجه السرعة.

مدرب بمدرسة تعليم الطيران:
السيناريو المنطقي كان هو انفجار طائرة الحسن الثاني في السماء

يقدم م- ب (مدرب بمدرسة تعليم الطيران) في هذه الورقة بعض الشروحات حول أنظمة السلامة في الطائرات، أثناء الإقلاع والهبوط، كما يعرض لوجهة نظره الخاصة في حادث قصف طائرة الملك الراحل الحسن الثاني أثناء عودته من فرنسا عبر برشلونة، واحتمالات نجاتها من الهجوم الذي نفذته ثلاث طائرات حربية مسلحة من نوع "ف-5". تعتمد الطائرات خلال الطيران على قوة رفع الهواء للأجنحة ويتناسب حجم الأجنحة مع وزن الطائرة والمهمات الموكلة بها، كما تعتمد على المحركات لتحقيق القوة التي يضرب بها الهواء على الأجنحة، يقول م-ب، قبل أن يضيف:"إن طائرة البوينغ 727 التي أنتجت في ستينيات القرن الماضي، مزودة بثلاثة محركات كلها مثبتة على ذيل الطائرة، وتعتمد أغلبها (حسب الحجم والمهام) على محركات الدفع التي تستفيد منها الطائرة في تحقيق سرعة الدفع، وهناك أنواع، منها النفاثة أي التي تعتمد على ما يسمى بـ "النظام التوربيني النفاث للخلف"، أي أن رد فعل الطائرة سيكون للأمام أو يحرك مراوح كبيرة تتولى توليد قوة الدفع للخلف فتنسحب الطائرة بسرعة للأمام. تقلع الطائرات ذات الأجنحة الثابتة بزيادة سرعة الاندفاع للأمام فترتفع قوة الهواء المصطدم بالأجنحة فتؤدي إلى رفع الطائرة في الهواء، في حين أنها تهبط بتقليل قوة الاندفاع الأمامي وتقل سرعة اصطدام الهواء بالأجنحة فتقل قوة الرفع وتنخفض الطائرة بتأثير وزنها وقوة الجاذبية الأرضية لكتلة الطائرة. في نفس السياق، يضيف نفس المتحدث، تتولى إدارة المطارات وعن طريق أنظمة رادارات إلكترونية متطورة تنظيم عمليات الإقلاع والهبوط المتكرر على نفس مدرجات الهبوط منعا للتصادم، وتتولى تنظيم المرور الجوي في المسارات ضمن الأجواء التي تتحكم بها واستلام الطائرات الداخلة للأجواء ووضعها في المسار المناسب من حيث الاتجاه والسرعة والارتفاع المقرر، وكذلك تودع الطائرات المغادرة للأجواء وتسلمها إلى اقرب محطات مراقبة مجاورة . والغاية من ذلك ضمان مراقبة دائمة لاتجاه وارتفاع وسرعة الطائرات في مسارات الطيران المحلية والدولية، لضمان السلامة و تنظيم سيلان النقل الجوي.في نفس السياق يقول م- ب، إن ما تم تداوله على لسان أكثر من شاهد عيان في المحاولة الانقلابية على الملك في السماء يوم 16 غشت 1972، يمكن أن يدفعنا إلى تركيب السيناريو التالي:عندما دخلت البوينغ التي كان على متنها الملك الراحل الأجواء المغربية، كانت على تسعة آلاف متر، الارتفاع المسموح به في حالة هذه الطائرة. في هذه الحالة ومع اقتراب الطائرة الملكية، يصبح من الواجب أن يأمر رئيس السرب (صلاح حشاد) باقي الطائرات المرافقة له بتنفيذ ما سبق الاتفاق عليه قبل الإقلاع، وفي العادة أن تتقدم طائرة رئيس السرب الموكب، في حين يكون نصف عدد طائرات السرب على يمين الطائرة الملكية ، والنصف الآخر على اليسار، لكن الذي حدث شيء آخر. فالقصف الذي تعرضت له طائرة البوينغ 727، التي كان على متنها الملك الراحل، بدأ حين كانت الطائرة في المجال الجوي ما بين منطقتي مولاي بوسلهام والقصر الكبير،أي على بعد بضع دقائق من وصولها إلى العاصمة الرباط، وبالضبط كان أمامها أقل من 15 دقيقة للوصول، وبمعنى أدق فإنها كانت في مرحلة الهبوط، أي أنه على الطيار في هذه المرحلة تقليل قوة الاندفاع الأمامي من اجل أن تخف سرعة اصطدام الهواء بالأجنحة، حيث ينتج عن ذلك أن قوة الرفع تقل وبالتالي تنخفض الطائرة بتأثير وزنها وقوة الجاذبية الأرضية لكتلة الطائرة، لكن في هذه اللحظة تعرضت طائرة البوينغ 727 للقصف من طرف ثلاث طائرات مسلحة من نوع "ف 5"، مزودة بمدفعين عيار 20 ملم، كل واحد منها مزود بمئات الرصاصات.من الناحية العملية، يقول نفس المصدر، إن إصابة محركين من أصل الثلاث المحركات، واشتعال النيران في المحرك الثالث، يعني عمليا أن فرصة النجاة مستحيلة، "إن فرصة النجاة في هذه الحالة غير ممكنة البتة"، فهل المعجزة هي التي أنقذت الحسن الثاني من الموت المحقق في السماء، بعيدا عن الأرض التي شهدت عاما قبل ذلك انقلابا انتهى كما بدأ، بنجاة الحسن الثاني من الموت المؤكد بأعجوبة؟بعد سنوات من نجاته، قال الملك الراحل إن حظ الطائرة من النجاة بعد الأعطاب التي أصابتها لم يكن يتعدى نسبة الواحد في المليار، لكن في الحقيقة، يقول، مصدرنا، إن هناك ثلاثة عوامل ساهمت في بقاء الملك ومرافقيه على قيد الحياة، حالت دون انفجار الطائرة في الجو، وهو الاحتمال الأقرب، فمن جهة كان هناك عامل رئيسي ومهم وهو قرب مطار الرباط سلا من النقطة التي أصيبت فيها البوينغ، لكن هذا القرب لم يكن يعني شيئا، لولا الارتفاع الذي كانت عليه البوينغ، والأهم من ذلك كله حنكة ربانها محمد القباج، الذي أظهر كفاءة عالية في الوصول إلى قاعدة مطار الرباط سلا. من المعلوم، يقول م- ب، إن إصابة محركات الطائرة يعني سقوطها بشكل آلي، أو على الأقل اصطدامها القوي بالأرض في حال كان الهبوط الاضطراري بعيدا عن أرض المطار، لكن القباج أنقذ الطائرة التي على متنها الملك، وغير مجرى تاريخ المملكة." لو كانت القاعدة بعيدة بحوالي 20 كيلومترا فقط، لتغير الأمر كله، لكن ذلك لم يحدث، ونزلت الطائرة في مكانها، رغم أنها أصيبت بأضرار فادحة، ففضلا عن تعطل محركاتها، ثقبت في خمسة مواضع. فقد كانت تطير على ارتفاع ثلاثة آلاف متر Kبسرعة تسعمائة كيلومتر في الساعة، ولو استمرت في التحليق على هذا الارتفاع لحدثت الكارثة، لكن حنكة القباج جعلتها تهبط بحوالي ألف متر مع تثبيت هبوطها، أي خفض سرعة الطائرة إلى 250 كيلو متر في الساعة".في الواقع يقول م-ب، إن السيناريو المنطقي بعد القصف الذي تعرضت له هذه البوينغ المدنية من طرف ثلاث طائرات حربية من نوع "ف 5" مسلحة، أن تخترق واحدة من مئات الرصاصات التي تحتويها المدافع الثلاث خزان الوقود أو تتجه نحو احد المحركات، فيقع الانفجار في السماء، وفرص النجاة في هذه الحالة هي صفر في المائة.


المغُوتِي: هذَا مَا شَهدته على محَاولة انقلاَب أوفقِير ضدّ المَلِك

 

 الجمعة 22 فبراير 2013 - 

” أدخلوني إلى الزنزانة رقم 18 وأقفلوا علي الباب الحديدي، وسط ظلام دامس لا أكاد أرى فيه حتى جسدي”.. مفضل المغوتي

ولد الطيار مفضل المغوتي بمدشر ماغو بباب تازة سنة 1940، التحق بالطيران سنة 1961، ومن ثم رحل إلى قاعدة وليامز الأمريكية سنة 1965، إلى حين عودته إلى القاعدة الجوية في القنيطرة سنة 1967. يوم 16 غشت 1972 انقلبت حياته رأسا على عقب، فقد كان من بين ثلاثة الطيارين الذين انطلقوا من القاعدة الجوية بالقنطيرة لإلقاء التحية على طائرة الملك الحسن الثاني العائدة من فرنسا ،فتهم بالمشاركة في انقلاب 1972، المعروف بانقلاب اوفقير. قبض عليه وعلى من بقي على قيد الحياة من المشاركين في الانقلاب وزج بهم في معتقل تازمامرت . حكم على مفضل المغوتي بالسجن 20 عاما قضى منها ثمانية عشر عاما في أهوال سجن تزمامارت الرهيب.

ننبش في هذا الحوار ذاكرة الاعتقال وجحيم سجن تزمامرت الرهيب يرويها لنا مفضل المغوتي وشهادته على محاولة انقلاب أوفقير.


الطيار مفضل المغوتي مرحبا بك، حدثنا عن مرتع صباك وطفولتك؟

مرحبا، رأت عيني النور والمغرب يرزح تحت نير الاستعمار، ولدت في 15 يناير 1940 بمدشر ماغو بباب تازة، لا تبعد كثيرا عن مدينة شفشاون يكاد جبلها العظيم ماغو يلامس جبال المدينة الجميلة ،لا يفصلها عن الدر دارة إلا أربع كيلومترات . دفعني والدي إلى الدراسة في سن مبكرة . وكانت عادة مداشرنا في الشمال أن يدفع الصبية جميعا لتعلم القران وحفظه في المسيد ،لم يكن حظي من ذلك كثيرا لكني حفظت من القران بضعة أحزاب احتفظت بها ذاكرتي إلى أن ولجت المدرسة بفضل صديق والدي الذي أقنعه بإدخالي للمدرسة ، فكان هم والدي أن أتعلم الحساب حتى أعينه في دكانه ولذلك لم يتردد في قبول الفكرة طمعا في أن أكتسب مهارة الحساب لأريحه من متاعب البقالة. بعدها حصلت على الشهادة الإبتدائية سنة 1954، فانتقلت إلى تطوان لإكمال دراستي الثانوية.

“كان الأمل كبيرا في اجتياز امتحان البكالوريا ومنه الالتحاق بالطب،الحلم الذي يراودني لمدة طويلة…” هذا الكلام ورد في مذاكراتك” ويعلو صوت الأذان من جحيم تازمامرت” ،كيف تحول الحلم من الطب إلى الإلتحاق بمدرسة الطيران؟

الطب كان حلمي لكن القدر اختار لي طريقا اخر لم أكن يوما أفكر فيه ،عندما حصلت على شهادة البكالوريا عدت إلى العائلة بباب تازة وأنا جالس بالخارج نزل زميل لي في الدراسة بتطوان من سيارته و بادرته بالسؤال:

من أين أتيت؟

من الرباط..

ما الذي كنت تفعل في الرباط ؟

كنا نتسجل أنا وبعض زملائي لاجتياز مباراة للالتحاق بالطيران..

دخلت الفكرة إلى أعماق قلبي من غير إذن ،وتذكرت اليوم الذي شاهدت فيه لأول مرة طائرة ضخمة تقبل إلى مكان التدريبات التي كان يقيمها الجنود الإسبان في منطقتنا .. سنة 1963 حصلت على الشهادة العليا في الطيران الحربي بفرنسا، وفي الثامن من شتنبر 1965 تم نقل عشرة طيارين وأنت كنت واحد منهم إلى قاعدة وليامز الأميركية ،ما نوع التدريبات التي اخضعتم لها؟

بالنسبة لي كانت البداية في قاعدة وليامز بطائرة “ت 41″ ،وكانت هذه هي الطائرة التي يبتدئ بها من ليس له أي رصيد في مجال قيادة الطائرات . بعد ذلك انتهينا من التدريب من هذا النوع وجاء دور طائرة” ت 37″ التي تحمل محركين اثنين وهي تشبه إلى حد كبير طائرة ” فوكاماجستر” التي تدربنا عليها في فرنسا.كانت دروس التكوين في القاعدة الجوية ” وليامز” جد مكثفة تشمل العديد من المواد.


في العاشر من يوليوز سنة 1971 كان يوما مشهودا بالمغرب ، المصادف لمحاولة إنقلاب الصخيرات التي نظمتها مدرسة هرمومو العسكرية ضد الملك يوم عيد ميلاده .أين كنت يومها ؟

في ذلك اليوم خرجت نهارا إلى السوق ثم قفلت راجعا إلى القاعدة الجوية في القنطيرة، لم يكن الأمر عاديا في الشارع، فقد كانت مدينة القنيطرة على غير عادتها ذلك اليوم ، ملأت شوارعها العديد من الأليات و الشاحنات العسكرية ،لم يخطر ببالي أن حدثا مهما سيحدث في المغرب ذلك اليوم ،كان الجنرال النميشي وقتها هو المسؤول على سلاح الجو ولعله هو الذي أعطى أوامره لتجميع عناصر سلاح الجو في القاعدة الجوية بالقنطرة. دام الأمر على هذا الحال إلى غاية الخامسة مساءا، حيث نزلت مروحية عسكرية بالقاعدة الجوية ،خرج منها اليوتنان أمقران كان وقتها هو رئيس القاعدة الجوية بالقنطرة، توجه إلينا وحكا لنا حقيقة الأحداث بقصر الصخيرات،وأن الإنقلاب خرج من رحم مدرسة هرمومو وأن الرصاص لا زال يدوي هناك.تركنا في ذهول كبير فلم يكن يتصور أحد أن يقع إنقلاب على الملك الحسن الثاني من قبل الجيش .

لكنه وقع وفشل انقلاب الصخيرات، وخطط لانقلاب ثاني بعد مرور عام، سنة 1971 بينما الملك الحسن الثاني عائد من فرنسا مستقلا طائرته البوينغ التي كان يقودها الطيار محمد قباج صديقكم، لكن البوينغ التي كانت تحلق في طريق نزولها فوق الأراضي المغربية فوجئت بهجوم من ست طائرات من نوع ف5 . أود أن أبدأ معك من صبيحة يوم 16 غشت 1972 منذ أن استيقظت إلى أن طرت وقمت بعملية الخفر؟

يوم 16 غشت 1972 بقاعدة القنيطرة الجوية على الساعة الحادية عشرة والنصف دخل علينا أمقران القائد الثاني لقوى الجوية الملكية وعليه علامات الحزم والجدية طلب من كل الطيارين ما عدا ستة أن يغادروا غرفة العمليات..

كنت واحد من الطيارين الستة؟

لا أنا خرجت مع باقي الطيارين ،حينها نادى علي رئيس برج المراقبة وقال لي بأن رسالة جاءته بالإسبانية وطلب مني أن أترجم له المضمون،لم يكن يعرف الإسبانية في القاعدة الجوية إلا ثلاثة أشخاص: أمقران والكويرة، ومفضل المغوتي .الثلاثي الشمالي المعروف. كانت الرسالة جد قصيرة تقول :”أن الملك الحسن الثاني ستقلع طائرته من مطار برشلونة على الساعة الثالثة مساء،وسيصل إلى الحدود المغربية على الساعة الثالثة والأربعين دقيقة أو الخمسين وأربعين دقيقة..”.


في مذكراتك قلت:”على الساعة الثالثة أو الثالثة وربع كان الطيارون الستة قد حركوا طائراتهم فاقلعوا لملاقاة الملك “.. ألم تلاحظ شيئا غير عاد؟ ألم تشك للحظة أنكم بصدد الترتيب لعملية انقلاب ثانية بعد محاولة انقلاب الصخيرات التي نظمت قبل عام واحد؟

كانت الأمور تبدو لنا نحن الطيارين الذين بقوا في القاعدة الجوية في القنيطرة عادية.ولم يخطر ببال أحد منا أن عملية انقلاب تدبر ضد الملك،لم يظهر على الطيارين الستة ولا على أمقران أي أثر للإضطراب أو التوتر، وكنا نترقب نزول طائرة الملك في الرابعة والنصف وكان الأمر كذلك إذ لم تحل الساعة الربعة وعشرين دقيقة حتى تراءت لنا طائرة البوينغ وهي تهم بالنزول وطائرات الستة للحماية على جنبيها .

هذا يعني أن طائرة الملك في الوسط وثلاثة طائرات عن يمينها وذات العدد عن شمالها؟

بالضبط، ثلاثة عن اليمين وثلاثة عن اليسار. وقبل أن تنزل الطائرة نودي علينا من برج المراقبة وجاءتنا أوامر بضرورة إقلاع ثلاث طائرات لمهمة تحية الملك قرب القاعدة الجوية بسلا ،حيث ستنزل طائرة الملك.حلقنا فوق مطار سلا ثم رجعنا إلى القاعدة الجوية بالقنيطرة تماما كما طلب منا . ولم نكن نعرف أن الملك تعرض لمحاولة إسقاط بطائرته ،ولم نعلم أن طائرته ضربت في جناحه،لكني وأنا أحلق لأداء التحية لاحظت أن طائرة الملك كانت خارجة عن المدرج ،ولم أكترث للأمر.فبرج المراقبة بسلا يراقب كل شيء ولو كان الأمر يستدعي التدخل لقامت القاعدة الجوية بسلا بما يلزم..

طائرة الملك أصيبت بأضرار فادحة، الملك الحسن الثاني نجا من موت محقق بعد أن تهيأ للجميع أنه أصيب، وأعطيت تعليمات بعدها بقصف القصر الملكي.. إذن الانقلاب فشل مرة ثانية، صف لي حالة القاعدة الجوية بالقنيطرة بعد القصف حتى لحظة محاصرتها وتطويقها؟

في الوقت الذي نزل فيه الطيارون من طائرتهم،داهم القاعدة الجوية جنود الأرض المسلحون بالدبابات والشاحنات العسكرية وحاصروا المكان وعلمنا بعدها أن الامر لن يتوقف عند حدود منفذي الإنقلاب وأن القاعدة الجوية ستعاقب كلها،لما جاءت الأوامر العليا بالسيطرة على القاعدة الجوية بالقنيطرة كنا حينها في قاعة العمليات نتأمل ما يجري من الأحداث ولا ندري ما سيحدث لنا. ففي هذه الأجواء لا يمكن أن يضمن أحد أنه سيخرج منها سالما. في هذه اللحظة بدأت المداهمات واعتقل المسلحون من الجنود بالقاعدة الجوية ،وأقبل علينا الجنرال عبد السلام ولد النيكرة وكان يرافقه اليوتينان كولونيل لوباريز رئيس قوات المظلين في القوات المسلحة الملكية ،وهو الذي صاح وقتها بصوت مرتفع: انزعوا أسلحتهم بسرعة ،وأسقطوهم أرضا ومروا عليهم بدبابتكم. اعترض عليه الجنرال عبد السلام وقال له: ماذا تقول ألا تعلم أن هؤلاء حتى وإن تورطوا في مؤامرة الإنقلاب فإن القانون يضمن لهم محاكمة عادلة.

على ذكرك للمحاكمة يقول صالح حشاد قائد سرب الطائرات :”إن عدد المتهمين كان 245 متهما ،طيارون،ضباط الصف ،جنود كلكم من القاعدة الجوية بالقنيطرة ظهرتم جميعا في المحكمة في 17 اكتوبر 1972 بالزي الرسمي العسكري زي القوات الجوية . صف لنا أجواء المحاكمة وأنواع الأحكام الصادرة في حقكم؟

صحيح، في شهر أكتوبر أحلنا على المحاكمة في المحكمة العسكرية بالقنيطرة أعطونا بذلتنا الرسمية وركبوا لنا رتبنا العسكرية، كان من حسن حظي أن الأستاذ محمد بوزوبع رحمه الله هو الذي تكلف بالدفاع عني وعن الكولونيل الكويرة .القاضي الذي أمسك الملف هو السيد بوعشرين. والمدعي العام كان هو السيد بن عيادة وقد قام بمرافعة قاسية طالب فيها بالإعدام للبعض وعشرين سنة للآخرين .وقد أخبرني بوزوبع أن القاضي أصدر حكما ببراءتي .لكن الدليمي وزير الدفاع بعد أوفقير إنزعج من الأحكام وأمر بشكل غير مبرر بتغير هيئة المحكمة،وتغير الحكم في منتصف الليل وحكم علي بعشرين سنة، أما أمقران فقد إعترف أمام القاضي وقال له:”يا سيادة القاضي هؤلاء كلهم أبرياء الذين قاموا بالانقلاب ثلاثة :أنا والكويرة وأوفقير .فأعدم كل من أمقران والكويرة … واختلفت القصص حول مصير أوفقير هناك من يقول أنه انتحر ومن يقول أنه نحر.


“كنا نظن أننا سنقضي مدة الحكم بالسجن المركزي وكان أملنا أن يسمح لعائلاتنا بزيارتنا،ولم نتوقع أنه في السابع من غشت سيتم اختطافنا ليلا إلى مكان مجهول”. المكان المجهول الذي تتحدث عنه هو سجن تازمامرت.. كيف تمت عملية نقلكم إلى هناك؟

في السابع من غشت 1973 على الساعة الثالثة والنصف صباحا ،قدم مسؤول الدرك المسمى فضول إلى السجن المركزي ،طلب منا الخروج من زنازيننا وأمر بوضع الكماشة في أيدينا،والعصابة على أعيننا،وأركبونا في شاحنات عسكرية مغطاة،وانطلقت بنا في جنح الظلام.وقفت الشاحنة قرب طائرتين أعدهما خصيصا لنقلنا إلى جهة لا نعرفها اقلعت الطائرة, وظن الجميع أن لحظة الموت قد اقتربت وأن القوم يستعدون لرمينا جميعا في أعماق البحر. نزلت الطائرة ووجدنا شاحنات عسكرية في انتظارنا، رمونا فوق الشاحنات مثل أكياس القمامة . قطعت الشاحنة مسافة طويلة فأزال رجال الدرك الأقلعة عن الشاحنات وانعطف أحدهم إلى صاحبه وقال له: “أي مكان جيئ بهم هؤلاء …الله يلطف بهم…”. أنزلونا، فأدخلونا من باب حديد واسع ومنه إلى ممر طويل وهناك نزعوا الكماشة من أيدينا وأدخلوا كل واحد منا زنزاناته المظلمة ،لم نكن نعلم هذا المكان الذي اقتادونا إليه هو تزمامرت لكن ما أن قضينا فيه ليلة واحدة حتى أيقنا ألا جحيم هذا فوق الذي اتوا بنا إليه الا أن تكون النار التي أعدها الله للكافرين.

أحمد المرزوقي، في كتابه وهو يصف زنزانة تزمامرت، يقول :”كل زنزانة عبارة عن علبة ضيقة من الإسمنت المسلح، طولها ثلاثة أمتار وعرضها مترين ونصف أما علوها فيقرب من أربعة أمتار تسبح ليل نهار في ظلام مطبق” . إحكِ لنا عن أهوال الصيف والشتاء في معتقل تزمامرت لمدة 18 سنة، أي ما يقارب 6550 ليلة..

كان في المعتقل عنبران في كل عنبر تسعة وعشرون زنزانة، وكان قدري أن ألقى في زنزانة “رقم 18 “طولها ثلاثة أمتار وعرضها يتجاوز مترين .وبالزنزانة ثقب صغير خصص للتهوية . في الصيف كانت مئات الحشرات تحيط بنا ولم تسلم أجسادنا من لسعات قوية بالليل من الناموس والبق والبعوض ومن لسعات العقارب والحشرات الطفيلية والبراغيث والخنافس والرتيلاء والعقارب تندس بمكر تحت الغطاء، كانت معاناتنا تزداد في فصل الصيف ففي فصل الشتاء تكون المعاناة مع البرد القرس ،.كنا في الحقيقة نفضل لسعات الحشرات على لسعات البرد الذي لم يكن له دواء خاصة والغطاء قليل،ودرجة الحرارة ثلاثة تحت الصفر . فضلنا على هذا الحال إلى أن أفرج عنا سنة 1991.

جاء الأمر بالإفراج عنكم سنة 1991 ،عدت إلى باب تازة ،كيف كان لقائك مع والدتك بعد 18 سنة من الفراق والغياب؟

في اللحظة التي رأيت فيها والدتي توجهت إلي بالسؤال قائلة:

أ أنت ابني؟

نعم أنا ابنك.

إن كنت حقا ابني فمد لي اصبعك وأرني قفاك.

كان ذلك من ذكاء الوالدة، فقد كنت موسوما بعلامتين، كانت إحداها في اصبعي من أثر جرح قديم ،وزبيبة كانت بادية على قفاي.. مددت لها اصبعي وقفاي تحسستهما ،وعانقتني ببكاء و قالت : “طال غيابك يا ولدي”.

“ويعلو صوت الأذان من جحيم تزمامرت”، عنوان مذكراتك داخل تزمامازت، عنوان يحمل بين ثناياه طاقة وحمولة دينية إلى أي حد نجح العامل الديني في مؤازرتكم طيلة مدة اعتقال؟

القران الكريم كان أملنا الوحيد، فلم يمر أسبوعان حتى أعطاني حارس إسمه العربي اللوبز مصحفا، تسلمت المصحف، تسلمت ما كنت أعتقد دائما أنه العلاج لكل داء نفسي الذي يحل بنفس بالإنسان،في فترات تماسكها واضطرابها في ثباتها وحيرتها وبأسها وتفاؤلها في لحظات قوتها وضعفها. كان المعنى الذي أعطنى لنا بصيص الأمل وجعله نستصغر الطغاة الظلمة،وننظر إلى حكمة الله البعيدة. أذكر أني اقترحت على الإخوان أن نبدأ حصص حفظ القران الكريم استقبل المعتقلون الاقتراح بفرح كبير،فلم يكن ليتصوروا أن تتيسر لهم فرصة حفظ القران والعيش في ظلاله في جحيم هذا المعتقل. أبلغتهم أني سألتزم قراءة ثمن من القران كل يوم ،وسأعيده أكثر من مرة حتى يترسخ في أذهانهم،وكلما انتهينا من ثمن انتقلنا إلى الذي يليه حتى نختم حفظ القران بأكمه.

بعد صدور الأمر بالعفو عنكم سنة 1991، هل تلقيتم أيّ تعويضات؟

لم نحصل على تعويضات إلا بعد مرور أربع سنوات. سنة 1994 وصلتنا رسالة من وزارة حقوق الإنسان، وكان على رأسها وقتئذ الوزير الشمالي عمر عزيمان، تستدعينا للحضور إلى مقر الوزارة. سافرنا إلى الرباط وكانت هذه هي الفرصة الأولى التي التقى فيها معتقلو تازمامرت بعضهم البعض بعد مضي أربع سنوات على الإفراج عنا. تسلمنا غلافا ماليا بمبلغ خمسة ألاف درهم بقينا نتقاضى هذا المبلغ إلى حدود سنة 2001 وفي هذه السنة استدعانا السيد ادريس الضحاك إلى مقر المجلس الاستشاري لحقوق الانسان فتسلمنا شيكات بعضها يحمل مبلغا ماليا قدره مائتي ألف درهم وبعضها يحمل ثلاثمائة وخمسين الف درهم .وما ان تسلمنا التعويض حتى سحبت الأعمال الاجتماعية دعمها الشهري لنا .وكأننا لم نكن من قبل موظفين لهذه الدولة نتمتع بحقوق التقاعد والتعاضدية الصحية وغيرها مما هو من حقوقنا المدنية.

* طالبة بمعهد البحر الابيض المتوسط للصحافة وتقنيات الاعلام بطنجة







محاولة انقلاب البوينغ سنة 1972وعملية البراق F5

 محاولة انقلاب البوينغ سنة 1972وعملية البراق F5



السبت، 26 ديسمبر 2020

المرزوقي: «كان أوفقير يعتقد بأن طائرة واحدة كافية للقيام بهذه المهمة»

 

المرزوقي: «كان أوفقير يعتقد بأن طائرة واحدة كافية للقيام بهذه المهمة»

 

والمرزوقي، أحد الضباط الذين تورّطوا في المحاولة الانقلابية بالصخيرات، وبعد فشل المحاولة ومقتل كثير من المشاركين فيها حوكم المرزوقي عسكريا مع الناجين من زملائه وحكم عليه بالسجن، قضى عشرين عاما، حيث رُحّل بعد عامين مع كثير من زملائه من السجن العسكري إلى معتقل تزمامارت ليقضي فيه 18 عاما. أفرج عنه في 15 أكتوبر 1991.
في كتابه «الزنزانة رقم 10»، يقدّم المرزوقي شهادة تفصيلية عن المحاولة الانقلابية التي قامتْ بها القوات المسلحة الجوية بتخطيط من أوفقير وأمقران، وتنفيذ من كويرة. يقول عن ظروف التخطيط:
«ليلة غشت 1972، التقى ثلاثة رجال في بيت السيدة آسية الأزرق، زوجة أحد الوزراء الذين تورطوا في قضية تحويل المال العامّ، واعتقلول بسجن لعلو بالرباط من أجل تقديمهم للعدالة. لم يكن الرجل الأول سوى الجنرال القوي محمد أوفقير، وزير الدفاع والماجور العام للقوات المسلحة الملكية، الذي التجأت إليه السيدة آسية من أجل التدخل لمصلحة زوجها. أما الرجل الثاني فكان هو اليوطنان كولونيل محمد أمقران، الرئيس السابق للقاعدة الجوية في القنيطرة، ونائب المفتش العام للقوات المسلحة الجوية، الذي رسم مع الجنرال أوفقير خطة الانقلاب الثاني. أما الرجل الثالث فكان هو الكومندار كويرة الذي خلف أمقران في رئاسة قاعدة القنيطرة والذي كان أحد أصدقائه الحميمين. كانت الغاية من هذا اللقاء هو استدعاء الكومندار كويرة وإقحامه في ذلك المخطط بوصفه منفّذا لعملية إسقاط الطائرة الملكية القادمة في اليوم التالي من فرنسا. وسرعان ما تم إقناع كويرة، الضابط المعروف بالنزاهة والاستقامة والتدين، وخاصة بعدما كشف له اوفقير بعضا من أسرار القصر، وبعض التفاصيل التي لا يعلمها إلا هو. وقد قبل الكومندار وابدى استعداده لتقديم نفسه كقُربان في حال عدم نجاح الخطة.
كان أوفقير يعتقد بان طائرة واحدة كافية للقيام بهذه المهمة، لكن أمقران لم يكن يشاطره هذا الرأي، فجاراه، لكنه أوعز خفية إلى صديقه كويرة، زيادة في الاحتياط، أن ينطلق بسرب يتكوّن من ستّ طائرات، ثلاث منها مسلحة، والثلاث الباقيات بغير سلاح، كما ترك له مسؤولية اختيار الطيارين الذين يراهم مناسبين لهذه العملية مبديا تفضيله للملازم عبد القادر زياد الذي كان يعرفه جيدا نظرا إلى اشتغاله معه طويلا في القاعدة الجوية بمكناس، والذي قام وإياه بتدريبات متعددة في الولايات المتحدة الأمريكية.
أما الطيار الثاني الذي اختاره كويرة من أول وهلة وعوّل عليه، فهو الملازم حيمد بوخالف، وهو شاب ينحدر من اسرة متوسطة تقطن بمدينة مكناس، لكن كويرة فضّل ألا يخبره بحقيقة المهمة غلا وهو محلّق بطيارته في السّماء. وهذا ما أغاض الشاب كثيرا رغم قبوله العرْض تلقائيا في اللحظة الحاسمة. فنادى من طيارته رئيسه وعاتبه بمرارة:
– لماذا فعلت هذا، كان عليك أن تخبرني وأنا في الأرض لكي أتهيّأ لمهمة حساسة كهذه؟.
في 16 غشت 1972، كانت الحركة عادية في القاعدة الجوية في القنيطرة. كان العاملون فيها يمارسون نشاطهم حسب التوقيت الصيفي الذي كان يبتدئ من الساعة السابعة صباحا إلى الساعة الواحدة زوالا. وفي الوقت الذي كان يستعد فيه الضباط وضباط الصف بمغادرة القاعدة، بعد تناولهم طعام الغذاء، أُخبروا وهُمْ في ناديهم بملازمة مكانهم واستعدادهم لتهييئ سرب من الطائرات ستتكلف بخفْر الطائرة الملكية العائدة من فرنسا. فلما استأنفوا عملهم بكيفية عادية بعد الغذاء، فوجئوا بطائرة بوينْغْ ضخمة تحلق فوقهم على علوّ منخفض جدا بكيفية غير عادية، وكأنها كانتْ على وشك السقوط. بينما كانتْ تتبعها على نحو يثير الاستغراب مطاردتان حربيتان، فلمْ يتبيّنوا أكانتا تحميانها أمْ تهاجمانها؟
ماذا حدث؟
انطلقتْ من القاعدة، من دون إشعار أحد، في الوقت الذي كان فيه الضباط وضباط الصف مجتمعين في النادي، ستّ طائرات بقيادة الكومندار كويرة، ثلاث منها مسلحة، وكان ربّانها على دراية تامة بحقيقة المهمة وطبيعتها، وقد كانوا يتكونون، علاوة على الرئيس كويرة، من اليوطنانْ زياد واليوطنان بوخالفْ. أما الطائرات الثلاث الأخرى فلم تكن مسلّحة، وكان في نيّة ربابينها أنهم ذاهبون لخفْر الطائرة الملكية. وقد كانوا يتكونون من اليوطنان دحو، والسرجان شاف بن بوبكر، واليوطنان الدكالي، الذي كان في الطائرة نفسها مع القبطان صالح حشاد الطّيّار الموهوب، الذي كان يُعدّ أبرع طيار وأمهر رام في المملكة، فلمْ تشفع له براءته المطلقة من الاكتواء بنار تازممارتْ.
بمجرّد ما دخلت طائرة البوينغْ الملكية أجواء تطوان، اعترضتها طائرات الخفْر، حتى إذا ما أصبحت على مرمى مدافعها، أمر الكومندار كويرة الطائرات غير المسلحة بالتنحي جانبا، فلما كان له ذلك، ضغط على الزناد لإطلاق النار، ولكن كمْ كانت دهشته عظيمة حين لاحظ أن أية رصاصة لم تنطلق بسبب عطب غير متوقع حصل في مدافعه، فما كان من الملازميْن زياد وبوخالف إلا أن دخلا في المعمعة وبدءا في إطلاق سيْل غزير من الرصاص أصاب حجرة القيادة، كما شهدت بذلك الثقوب في هيكل البوينغْ، وعطل ثلاثة محركات، مما جعل الطائرة تفقد توازنها وتحلق على ارتفاع منخفض.
ازدادت دهشة كويرة وهو يرى الطائرة تواصل تحليقها رغم كل ما أصابها، فاراد أن يفي بالوعد الذي كان قد قطعه على نفسه بالأمس، وطلب من صديقيه التنحي ليفسحا له المجال للقيام بعمليته الانتحارية، غير أنه في اللحظة الأخيرة التي اندفع فيها في اتجاه الطائرة الملكية، أقنعه الملازم زياد بالعدول عن نيته بعد أن أخبره أنه لا زال في جعبته ما يكفي من الرصاص لإسقاط الطائرة. فلما حاول تفادي الارتطام المهول، فشل جزئيا في مناورته فتكسر سقف مقاتلته وهو يحتك احتكاكا رهيبا ببطن البوينغ، مما أرغمه على الضغط في اللحظة الحاسمة على زرّ الانقذاف الأوتوماتيكي بالمظلة، فنزل بعد دقائق بكتف مكسّر في ضواحي سوق الأربعاء حيث ضبطه رجال الدرك هناك، وسلّموه بعد ساعات إلى الملك.
رغم المحاولة الأخيرة التي قام بها زياد وبوخالف، نزلت الطائرة الملكية على نحو كارثيّ في مطار الرباط-سلا على الساعة الثانية والنصف زوالا بعد أنْ دامت مطاردتها ما يقرب من نصف ساعة. فعاد الطياران زياد وبوخالف بسرعة إلى قاعدتهما بالقنيطرة، ثم تزودا ثانية بالذخيرة الحيّة، ورجعا للهجوم مرة أخرى مصممان العزم على المضيّ إلى النهاية. وهكذا حلقا على ارتفاع منخفض جدا فوق الموكب الملكي الذي كان يتأهب لمغادرة المطار، وأمطراه بوابل من الرصاص في محاولة يائسة للإجهاز على الملك. ولما استنفدا ذخيرتهما رجعا مرّة أخرى إلى القاعدة، فلاحظ أصدقاؤهما توترهما الشديد، فسألوهما عن الخبر، فقال لهم زياد وهو يعيد شحن مدافعه:
– إذا كنتم تودون حقا معرفة ما يجري، فخذوا طائراتكم وتعالوا معنا.
هنيهات بعد ذلك، انطلقت ستّ مقاتلات واتجهت نحو القصر الملكي بالرباط، ثم حلقت فوقه في علو منخفض، وبدأ الملازم زياد في إطلاق النار بشكل عشوائي أمرا أصدقاءه أنْ يفعلوا مثله.
وفي حدود الساعة السابعة مساء، كان الجنرال عبد السلام النكرة قد توجّه إلى القاعدة الجوية على رأس وحدة من الدبابات فضرب حصارا محكما عليها، قبل أنْ يقتحمها بعد ذلك. كما التحق من جهته، على وجه السرعة، الكولونيل لوباريسْ، المصاب في أحداث الصخيرات، إلى عيْن المكان، مع وحدة من الجيش. وبمجرّد وصوله أمر جميع الميكانيكيين المشتغلين في المدارج بالانبطاح على بطونهم، وقدْ كانوا على جهْل تامّ بما حدث، ثم أمر سائقي الدبابات بسُحقهم جميعا. ومن حسْن حظ هؤلاء أنّ الكولونيل اليوسي الذي كان في عين المكان، أفلح بعد جهد جهيد في إقناع الكولونيل المتعطّش إلى الانتقام عن العدول عن تلك المجزرة.
قبل قدوم الدبابات، كان الجنرال أوفقير قد أمر الكولونيل الدمناتي بالالتحاق فورا بالقاعدة الجوية وبإعدام كل الطيّارين الذين طاروا تلك الأمسية، محاولة منه لتصْفية كلّ الشهود المزعجين، غير أنه لمْ يكنْ يدري أنّ الكومندار كويرة قد اعتُقل وسُلّم إلى الملك. وفي النهاية، أخذت الاعتقالات الجماعية مسارها. فسيق كلّ الضباط إلى المكتب الثاني (الاستخبارات العسكرية) قصْد الاستنطاق، ثم نقلوا إلى ثكنة المظليين ليستنطقوا ثانية من طرف الدرك الملكي. أما ضباط الصف، فقد اقتادهم جنود من وحدة إصلاح المعدات العسكرية بتمارة، حيث تمّ استنطاقهم كذلك. بعد ذلك سيق الجميع إلى السجن العسكري في القنيطرة حيث خضعوا لعزلة شاملة إلى غاية منتصف شهر نونبر، تاريخ قدوم من يمثّل قاضي التحقيق ووكيل النيابة، الكولونيل بن عيادة الذي لم يكن يُستغى عنه في مثل هذه المناسبات»

8/16/2013



ريمونْ ساسيّا يروي تفاصيل انقلاب 16 غشت 1972

 

ريمونْ ساسيّا يروي تفاصيل انقلاب 16 غشت 1972

ترجمة مصطفى النحال *

بعد المحاولة الانْقلابية الأولى، اعْتمد الحسن الثاني، على خدمات ريمونْ ساسيّا، أحد الحرّاس الشخصييّن السابقين للجنرال دوغول، وذلك منْ أجْل تأمين سلامة الملك، وسلامة الأسرة المَلَكية. وقد كانَ الامتحان الحقيقيّ الأوّل هو مرافقته للملك في رحلة عودته من زيارة خاصة لباريس يوم 16 غشت 1972، حيث عمدتْ أربعُ طائرات «ف5» التابعة للقوات الجوية المغربية لمهاجمة البوينغ التي كان على متنها الحسن الثاني ومرافقوه.
يقول ساسيّا:»كنتُ أوّل من انْتبه إلى وجود طائرات أمْريكيّة، اعتقدتُ للوهلة الأولى أن الأمر يتعلّق بحراسة جوّيّة مرافقة لنا، وتوجهتُ إلى الملك قائلا:»هل أنتَ الذي أعطيتَ الأوامر؟»، فأجاب :»كلاّ، لم أعْط أية أوامر، لكنْ انتبه قد يكون هجوما ليبيّا». على متن الطائرة، كنّا أربعة عشر شخْصا، وكنتُ قد طلبتُ من الجميع عدم حمْل أيّة حقيبة سفر مهما كان نوعها، ولا حتى منديل أو حقيبة يد. وكانت الطائرة في مطار أورْلي، قبل الإقلاع، تحت حراسة الدرك الفرنسي.
«كان على متن الطائرة كلّ من الأمير مولاي عبد الله، والدليمي، ومولاي علي، وعدد من أطباء الملك، والكولونيل السكيرج، ومساعده في الحامية العسكرية، والسكرتير الخاص للملك. لا زلتُ أذكر أنّ الدليمي لمْ يكن يرغبُ في امتطاء الطائرة معنا تحت ذريعة أنه يجب أنْ يبقى في باريس من أجْل قضاء بعض المسائل الهامة، غير أنّ الملك أجبره على الصعود. كانت الطائرة من نوع «بوينغ 727» بثلاثة محرّكات. وخلال هذا الهُجُوم قُتل الضابطان اللذان كانا معنا على متن الطائرة. وتمّ توزيع أقنعة الأوكسجين. كان محمّد القباج ربّانا ماهرا من الأفواج الأولى المغربية المتخصّصة في الطيران الحربي. جلس كل واحد منا هادئا على مقعده، ربما باستثناء عسكرييْن أو ثلاثة من مستوى رفيع حاولوا الاختباء أو مغادرة الطائرة. للحظات طويلة ساد صمْت مُطبق، وكان الدليمي ممسكا بيد مولاي عبد الله، في حين كان الجميع يتساءل عما إذا لم تكن هذه هي الرحلة الأخيرة في حياته. تلقيت شَظْية في الذراع وأخرى في الظهر، وأصيب أيضا العقيد فرج، أما الملك فلم يُصَبْ. وقد أبدى القباج قائد الطائرة الملكية هدوءا مخادعا في إيقاف الهجوم على الطائرة عند هذا الحد. فأوحى إلى مهندس الطيران في الطائرة بالتحدث عبر الراديو للمهاجمين، وإخبارهم بأن أحد قبطاني الطائرة قد قتل، وأن الملك قد أصيب بجروح خطيرة في مؤخرة عنقه. وأضاف المهندس قائلا:» فكروا في زوجتي وأطفالي»، فانسحب المهاجمون إلى قاعدتهم في القنيطرة للتسلح مجدد من جديد، فيما اغتنم القائد محمد القباج، الذي أصبح فيما بعد قائدا لسلاح الجوّ، الفرصة في هذه الأثناء، وبعد عشرين دقيقة هبط بنجاح بطائرة بالغة الإصابة وسط سُحُب من الدخان في مطار الرباط العسكري، فيما أصبحت أي فرصة لتحرك الملك دون اثر ودون شهود مفقودة لمنفذي الانقلاب . بعد ذلك التفتّ نحو الملك وقلتُ له:»عندما تدخل القاعة الشرفية، اطلب من الجميع أن يلتحق بالموكب الملكي، وسآخذك أنا إلى مكان آخر»
اتجه الملك مباشرة من المطار العسكري إلى القاعة الشرفية بالمطار المدني حيث قام بتحية حرس الشرف وتحية الشخصيات الكبيرة المصطفة لاستقباله، ثم قضى بعض الوقت في إصدار التعليمات ولينسحب بعدها بصورة مرسومة إلى سيارة صغيرة متوجهة إلى
بعد هبوط الطائرة، ثم وصل أوفقير ورآني أنا والدليمي نقبض على سلاحنا. همستُ في أذنه بأن يقدّم التشريفات الملكية!. بعدها خاطبتُ الجنرال أوفقير من جديد وقلت له:»يمكنك الالتحاق بالموكب».
«ثم توجهتُ أنا والملك بشكل سريّ إلى القصر الملكي بالصخيرات، ونابَ عنه في الموكب الملكي مولاي عبد الله. ولقد حضرتني البديهة بصورة قوية، فقد حلق فوق المطار سرب من الطائرات المقاتلة وبدأت في قصف صالة القاعة الشرفية والمنطقة الخلفية لها وأطلقوا النيران على موكب الاستقبال الذي كان لا يزال هناك وهذه من اللحظات التي شهدت معظم الإصابات التي حدثت فمات 8 وجرح 50 بينهم 4 وزراء. قال لي الحسن الثاني:»لقد خانني الجيش مرة أخرى». كان ممتقع اللون. غير أنه سرعان ما هدأ وانشرحتْ أساريره في الصخيرات عندما لاحظ بأن الجميع يقبلون يديه ويعبرون عن فرحتهم وامتنانهم. وهذا ما أعاد إليه السعادة والابتسامة.
كُتب الكثير عن «الانعدام المُهْول لمهارة» الرّبابنة المغاربة الذين عجزوا عن اعتراض طريق طائرة مدنية! وقد قدّم أحد رفاقهم، حين سألته شخصيا عن السبب، التفسير التالي:» لقد كان فريق أمقران، قائد سلاح الجوّ، ينتمي إلى الوحدة العسكرية أرض-جوّ، لكنهم لم يتدربوا أبدا على معارك وهجمات جوّ-جوّ، وذلك بسبب التقييدات الناجمة عن المحاولة الانقلابية الأولى، فضلا عن كوْن المدافع الموضوعة على الأجهزة، في نظر هذا الضابط لم تكنْ مُركّزة. «كان الأمر أشْبه بعملية خروج إلى القنص بواسطة البندقيات». بل الأخطر من هذا أنّ فوهات المدافع، التي كانت على متن الطائرات، لَمْ تُسْتصْلَح، علاوة على أنه كانت صدئة بسبب الرطوبة الكبيرة في القاعدة العسكرية بالقنيطرة، وبعضها كان معطّلاً. ومن جهة أخرى، لا ينبغي تجاهل العامل السيكولوجي:» لقد كان كل من اكويرة وأمقران يرغبان في تأكيد شيء ما. فقد كانا متعطّشين إلى الانتقام بسبب مسارهما المهني الذي اعتبراه غير عادل، الأمْر الذي جعلهما يتصرّفان بكثير من الطيْش والرعونة وقليل من التروّي أو انعدامه؛ كما جعلهما عاجزيْن عن تحليل المشاكل الموضوعية التي كشف عنها هذا التدخّل. ولأنهما فكّرا وتصرّفا بطريقة استعجالية، كما فعل اعبابو قبلهما بسنة، فقد كانا مقتنعيْن بأن المهمّة لا يمكنها إلاّ أنْ «تنجح»! التتمّة معروفة: «انتحار» محمد أوفقير، إعدام عدد من الضباط السامييّن، حملة اعتقالات واسعة مصحوبة باستنطاقات عنيفة، وجلسات تعذيب. سنة بعد ذلك، ولأنه لم يكن راضيا على الأحكام التي صدرت في حقّ المتهمين «المتوسّلين والمتضرّعين»، فإنّ الحسن الثاني قدْ أخذ حواليْ ستّين منهم، ونقلهمْ إلى أكبر معتقل سرّي ورهيب، هو معتقل «تازممارت» في الجنوب الشرقي للمغرب، حيث توفّي نصفهم في ظروف فظيعة ومهولة.

*(من حوار مع الكاتب) عن كتاب «Hassan II: Entre tradition et absolutisme de Ignace Dalle»

8/16/2013



حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير

حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير