محاولة انقلاب أوفقير أو عملية بوراق إف 5 هي محاولة انقلاب جرت في 16 أغسطس 1972 قام بها أفراد من سلاح الجو المغربي لاغتيال الملك الحسن الثاني عن طريق مهاجمة طائرة البوينغ الملكية القادمة من برشلونة.
إظهار الرسائل ذات التسميات قادة الانقلاب. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات قادة الانقلاب. إظهار كافة الرسائل
الأربعاء، 28 سبتمبر 2022
الأحد، 8 أغسطس 2021
الجمعة، 6 أغسطس 2021
عقا مقاتل عبابو وقاتله قصة حياة لاجودان شاف الغامض
عقا مقاتل عبابو وقاتله قصة حياة لاجودان شاف الغامض
الجنرال حمو ... قصة حياة الجنرال المثير للجدل في انقلاب الصخيرات
الجنرال حمو ... قصة حياة الجنرال المثير للجدل في انقلاب الصخيرات
الجنرال حمو ... قصة حياة الجنرال المثير للجدل في انقلاب الصخيرات
الجنرال حمو ... قصة حياة الجنرال المثير للجدل في انقلاب الصخيرات
صالح حشاد...طبيب تازمامارت...النشأة و الإنقلاب (الجزء الأول)
صالح حشاد...طبيب تازمامارت...النشأة و الإنقلاب (الجزء الأول)
صالح حشاد...طبيب تازمامارت...المحاكمة و الاعتقال...الجزء الثاني
الأحد، 25 يوليو 2021
السيرة ديال الجنرال محمد أوفقير من اللول حتى للآخر : جميع الأجزاء
السيرة ديال الجنرال محمد أوفقير من اللول حتى للآخر : جميع الأجزاء
اعتمدنا في اعداد هذا الملف على المصادر التالية : - كتاب العائلة والدم لعبدالحميد جواهري قراءة وتعليق في كتاب اوفقير قدر مغربي لستيفان سميث - هوامش من كتاب حدائق الملك لفاطمة الشنة زوجة الجنرال محمد اوفقير - رواية الضيوف لعبدالرؤوف اوفقير ابن الجنرال محمد اوفقير - هوامش من رواية السجينة لمليكة اوفقير ابنة الجنرال محمد اوفقير -رواية من الصخيرات الى جهنم للظابط محمد الرايس معتقل سابق في تزمامارت.
الأحد، 9 مايو 2021
الأحد، 2 مايو 2021
قصة النقيب محمد غلول بعد الفرار من الصخيرات إلى نجاته من جحيم تزممارت
قصة النقيب محمد غلول بعد الفرار من الصخيرات إلى نجاته من جحيم تزممارت
الأربعاء، 27 يناير 2021
الثلاثاء، 26 يناير 2021
الأحد، 10 يناير 2021
الساحة الثقافية بطنجة تبكي مؤذن سجن تازمامارت بعد وفاة المفضل المغوتي
الساحة الثقافية بطنجة تبكي مؤذن سجن تازمامارت بعد وفاة المفضل المغوتي
تُخيم حالة من الحزن على الساحة الثقافية بمدينة طنجة ومنطقة شمال المغرب، بعد وفاة واحد من أشهر أبطال أدب السجون، يتعلق الأمر بالطيار الحربي المفضل المغوتي الذي وافته المنية، الجمعة، عن عمر يناهز 81 سنة، بعد حياة حافلة قضى جزء مهما منها في غياهيب المعتقل الرهيب “تازمامرت”.
والمفضل المغوتي، المولود سنة 1940 بمدشر ماغو بجماعة باب تازة في إقليم شفشاون، هو بطل مذكرات “ويعلو صوت الآذان من جحيم تازمامارتّ”، التي أصدرها الصحفي والكاتب بلال التليدي سنة 2009، ويحكي من خلالها تجربة السجناء الذين جز بهم في غياهب معتقل “تازمامرت” الرهيب، إثر المحاولة الإنقلابية الثانية ضد الملك الراحل الحسن الثاني.
ونعى عدد من الكتاب ومعارف الراحل، وفاة الطيار المفضل المغوتي، على رأسهم كاتب المذكرات، بلال التليدي، الذي وصفه من خلال منشور بصفحته الرسمية على موقع فيسبوك، بـ” الرجل المؤمن الذي كان سببا في تحفيظ عدد من ضحايا تازمامرت القرآن..”.
وكان الراحل، قد التحق بالطيران سنة 1961، ومن ثم رحل إلى قاعدة وليامز الأمريكية سنة 1965، إلى حين عودته إلى القاعدة الجوية في القنيطرة سنة 1967.
وفي يوم 16 غشت 1972 انقلبت حياته رأسا على عقب، فقد كان من بين ثلاثة الطيارين الذين انطلقوا من القاعدة الجوية بالقنطيرة لإلقاء التحية على طائرة الملك الحسن الثاني العائدة من فرنسا ، فاتهم بالمشاركة في انقلاب 1972، المعروف بانقلاب اوفقير.
وتم إلقاء القبض على المغوتي عليه وعلى من بقي على قيد الحياة من المشاركين في الانقلاب وزج بهم في معتقل تازمامرت . حكم على مفضل المغوتي بالسجن 20 عاما قضى منها ثمانية عشر عاما في أهوال سجن تزمامارت الرهيب.
وعُرف الطيار العسكري المغوتي بتدينه وحفظه للقرآن الكريم، حيث لُقب بمؤذن وفقيه تزمامرت وكان سببا في تحفيظ القرآن الكريم لعدد من ضحايا المعتقل المذكور، وقد روى في كتاب “ويعلو صوت الآذان من جحيم تزمامرت” مشاهد مؤلمة ومأساوية طيلة 18 سنة من “حياة الجحيم”.
بحزن واسى عميقين تلقى المكتب التنفيذي للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف نبا وفاة الفقيد لمفضل المغوتي احد معتقلي المعتقل السري الرهيب تازمامارت. وبهذه المناسبة الاليمة يتقدم أعضاء المكتب باحر التعازي والمواساة لعائلته و أصدقاءه متمنيين للجميع جميل الصبر والسلوان.
الجمعة، 8 يناير 2021
أمقران الرجل المستقيم الكريم و الشجاع
أمقران الرجل المستقيم الكريم و الشجاع
جبران خليلنشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 06 - 09 - 2011
هما رحلتان أو قوسان انغلقا علينا ذات صيف و لم ينفتحا إلا بعد مرور ثمانية عشر عاما. قوسان عانينا بينهما أفظع ما يمكن للمرء أن يتصوره. فترة عشنا أثناءها ظروفا تتحدى كل تصور و معاناة تفوق كل خيال.
الرحلة الأولى قادتنا إلى معتقل تازمامارت الرهيب في ليلة صيفية قائظة هي ليلة سابع غشت 1973, و نحن شباب في كامل عنفواننا و قوتنا.تم اقتيادنا خلالها من السجن المركزي بالقنيطرة, الذي كنا ضيوفه بعد أن تمت محاكمتنا و صدرت ضدنا عقوبات سجنية متفاوتة (أما الذين حكموا بالإعدام فقد نفذ في حقهم يوم 13 يناير 1973 في حقل الرماية العسكري بمهدية و لم يعودوا بيننا) بسبب تورط بعضنا في إحدى المحاولتين الانقلابيتين ضد النظام الملكي للحسن الثاني.
أما الرحلة الثانية فقد تمت في 15 سبتمبر 1991 , وهي التي أعادتنا إلى دنيا البشر قادمين ,كما الأشباح, من معتقل تازمامارت و نحن أشلاء بشرية تاركين خلفنا سنوات شبابنا و جثامين ثلاثين من رفاقنا الشهداء الذين سقطوا تباعا في ظروف لا أفظع منها و لا أقسى.
في الحلقات التالية سأشاطر القارئ الكريم جزءا من تفاصيل حياتنا و معاناتنا طيلة هذه الثمانية عشر عاما في معتقل مظلم و ظالم جدير بمعتقلات القرون الغابرة. كما سأتحدث عن الظروف التي قادتنا ? بعضنا بإرادته و البعض الآخر بتضافر ظروف و مقادير لا يد له فيها ? إلى هذا المصير, أي عن المحاولتين الانقلابيتين ل 10 يوليوز 1971 و 16 غشت 1972.
ماذا عساي أقول عن الليوتنان كولونيل أمقران الذي عرفته عام 1964 و الذي اشتغلت إلى جانبه لعدة سنوات؟ لا يمكن أن أقول عنه إلا خيرا... فقد كنت أكن له احتراما كبيرا و إعجابا حقيقيا.
كان أمقران متزوجا من سيدة ألمانية, أستاذة و مترجمة, التقاها في باريس , و تكفلت -حين مجيئها للقنيطرة - بمكتبة القاعدة الأمريكية. كانت سيدة ذات طبع «جرماني», متعالية بعض الشيء و ذات أفكار و مبادئ صارمة. بعد إسلامها غيرت إسمها ليصبح مليكة. و كان لهما ابنان رائعان هما رشيد و ياسمينة. و كنا, أنا و زوجتي غالبا ما نحل ضيفين عليهما حيث كنا نمضي أماسي رائعة, و في بعض الأحيان, كنا نتجول معا على طول ضفة نهر سبو و كان هذا يتيح لنا فرصة إثارة عدة مواضيع مختلفة. و كان, مثلي, رياضيا و لاعب كرة ممتاز, و هو ما كان يقرب بيننا أكثر.
أما بخصوص طبعه, فإن أول ما يمكن قوله هو أنه كان رجلا كامل الاستقامة, فلم أره أبدا يستغل وضعه كي يحصل على امتياز مادي كيفما كان. بل على العكس من ذلك, كان ذا طبع كريم و كان دائم الاهتمام بالمعوزين الذين كان يسعى لمساعدتهم بطريقة أو بأخرى.
و كان ,أيضا , إنسانا يعرف كيف يدافع عن أفكاره و يتعارك من أجل إنجاحها.
و كان, أخيرا, رجلا اجتماعيا جدا, يسير المعشر. و كان موقعه كقائد لقاعدة القنيطرة (التي كانت تجذب عددا كبيرا من الشخصيات بفضل الإمكانات التي توفرها و بفضل مختلف أمكنة اللهو و الاستمتاع إضافة لمتاجرها ذات البضائع المعفاة من الرسوم) يتيح له التعرف على كبار الشخصيات, و هكذا تمكن من ربط علاقات متنوعة مع عدد من الأشخاص, في الوسط العسكري كما من بين المدنيين. ففي الإطار العسكري , كانت علاقاته لا تتوقف عند ضباط سلاح الجو بل ارتبط بعلاقات متعددة مع ضباط القوات البرية و البحرية. و بفضل أصوله الريفية, ظل محتفظا على علاقات وطيدة مع رفاقه القدامى من المنطقة الشمالية للمغرب. و هكذا كان هو و الكومندان كويرة( هو أيضا ينحدر من شفشاون بجبال الريف) لا يفترقان... و بقيا كذلك حتى نهايتهما معا.
تلقيا معا نفس التكوين بمدرسة مراكش. ثم تابعا معا تكوينا أول بمدرسة «تور» الفرنسية لضباط الصف فتكوينا ثانيا بطليطلة في إسبانيا. و بعد ذلك, ذهبا إلى الولايات المتحدة حيث تخرجا من هناك ضابطين و حاملين لدبلوم من الأكاديمية الأمريكية. ثم تابع الليوتنان كولونيل تكوينه بمدرسة قيادة الأركان بالقنيطرة و تخرج منها محتلا الصف الأول من دفعته.
و يمكنني أن أقول الآن, بصدد توجهاته السياسية , بأنه كان وطنيا حقا, بأفكار كريمة. و هكذا كان يساعد ضباط الصف العاملين تحت إمرته. فعلى سبيل المثال, و بمناسبة كل ولادة في بيت واحد منهم, كان يقدم مساعدة عينية للأبوين كي يتمكنا من الاحتفال بكرامة بالمولود الجديد.و كمثال آخر, فإن مداخيل بيع الأخشاب المقطوعة من المنطقة الغابوية الواسعة للقاعدة كان يخصصها دوما لجمعية كفيفي القنيطرة. و حين كنا نتذاكر معا حول قضايا اجتماعية, كنت أراه في كل مرة ينتفض ضد الظلم و الفساد. كان يأمل أن يرى المغرب بلاده, يخرج من الأزمة و يندرج ضمن البلدان العاملة بالمبادئ الدمقراطية. و هكذا رأيته, أثناء محاكمة المتهمين في أحداث الصخيرات التي جرت بالمحكمة العسكرية للقنيطرة خلال شهر رمضان, و كان أعضاء المحكمة يأتون لنادي الضباط للإفطار, رأيته ينضم إليهم و يحاول غير ما مرة إقناعهم بعدم الحكم على المتهمين بعقوبات ثقيلة.
و رأيته أيضا يواجه مرضه العضال بصورة مثالية و شجاعة, دون أن يجأر بالشكوى أبدا. لكني مع ذلك استطعت أن أحس, مع مرور الوقت و استشراء المرض الذي كان ينخر جسده, بأن صفاته الجيدة هاته قد بدأت في الذبول تاركة المجال لحساسية كببرة و لتوتر مفرط يظهران على شكل نوبات غضب مفاجئة و بتصرفات مزاجية بين الفينة و الأخرى. هذا التحول التدريجي في سلوكه ساهم إلى حد ما في تدهور علاقاته مع باقي ضباط القاعدة.
ولكي نعود إلى أحداث 10 يوليوز , فقد علمنا في منتصف المساء بأن المحاولة الانقلابية قد باءت إلى فشل ذريع, و علمنا أيضا بأن الملك, الذي خرج سالما من المجزرة, قد منح أوفقير كامل السلطات المدنية و العسكرية.
وفي الوقت نفسه, توصلت القاعدة بأمر بمواصلة حالة الاستنفار. كان علينا إذن البقاء في مواقعنا على أهبة و في كامل الاستعداد.
النقيب السابق أحمد الوافي يروي: تفاصيل جديدة عن تازمامارت و المحاولتين الانقلابيتين
النقيب السابق أحمد الوافي يروي: تفاصيل جديدة عن تازمامارت و المحاولتين الانقلابيتين
جبران خليلنشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 04 - 08 - 2011
بعد الصدمة الأولى التي ارتطمنا بها داخل السجن الانفرادي , في هذا المعتقل المظلم ظلاما دامسا, و الذي من شأنه القضاء علينا قضاء تدريجيا و تاما ,وصلنا إلى نتيجة بأن الحياة ستكون مستحيلة في هذه الشروط الفظيعة.
اختلفت ردود فعل كل واحد منا عن الآخر في محاولتنا رفض هذا الواقع و هي ردود فعل تراوحت بين الخوف المميت المجمد لكل قدرة على المقاومة, مما يدفع صاحبه إلى الصمت و الاعتكاف المتاخم للغياب, و بين التمرد المفاجيء و الصراخ المحتج و اللامتناهي أو الاستغاثة المدمية للقلوب, في أي وقت من الليل أو النهار غير مبال صاحبها بمناشدات أو احتجاجات الباقين.
هذا الوضع المزعج حول حياتنا البئيسة أصلا بالمعتقل إلى جحيم يصب حممه على الأعصاب و يكاد يفقدنا الصواب و يضعنا على حافة جنون يستعصي على الوصف. أتفهم الآن,بعد الابتعاد الزمني و الجغرافي عن تازمامارت, ردود الفعل هاته لأنها ردود بشرية طبيعية على أوضاع لا تطاق ,بيد أن هذه الفوضى كان من شأنها, لو استمرت, أن تفاقم حالة اليأس الجماعي التي تتلبسنا و ستنتهي حتما بالقضاء علينا.
و قد اكتشفنا أن الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة و الحفاظ على حياتنا الجماعية في ظل هذه الشروط, هي التواصل بيننا و احترام بعضنا لبعض. لهذا بات من أوجب الواجبات تنظيم حياتنا بوضع قانون حازم ينطبق على الجميع, لا فرق فيه بين رتبة و أخرى, فنحن جميعا في سفينة واحدة إن غرقت غرق الجميع.
كان أول قرار هو فرض جدول زمني مضبوط ينظم مواعيد الاستيقاظ و مواقيت الراحة و النوم. و كان علينا أيضا أن نتواصل مع بعضنا البعض, أن نصل إلى بعضنا و ننصت لبعضنا و نصلي مع بعضنا. كان علينا أن ننظم تساكنا جيدا حتى تمر فترة اعتقالنا ?التي لم نكن نتوقع أن تكون بهذا الطول ? بأقل الأضرار.
كان من ضمن المعتقلين الأكبر سنا بعض الضباط المحترمين, الذين اقترحوا برنامجا لضمان العيش و مقاومة اليأس, ينبني على تحليل بسيط: «هذا هو وضعنا, وهذا ما نتوفر عليه». و قد ساعدنا تكويننا العسكري الصارم الذي هيأ بعضنا للظروف القاسية ماديا و معنويا في محاربة هذا العدو الجديد : اليأس و الخور.
و هكذا منذ اليوم الثاني وضعنا برنامجا مفصلا ينبغي احترامه و اتباعه حرفيا من طرف الجميع, و يتعرض كل من خرقه للإقصاء و حظر التعامل معه لمدة معينة. فرغم ما نعانيه من قسوة فرضها علينا جلادونا فهناك مجال للمزيد من العقاب بالنسبة للذين لا يحترمون الجماعة.
كان أول تدبير ?كما قلت في السابق ? هو وضع الجدول الزمني اليومي , المرتكز على المواعيد الثابتة للوجبات الغذائية (الدخول المنتظم للحراس لمدة خمسة عشر دقيقة تقريبا كل مرة) و على حلول الليل كي نضمن حدا أدنى من الراحة للجميع.
و هكذا خصصنا الفترة الصباحية قبل الإفطار للأعمال الخاصة مثل تنظيف الزنزانة أو تصبين «الملابس» أو «الاستحمام» (سنرى في الحلقات القادمة كيفية «التصبين» أو «الاستحمام» أو» التنظيف» ). أما فترة ما بعد الإفطار فقد خصصناها لتلاوة القرآن الكريم. و قد كان الطيار المكوتي يملك, إضافة لحفظه عدة سور من القرآن, صوتا رخيما و عذبا كان يبعث الطمأنينة في قلوبنا الوجلة المكلومة, و كذلك كان محمد غلول أيضا.
ثم تحولت هذه التلاوة الصباحية إلى دروس لتحفيظ القرآن حتى بات أغلبنا ?حتى أولئك الذين كانوا يلحدون قبل اعتقالهم - يحفظ عن ظهر قلب عددا من سور القرآن. و قد كنت من جهتي حافظا لسورة يوسف و كنت أعزها كثيرا (لأن إبني البكر إسمه يوسف) فعملت على تحفيظها للباقين, و كل من يحفظ سورة منه كان يحفظها للآخرين أو للراغبين منهم.
و حتى لا تعم الفوضى عملية التحفيظ , عملنا على توزيع الحصص التي تتراوح بين عشر دقائق و ربع ساعة للحصة, على كل إثنين منا, أحدهما المعلم و الثاني هو التلميذ. و لم يكن توزيع الحصص بالأمر الهين, إذ كانت بنايتنا التي تضم تسعا و عشرين زنزانة, توزعت مجاليا إلى قسمين: القسم الأول ,من الزنزانة رقم 1 إلى الزنزانة رقم 15 و هي على شكل قوس ضيق يبدأ مباشرة يمينا بعد الباب المركزي للبناية و يعود لينتهي أمامه تقريبا , و على اليسار تصطف بنفس الشكل (القوس الضيق) الزنزانات من الرقم 16 إلى الرقم 29 .لذلك طلب من كل قسم أن ينظم دروسه الخاصة بنفسه, ثم طلب من كل اثنين متجاورين أو متقابلين ترتيب حصصهما بشكل لا يزعج الآخرين. و بالإضافة إلى عنصر القرب هذا الذي فرض تلك العلاقة بين المعلم و المتعلم, كان هناك التقارب الوجداني أو القبلي أو الانتماء لسلاح واحد عنصرا مكملا لترتيب هذه الثنائيات التعليمية.
(الحلقة المقبلة: سهرات بعد العشاء)
و مع مرور الوقت تطورت هذه الدروس من تعليم القرآن الكريم وتحفيظه فقط إلى دروس في اللغات أو في الرياضيات, و هكذا تعلم محمد غلول اللغة الانجليزية في المعتقل كما أصبح الفاغوري قادرا على حل أعقد المعادلات الرياضية. و منا من طور لغته العربية أو تعلم اللغة الفرنسية بشكل جيد خاصة من بين المعتقلين الأدنى رتبة.
و مباشرة بعد الغذاء منحنا أنفسنا ربع ساعة للحوارات المختلفة قبل أن تحل فترة القيلولة الإجبارية, و التي كان يسود خلالها الصمت التام حتى يتمكن الراغبون في أخذ قيلولتهم من النوم بهدوء, أما غيرهم فيقومون بما يحلو لهم شريطة ألا يزعجوا رفاقهم الباقين.و تمتد فترة القيلولة هذه حتى حلول موعد صلاة العصر حيث يكون الأذان ?الذي يقوم به أحدنا- إيذانا بنهاية القيلولة.
أما بعد العشاء, فقد كانت هي الفترة الأجمل التي ننتظرها بفارغ الصبر. فقد كنا ننظم سهرات تتخللها أغان كلاسيكية لعبد الحليم حافظ أو فريد الأطرش أو محمد عبد الوهاب و كنا ننصت لأفلام متنوعة من الأفلام الرومانسية أو أفلام الحرب و التجسس و غيرها...
و كان من أفضل رواة الأفلام في مجموعتنا المرحوم محمد الرايس , الذي أمتعنا رحمه الله بطريقته الفريدة في سرد التفاصيل الصغيرة و وصف نفسيات الأبطال و ضبط الأحداث بشكل يحبس الأنفاس, و يشدنا إلى صوته المنبعث من الزنزانة شدا متينا, لدرجة أن جميع الأصوات كانت تخمد و تعنو لصوت وحيد هو صوت الرايس .و قد كان يتجشم مشقة الوصول إلى ثقب باب زنزانته كي يبعث بصوته إلى آذاننا المتلهفة, فيقف فوق بقرجه البلاستيكي (البرو) و يمسك بيديه الاثنتين جانبي الباب و يبدأ سرده الذي كنا نتمنى ألا ينتهي. و قد كانت مهمته تزداد صعوبة في الليالي الباردة حين كان يضطر مرارا إلى وقف سرد روايته - مثل الفواصل الإشهارية- ليتحرك داخل زنزانته من أجل تسخين أطرافه و الحؤول دونها و التجمد, قبل أن يواصل رواية أحداث الفيلم.
و قد كنت أنا أيضا أساهم في هذه السهرات الليلية برواية بعض قصص الجاسوسية الواقعية, لجواسيس عالميين كبار أو أحكي بعض أفلام الغرب الأمريكي (الويسترن) و لكن طبعا بمهارة أقل بكثير من الرايس, مما جعل جمهور المتفرجين- المستمعين لا يميلون إلى رواياتي ميلهم لروايات المرحوم الرايس.
و كانت السهرات الليلية تتخللها أيضا وصلات غنائية تقليدا لكبار المطربين الكلاسيكيين الشرقيين أمثال محمد عبد الوهاب و فريد الأطرش و عبد الحليم حافظ و أم كلثوم و أسمهان و غيرهم. كما كانت الأغاني الغربية أيضا ضمن فقرات السهرة مثلها في ذلك مثل الأغاني المغربية, التي كانت إما أغان عصرية (هكذا كانت تسمى في ذلك الوقت) أو أغان شعبية بدوية.
و كان من أفضل المغنين في المعتقل أحمد مرزاق الذي أطلقنا عليه إسم البلبل
و لم تكن هذه السهرات تقتصر على الأفلام و الأغاني بل كانت تتخللها أيضا نكت مثيرة للضحك و مواقف ساخرة لا تقل إضحاكا لنا نحن الذين كنا نعيش كأشباح معزولين داخل زنازيننا لا نعرف بعضنا البعض إلا بالصوت.
و بطبيعة الحال لم تكن ليالينا كلها سهرات , فبعد عدة أشهر انتهى مخزوننا من الأشرطة و الأغاني و بدأنا نكرر الكثير منها. بيد أننا لم نكن نعدم مواضيع للحديث أو النقاش ,ففي الليالي الأخرى كنا نتحدث عن حياتنا الماضية و عن المستقبل الذي ينتظرنا, و كنا نتخيل طرقا غريبة للفرار من هذا المعتقل الرهيب
و نتساءل عن طرق اتصالنا بعائلاتنا و إبلاغهم بمكاننا و وضعيتنا.
الحلقة المقبلة : غذاؤنا و تعايشنا مع الحشرات
النقيب السابق أحمد الوافي يروي:تفاصيل جديدة عن تازمامارت و المحاولتين الانقلابيتين
النقيب السابق أحمد الوافي يروي:تفاصيل جديدة عن تازمامارت و المحاولتين الانقلابيتين
الاتحاد الاشتراكينشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 02 - 08 - 2011
أعدها للنشر : جبران خليل
هما رحلتان أو قوسان انغلقا علينا ذات صيف و لم ينفتحا إلا بعد مرور ثمانية عشر عاما. قوسان عانينا بينهما أفظع ما يمكن للمرء أن يتصوره. فترة عشنا أثناءها ظروفا تتحدى كل تصور و معاناة تفوق كل خيال.
الرحلة الأولى قادتنا إلى معتقل تازمامارت الرهيب في ليلة صيفية قائظة هي ليلة سابع غشت 1973, و نحن شباب في كامل عنفواننا و قوتنا.تم اقتيادنا خلالها من السجن المركزي بالقنيطرة, الذي كنا ضيوفه بعد أن تمت محاكمتنا و صدرت ضدنا عقوبات سجنية متفاوتة (أما الذين حكموا بالإعدام فقد نفذ في حقهم يوم 13 يناير 1973 في حقل الرماية العسكري بمهدية و لم يعودوا بيننا) بسبب تورط بعضنا في إحدى المحاولتين الانقلابيتين ضد النظام الملكي للحسن الثاني.
أما الرحلة الثانية فقد تمت في 15 سبتمبر 1991 , وهي التي أعادتنا إلى دنيا البشر قادمين ,كما الأشباح, من معتقل تازمامارت و نحن أشلاء بشرية تاركين خلفنا سنوات شبابنا و جثامين ثلاثين من رفاقنا الشهداء الذين سقطوا تباعا في ظروف لا أفظع منها و لا أقسى.
في الحلقات التالية سأشاطر القارئ الكريم جزءا من تفاصيل حياتنا و معاناتنا طيلة هذه الثمانية عشر عاما في معتقل مظلم و ظالم جدير بمعتقلات القرون الغابرة. كما سأتحدث عن الظروف التي قادتنا ? بعضنا بإرادته و البعض الآخر بتضافر ظروف و مقادير لا يد له فيها ? إلى هذا المصير, أي عن المحاولتين الانقلابيتين ل 10 يوليوز 1971 و 16 غشت 1972.
اليوم الأول بتازمامارت
كان قد مر حوالي سنة كاملة على إيداعي ,صحبة مجموعة من رفاقي الضباط و ضباط الصف ,السجن المركزي للقنيطرة أو «السنترال» كما كنا ندعوه بيننا. و بذلك التحقنا بالعسكريين المتورطين في المحاولة الانقلابية لسنة 1971 أو محاولة الصخيرات.
كان ذلك في شهر نوفمبر 1972, بعد محاكمة القنيطرة الشهيرة. تم اقتيادنا بعد صدور الأحكام, إلى «السنترال» و بالضبط إلى جناح المحكومين بالإعدام, كانوا هم شمالا و نحن في اليمين.
كنت, في زنزانة انفرادية بالجناح المذكور, أقضي العقوبة السجنية التي صدرت بحقي من طرف المحكمة العسكرية , و مدتها عشر سنوات. لم أقض منها سوى العشر الأول, بينما لا تزال أمامي تسعة أعوام مديدة , لم أكن أتخيل قدرتي على تحملها بالكامل, فأكاد أنهار داخل زنزانتي الكئيبة الكالحة لولا تلك الفسحة النهارية التي كانت تخفف عني بعضا من همومي.
كان الوقت يمر بطيئا, تملأه علامات الاستفهام عن القدر الذي قادني إلى هذا المصير, و أتساءل عن الظروف التي سينمو فيها ابناي يوسف و رضوان الصغيران, بعيدا عن والدهما طيلة تسع سنوات أخرى. و عن زوجتي حليمة أو «كالي» كما تدعوها العائلة تحببا, و عن المسؤولية المزدوجة التي أصبحت تتحملها بعد غيابي.
كنا محرومين من زيارة عائلاتنا لنا ? عكس معتقلي الصخيرات الذين كانوا يستقبلون أقاربهم بشكل عادي? لكننا كنا نتوصل مع ذلك من أفراد العائلة أسبوعيا بالغذاء و الدواء و الفاكهة و ببعض المال الذي كانوا يسلمونه لإدارة السجن مما كان يمكننا من اقتناء حاجياتنا من مطعم السجن المركزي.
و كانت أفضل فترات اليوم في «السنترال» هي فترة خروجنا اليومي إلى الساحة, حيث كنا نتمشى تحت أشعة الشمس و نشم الهواء النقي , و حيث نلتقي بعضنا البعض و نتبادل الأخبار و الإشاعات و نتشاطر التحليلات.
و خلال هذه الفسح المخصصة للضباط و ضباط الصف باح لي أمقران ببعض الأسرار. و قد رأينا الدرك الملكي يأتي ثلاث مرات متتالية لأخذ أمقران و كويرة إلى مكان ما خارج السجن.و علمنا سريعا أنهما نقلا للمثول أمام الملك الحسن الثاني الذي كان يتحرق لمعرفة ما إذا كان جزء من المعارضين السياسيين على صلة بالمحاولة الانقلابية للطيارين, و قد نفى أمقران أمام الملك أي صلة بينه و بين المعارضين السياسيين (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية آنذاك) و هو الإنكار الذي لامه عليه كويرة بقوة لدى عودتهما إلى السجن المركزي معتقدا أنه باعترافه أمام الملك قد ينال العفو منه و ينجو من رصاص كتيبة الإعدام.
و في المرة الأخيرة غضب الملك غضبا شديدا على أمقران قائلا :»لقد كذبت علي و سأعدمك» و في 13 يناير 1973 , يوم الوقوف بعرفة و هو من الأيام الحرم, تم تنفيذ الإعدام في 11 ضابطا من المتورطين في المحاولة الانقلابية الثانية, و على رأسهم أمقران و كويرة. و قبل يومين من ذلك اعتكف المحكومون بالإعدام داخل زنازينهم أو أجبروا على المكوث فيها,حيث لم يخرجوا تماما و لم يتمكنوا من التواصل مع باقي مرؤوسيهم ,أي نحن الموجودون معهم بالسجن المركزي بالقنيطرة. و قد كان عيد الأضحى ذلك العام عيدا مأساويا لنا نحن و لعائلاتنا و لجزء كبير من المغاربة.
و في يوم من الأيام , و قد انقضت بضعة أشهر على إعدام الانقلابيين, أخبرني طبيب السجن المركزي,و كنت أعرفه من قبل و على علاقة ودية معه, أنه قد تم استدعاؤه من طرف سلطات عليا و طرح عليه سؤال وحيد عليه أن يجيب عنه بنعم أو لا, و كان السؤال هو: «هل يرى الطيارون المسجونون النور؟» و كان جوابه بالطبع هو نعم. و قد استغربنا آنذاك أنا و هو لهذا السؤال و تساءلنا عن الغاية منه و لم نحر جوابا. لكن انتظارنا لم يطل كثيرا إذ عرفنا مغزى السؤال فيما بعد حين حرمنا من النور حرمانا تاما طيلة ثمانية عشر عاما و نيف.
و في ليلة سادس غشت 1973, تم نقلنا إلى عنبر معتقلي الصخيرات و هو غير العنبر الذي كنا به. كان الأمر جيدا لأننا أخيرا نقلنا إلى جانب رفاق لنا و ليس في جوار محكومين بالإعدام من الحق العام, كانوا يساقون فجرا إلى لقاء مصيرهم الأخير, لكن هذا التنقيل أثار قلقنا لكونه تم في صمت و تحت جنح الظلام.
و بعد ليلة وحيدة قضيتها داخل زنزانتي الجديدة سمعت همهمة و أصواتا خافتة بالقرب مني تكاد تصبح همسا. كان الوقت حوالي الثانية صباحا, و هو الوقت الذي يأتي فيه السجانون لأخذ المحكومين بالإعدام من أجل التنفيذ. أصخت السمع جيدا فشعرت بأبواب تفتح بهدوء و تؤدة و بأصوات هامسة تكاد لا تبين, كما لو أن أصحابها لا يريدون إيقاظنا أو إزعاجنا. فجأة انفتح باب زنزانتي و دخل دركيان طلبا مني مرافقتهما على أن لا آخذ معي سوى سروالي و قميصي لأن باقي متاعي القليل سيتبعني.انهمرت علي الهواجس دفعة واحدة, ترى هل يقودونني للإعدام ؟ ربما. و لكني محكوم بعشر سنوات فقط .هل سيعيدون التحقيق معي؟ لا أدري.
أمسكت بمصحف لي بقوة و بمسبحة, و هما الثروة الوحيدة التي تبقت لي و تركتهم يضعون العصابة على عيني و يقودونني إلى الخارج, خارج الزنزانة أولا ثم خارج حي الإعدام فخارج العمارة أخيرا حيث كانت تنتظرنا شاحنات دفعنا إلى داخلها كما الأكباش مقيدي المعاصم معصوبي الأعين.
تحركت الشاحنة و بعد كيلومترين توقفت و سمعت هدير طائرتي نقل عسكريتين. علمت حينها أننا دخلنا القاعدة العسكرية الجوية للقنيطرة التي كنت أحد كبار الضباط فيها و أحفظ تضاريسها و تصميمها شبرا شبرا, و التي أصبحت الآن تحت إدارة القاعدة الجوية لسلا . ها أنا أعود إليها مقيدا لا أعرف أي مصير ينتظرني.
شحنونا مثل بضاعة بالطائرة, و هي من طراز «سي 119» للنقل العسكري ,التي عرفتها من خلال هدير محركاتها, و أقلعت بنا في اتجاه مجهول. إلى أين ؟ هكذا كنت أتساءل, هل سيرموننا من الطائرة للتخلص منا؟ هل سترتطم أجسادنا بمياه البحر الذي سيبتلعنا أم بصخور الجبال التي ستهشم رؤوسنا أم سنموت اختناقا قبل وصول جثتنا إلى مستقرها؟
و من خلال الخطاب المتبادل بين قائد الطائرة و مساعده و بين برج المراقبة علمنا ?خاصة أن من بيننا شمسي و المكوتي و هما طياران محنكان- أننا نتجه جنوبا.
عند وصولنا إلى قصر السوق (أصبحت تسمى الرشيدية لاحقا) على الخامسة صباحا, و نحن معصوبي الأعين, تم وضع كل واحد منا بين رجلي درك, ثم رمينا مثل علب في شاحنات متسخة, رائحة المازوت بها تزكم الأنوف.
(الحلقة المقبلة : لن تكون بحاجة إلى نظارات)
و حوالي الثامنة صباحا توقفت الشاحنات بتازمامارت, حيث سيقضي المحظوظون منا أزيد من ثمانية عشر عاما من عيشهم اللعين. و من خلال عصابتي تعرفت على لجنة الاستقبال, المكونة من العقيد الوالي و من مسؤولين بالدرك الملكي.
تم إنزالنا دون كياسة و بدأت عملية التفتيش, أخذوا مني المصحف و المسبحة و النظارات فقلت لهم هذا ليس إلا كتاب الله فاتركوه لي و هذه نظاراتي التي لا أرى بدونها , فأجابني صوت باللغة الفرنسية : «لن تكون بحاجة إلى نظارات» و لم أفهم قصده إلا فيما بعد, فقد جيء بنا ليس إلى سجن جديد بل إلى مقبرة نودع فيها كل متاع مهما ضؤل حجمه و رخص ثمنه حتى نموت و ندفن فيها.
قادونا حتى باب حديدي سمعنا صلصلة فتحه و أعلمني أحد العسكريين الممسكين بذراعي أن أمامي درجتين علي أن أرفع قدمي لتخطيهما ثم قاداني بضع خطوات و أوقفاني أمام زنزانتي .أزال أحدهما العصابة عن عيني و القيد عن معصمي, فرأيت لهنيهة خاطفة ,عمارتين و بابا مركزيا و ممرا دامسا تصطف فيه زنازين بأبواب رمادية وأمامي الرقم 17. رقم الزنزانة التي سأقضي داخلها ثمانية عشر عاما و شهرين .
أعرف الآن ما كنت أتخيله فقط, أن العمارة التي أصبحت مسكنا لنا طيلة تلك الفترة المريرة ,كانت تمتد على طول خمسين مترا مع عرض عشرة أمتار و بارتفاع أربعة . و بعيدا عن البناية يرتفع جدار سميك من ستة أمتار تعلوه أربعة مقصورات للحراسة موزعة على الزوايا الأربع لمنع أي محاولة للفرار من الداخل أو أي محاولة للاقتراب منه من الخارج.
تم دفعي داخل زنزانتي و سمعت بابا يغلق بقوة وراء ظهري تماما.فتحت عيناي لكني لم أر شيئا, ترى هل فقدت البصر؟ حككت عيناي بقوة لكن لا شيء سوى الظلام الدامس. عدت أدراجي بسرعة أطل من ثقب صغير بالباب: كان الرقم 28 أمامي و إلى الجانبين منها 27 و 29 . لكن هذه الثقب الصغيرة تم إغلاقها في نفس اليوم لكافة الزنزانات.
بدأت أستكشف المكان و أنا أسمع جلبة الحراس و قرقعة الأبواب الحديدية تفتح و تغلق. مستكشفا الظلام بيداي . تحركت أماما فارتطمت ركبتاي بسطيحة من الأسمنت, تحسستها فكانت خشنة الملمس ثم واصلت اكتشافي للمكان يسارا فوجدت حائطا قادني بعد مترين و نصف إلى الباب الحديدي ثم إلى جدار مواز للأول بعد مترين.
واصلت رحلة الاستكشاف فارتطمت قدمي بإناء بلاستيكي شبيه بالبقرج الكبير به ماء و بصحن و غراف من البلاستيك أيضا, كان هذا كل متاعي. و بعد أن جلست فوق المصطبة الأسمنتية اكتشفت بطانيتين عسكريتين قديمتين و مهلهلتين رائحتها شبيهة برائحة اصطبل للبهائم.
اكتشفت أيضا مرحاضي و هو عبارة عن ثقب قرب الباب. و فوق الباب بحوالي متر اصطف سبعة عشر ثقبا بقطر لا يتعدى عشر سنتمترات للتهوية و آخر أكبر منها قليلا في السقف.
كانت أرضية الزنزانة غير مسطحة, قاسية الملمس وناتئة الحجارة, و كان الجو بالغ الحرارة خانقا يفوق كل تصور. خلعت قميصي الصيفي و قبضته من جهة الياقة و طفقت أحركه بقوة فوق رأسي على شكل مروحة لأجلب بعض الهواء داخل هذه العلبة الإسمنتية الضيقة التي تخنق الأنفاس و الشبيهة بالقاعة الأكثر حرارة من بين قاعات الحمام البلدي سوى أن لا ماء بها.
ترى أين أنا؟ أي مكان هذا؟ في أي صحراء قاحلة نحن؟ كل ما أعرفه هو أننا في مكان ما جنوبا و أن هذا المكان غير بعيد عن مطار ما و لكن قد لا يكون هذا الذي حطت به الطائرة سوى مدرج مصنوع على عجل و قد لا يستخدم بعد ذلك أبدا, من يدري؟ و من هم رفاق الشقاء الذين جيء بهم معي؟ هل أعرف منهم أحدا؟
بعد برهة طويلة شعرنا خلالها أن الحراس قد انصرفوا و لم نعد نسمع لهم صوتا,
انطلق صوت رخيم و حزين يرتل آيات من الذكر الحكيم. كان الصوت للطيار المنحدر من قرية باب تازة الجبلية المفضل المكوتي ,الذي ما أن أتم قراءته, حتى تحررت الحناجر و انطلقت أصوات ساكنة الزنازين تتساءل في فوضى عارمة و تتعارف من خلال نبرات الأصوات الخاصة بكل واحد منا.
و في اليوم الثاني , و بمبادرة من النقيب محمد غلول نظمنا عملية تعارف حيث يقدم كل واحد من الرفاق التسعة و العشرين نفسه للآخرين, فيعلن إسمه و رتبته و وظيفته و الوحدة التي كان ينتمي إليها و العقوبة المحكوم بها عليه. و سيلعب النقيب محمد غلول دورا أساسيا طيلة الثمانية عشر عاما التي قضيناها في ذلك المكان الرهيب من أجل جعل الحياة داخله أقل قسوة و أخف و طأة علينا, و كان هو المنظم المسموع للعلاقات فيما بيننا و الوسيط المحترم في نزاعاتنا الصغيرة والمبتكر الأول لكل الوسائل التي ساعدتنا على البقاء. و منذ ذلك الحين أصبح لأفراد مجموعتنا أسماء نعرفها بها.
بعد أن قدم غلول نفسه توالت الأصوات واحدا واحدا, كل يعرف بنفسه و سلاحه و عقوبته و بوضعيته...
- المكوتي المفضل - أعكاو عبد الله - عقا المحجوب - أوصياد لحسن - عبد اللطيف بلكبير - بوملات امحمد - أحمد بوهيدة - شبرق ادريس - الدغوغي ادريس - العفياوي محمد - الوافي احمد -حشاد صالح -احمد المرزوقي- مجاهد محمد - منصت محمد - الصادقي عبد الرحمان - سعودي عبد الكريم - الصفريوي مودين عبد العالي - الطويل امبارك - محمد الزموري- أزيان العربي - بيتي موحا- الشجعي محمد - الديك الجيلالي - الغلو محمد - الفاغوري ميمون
- الرابحي عبد السلام - الراشدي بنعيسى- التيجاني بنرضوان.
و بعد ذلك غرق كل واحد منا في تأملاته الذاتية و هواجسه الخاصة. و انصب أغلبها على المكان الذي نوجد به و عن المصير الذي ينتظرنا و عن الذنب الذي ارتكبناه حتى نساق إلى هذا الجحيم و عن المصير الذي ينتظر أولادنا و عائلاتنا من بعدنا. ترى هل يعلمون أين نحن و هل سيتمكنون من زيارتنا إن علموا و هل و هل و هل....
الحلقة المقبلة : التنظيم داخل تازمامارت
النقيب السابق أحمد الوافي يروي .. تفاصيل جديدة عن تازمامارت و المحاولتين الانقلابيتين
النقيب السابق أحمد الوافي يروي .. تفاصيل جديدة عن تازمامارت و المحاولتين الانقلابيتين
جبران خليلنشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 03 - 08 - 2011
هما رحلتان أو قوسان انغلقا علينا ذات صيف و لم ينفتحا إلا بعد مرور ثمانية عشر عاما. قوسان عانينا بينهما أفظع ما يمكن للمرء أن يتصوره. فترة عشنا أثناءها ظروفا تتحدى كل تصور و معاناة تفوق كل خيال.
الرحلة الأولى قادتنا إلى معتقل تازمامارت الرهيب في ليلة صيفية قائظة هي ليلة سابع غشت 1973, و نحن شباب في كامل عنفواننا و قوتنا.تم اقتيادنا خلالها من السجن المركزي بالقنيطرة, الذي كنا ضيوفه بعد أن تمت محاكمتنا و صدرت ضدنا عقوبات سجنية متفاوتة (أما الذين حكموا بالإعدام فقد نفذ في حقهم يوم 13 يناير 1973 في حقل الرماية العسكري بمهدية و لم يعودوا بيننا) بسبب تورط بعضنا في إحدى المحاولتين الانقلابيتين ضد النظام الملكي للحسن الثاني.
أما الرحلة الثانية فقد تمت في 15 سبتمبر 1991 , وهي التي أعادتنا إلى دنيا البشر قادمين ,كما الأشباح, من معتقل تازمامارت و نحن أشلاء بشرية تاركين خلفنا سنوات شبابنا و جثامين ثلاثين من رفاقنا الشهداء الذين سقطوا تباعا في ظروف لا أفظع منها و لا أقسى.
في الحلقات التالية سأشاطر القارئ الكريم جزءا من تفاصيل حياتنا و معاناتنا طيلة هذه الثمانية عشر عاما في معتقل مظلم و ظالم جدير بمعتقلات القرون الغابرة. كما سأتحدث عن الظروف التي قادتنا ? بعضنا بإرادته و البعض الآخر بتضافر ظروف و مقادير لا يد له فيها ? إلى هذا المصير, أي عن المحاولتين الانقلابيتين ل 10 يوليوز 1971 و 16 غشت 1972.
حوالي الثامنة صباحا توقفت الشاحنات بتازمامارت, حيث سيقضي المحظوظون منا أزيد من ثمانية عشر عاما من عيشهم اللعين. و من خلال عصابتي تعرفت على لجنة الاستقبال, المكونة من العقيد الوالي و من مسؤولين بالدرك الملكي.
تم إنزالنا دون كياسة و بدأت عملية التفتيش, أخذوا مني المصحف و المسبحة و النظارات فقلت لهم هذا ليس إلا كتاب الله فاتركوه لي و هذه نظاراتي التي لا أرى بدونها , فأجابني صوت باللغة الفرنسية : «لن تكون بحاجة إلى نظارات» و لم أفهم قصده إلا فيما بعد, فقد جيء بنا ليس إلى سجن جديد بل إلى مقبرة نودع فيها كل متاع مهما ضؤل حجمه و رخص ثمنه حتى نموت و ندفن فيها.
قادونا حتى باب حديدي سمعنا صلصلة فتحه و أعلمني أحد العسكريين الممسكين بذراعي أن أمامي درجتين علي أن أرفع قدمي لتخطيهما ثم قاداني بضع خطوات و أوقفاني أمام زنزانتي .أزال أحدهما العصابة عن عيني و القيد عن معصمي, فرأيت لهنيهة خاطفة ,عمارتين و بابا مركزيا و ممرا دامسا تصطف فيه زنازين بأبواب رمادية وأمامي الرقم 17. رقم الزنزانة التي سأقضي داخلها ثمانية عشر عاما و شهرين .
أعرف الآن ما كنت أتخيله فقط, أن العمارة التي أصبحت مسكنا لنا طيلة تلك الفترة المريرة ,كانت تمتد على طول خمسين مترا مع عرض عشرة أمتار و بارتفاع أربعة . و بعيدا عن البناية يرتفع جدار سميك من ستة أمتار تعلوه أربع مقصورات للحراسة موزعة على الزوايا الأربع لمنع أي محاولة للفرار من الداخل أو أي محاولة للاقتراب منه من الخارج.
تم دفعي داخل زنزانتي و سمعت بابا يغلق بقوة وراء ظهري تماما.فتحت عيناي لكني لم أر شيئا, ترى هل فقدت البصر؟ حككت عيناي بقوة لكن لا شيء سوى الظلام الدامس. عدت أدراجي بسرعة أطل من ثقب صغير بالباب: كان الرقم 28 أمامي و إلى الجانبين منها 27 و 29 . لكن هذه الثقب الصغيرة تم إغلاقها في نفس اليوم لكافة الزنزانات.
بدأت أستكشف المكان و أنا أسمع جلبة الحراس و قرقعة الأبواب الحديدية تفتح و تغلق. مستكشفا الظلام بيداي . تحركت أماما فارتطمت ركبتاي بسطيحة من الأسمنت, تحسستها فكانت خشنة الملمس ثم واصلت اكتشافي للمكان يسارا فوجدت حائطا قادني بعد مترين و نصف إلى الباب الحديدي ثم إلى جدار مواز للأول بعد مترين.
واصلت رحلة الاستكشاف فارتطمت قدمي بإناء بلاستيكي شبيه بالبقرج الكبير به ماء و بصحن و غراف من البلاستيك أيضا, كان هذا كل متاعي. و بعد أن جلست فوق المصطبة الأسمنتية اكتشفت بطانيتين عسكريتين قديمتين و مهلهلتين رائحتها شبيهة برائحة اصطبل للبهائم.
اكتشفت أيضا مرحاضي و هو عبارة عن ثقب قرب الباب. و فوق الباب بحوالي متر اصطف سبعة عشر ثقبا بقطر لا يتعدى عشر سنتمترات للتهوية و آخر أكبر منها قليلا في السقف.
كانت أرضية الزنزانة غير مسطحة, قاسية الملمس وناتئة الحجارة, و كان الجو بالغ الحرارة خانقا يفوق كل تصور. خلعت قميصي الصيفي و قبضته من جهة الياقة و طفقت أحركه بقوة فوق رأسي على شكل مروحة لأجلب بعض الهواء داخل هذه العلبة الإسمنتية الضيقة التي تخنق الأنفاس و الشبيهة بالقاعة الأكثر حرارة من بين قاعات الحمام البلدي سوى أن لا ماء بها.
ترى أين أنا؟ أي مكان هذا؟ في أي صحراء قاحلة نحن؟ كل ما أعرفه هو أننا في مكان ما جنوبا و أن هذا المكان غير بعيد عن مطار ما و لكن قد لا يكون هذا الذي حطت به الطائرة سوى مدرج مصنوع على عجل و قد لا يستخدم بعد ذلك أبدا, من يدري؟ و من هم رفاق الشقاء الذين جيء بهم معي؟ هل أعرف منهم أحدا؟
بعد برهة طويلة شعرنا خلالها أن الحراس قد انصرفوا و لم نعد نسمع لهم صوتا,
انطلق صوت رخيم و حزين يرتل آيات من الذكر الحكيم. كان الصوت للطيار المنحدر من قرية باب تازة الجبلية المفضل المكوتي ,الذي ما أن أتم قراءته, حتى تحررت الحناجر و انطلقت أصوات ساكنة الزنازين تتساءل في فوضى عارمة و تتعارف من خلال نبرات الأصوات الخاصة بكل واحد منا.
و في اليوم الثاني , و بمبادرة من النقيب محمد غلول نظمنا عملية تعارف حيث يقدم كل واحد من الرفاق التسعة و العشرين نفسه للآخرين, فيعلن إسمه و رتبته و وظيفته و الوحدة التي كان ينتمي إليها و العقوبة المحكوم بها عليه. و سيلعب النقيب محمد غلول دورا أساسيا طيلة الثمانية عشر عاما التي قضيناها في ذلك المكان الرهيب من أجل جعل الحياة داخله أقل قسوة و أخف و طأة علينا, و كان هو المنظم المسموع للعلاقات فيما بيننا و الوسيط المحترم في نزاعاتنا الصغيرة والمبتكر الأول لكل الوسائل التي ساعدتنا على البقاء. و منذ ذلك الحين أصبح لأفراد مجموعتنا أسماء نعرفها بها.
بعد أن قدم غلول نفسه توالت الأصوات واحدا واحدا, كل يعرف بنفسه و سلاحه و عقوبته و بوضعيته...
- المكوتي المفضل - أعكاو عبد الله - عقا المحجوب - أوصياد لحسن - عبد اللطيف بلكبير - بوملات امحمد - أحمد بوهيدة - شبرق ادريس - الدغوغي ادريس - العفياوي محمد - الوافي احمد -حشاد صالح -احمد المرزوقي- مجاهد محمد - منصت محمد - الصادقي عبد الرحمان - سعودي عبد الكريم - الصفريوي مودين عبد العالي - الطويل امبارك - محمد الزموري- أزيان العربي - بيتي موحا- الشجعي محمد - الديك الجيلالي - الغلو محمد - الفاغوري ميمون
- الرابحي عبد السلام - الراشدي بنعيسى- التيجاني بنرضوان.
و بعد ذلك غرق كل واحد منا في تأملاته الذاتية و هواجسه الخاصة. و انصب أغلبها على المكان الذي نوجد به و عن المصير الذي ينتظرنا و عن الذنب الذي ارتكبناه حتى نساق إلى هذا الجحيم و عن المصير الذي ينتظر أولادنا و عائلاتنا من بعدنا. ترى هل يعلمون أين نحن و هل سيتمكنون من زيارتنا إن علموا و هل و هل و هل....
(الحلقة المقبلة : التنظيم داخل تازمامارت)
النقيب السابق أحمد الوافي يروي: تفاصيل جديدة عن تازمامارت و المحاولتين الانقلابيتين
النقيب السابق أحمد الوافي يروي: تفاصيل جديدة عن تازمامارت و المحاولتين الانقلابيتين
جبران خليلنشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 05 - 08 - 2011
هما رحلتان أو قوسان انغلقا علينا ذات صيف و لم ينفتحا إلا بعد مرور ثمانية عشر عاما. قوسان عانينا بينهما أفظع ما يمكن للمرء أن يتصوره. فترة عشنا أثناءها ظروفا تتحدى كل تصور و معاناة تفوق كل خيال.
الرحلة الأولى قادتنا إلى معتقل تازمامارت الرهيب في ليلة صيفية قائظة هي ليلة سابع غشت 1973, و نحن شباب في كامل عنفواننا و قوتنا.تم اقتيادنا خلالها من السجن المركزي بالقنيطرة, الذي كنا ضيوفه بعد أن تمت محاكمتنا و صدرت ضدنا عقوبات سجنية متفاوتة (أما الذين حكموا بالإعدام فقد نفذ في حقهم يوم 13 يناير 1973 في حقل الرماية العسكري بمهدية و لم يعودوا بيننا) بسبب تورط بعضنا في إحدى المحاولتين الانقلابيتين ضد النظام الملكي للحسن الثاني.
أما الرحلة الثانية فقد تمت في 15 سبتمبر 1991 , وهي التي أعادتنا إلى دنيا البشر قادمين ,كما الأشباح, من معتقل تازمامارت و نحن أشلاء بشرية تاركين خلفنا سنوات شبابنا و جثامين ثلاثين من رفاقنا الشهداء الذين سقطوا تباعا في ظروف لا أفظع منها و لا أقسى.
في الحلقات التالية سأشاطر القارئ الكريم جزءا من تفاصيل حياتنا و معاناتنا طيلة هذه الثمانية عشر عاما في معتقل مظلم و ظالم جدير بمعتقلات القرون الغابرة. كما سأتحدث عن الظروف التي قادتنا ? بعضنا بإرادته و البعض الآخر بتضافر ظروف و مقادير لا يد له فيها ? إلى هذا المصير, أي عن المحاولتين الانقلابيتين ل 10 يوليوز 1971 و 16 غشت 1972.
و مع مرور الوقت تطورت هذه الدروس من تعليم القرآن الكريم وتحفيظه فقط إلى دروس في اللغات أو في الرياضيات, و هكذا تعلم محمد غلول اللغة الانجليزية في المعتقل كما أصبح الفاغوري قادرا على حل أعقد المعادلات الرياضية. و منا من طور لغته العربية أو تعلم اللغة الفرنسية بشكل جيد خاصة من بين المعتقلين الأدنى رتبة.
و مباشرة بعد الغذاء منحنا أنفسنا ربع ساعة للحوارات المختلفة قبل أن تحل فترة القيلولة الإجبارية, و التي كان يسود خلالها الصمت التام حتى يتمكن الراغبون في أخذ قيلولتهم من النوم بهدوء, أما غيرهم فيقومون بما يحلو لهم شريطة ألا يزعجوا رفاقهم الباقين.و تمتد فترة القيلولة هذه حتى حلول موعد صلاة العصر حيث يكون الأذان ?الذي يقوم به أحدنا- إيذانا بنهاية القيلولة.
أما بعد العشاء, فقد كانت هي الفترة الأجمل التي ننتظرها بفارغ الصبر. فقد كنا ننظم سهرات تتخللها أغان كلاسيكية لعبد الحليم حافظ أو فريد الأطرش أو محمد عبد الوهاب و كنا ننصت لأفلام متنوعة من الأفلام الرومانسية أو أفلام الحرب و التجسس و غيرها...
و كان من أفضل رواة الأفلام في مجموعتنا المرحوم محمد الرايس , الذي أمتعنا رحمه الله بطريقته الفريدة في سرد التفاصيل الصغيرة و وصف نفسيات الأبطال و ضبط الأحداث بشكل يحبس الأنفاس, و يشدنا إلى صوته المنبعث من الزنزانة شدا متينا, لدرجة أن جميع الأصوات كانت تخمد و تعنو لصوت وحيد هو صوت الرايس. و قد كان يتجشم مشقة الوصول إلى ثقب باب زنزانته كي يبعث بصوته إلى آذاننا المتلهفة, فيقف فوق بقرجه البلاستيكي (البرو) و يمسك بيديه الاثنتين جانبي الباب و يبدأ سرده الذي كنا نتمنى ألا ينتهي. و قد كانت مهمته تزداد صعوبة في الليالي الباردة حين كان يضطر مرارا إلى وقف سرد روايته - مثل الفواصل الإشهارية- ليتحرك داخل زنزانته من أجل تسخين أطرافه و الحؤول دونها و التجمد, قبل أن يواصل رواية أحداث الفيلم.
و قد كنت أنا أيضا أساهم في هذه السهرات الليلية برواية بعض قصص الجاسوسية الواقعية, لجواسيس عالميين كبار أو أحكي بعض أفلام الغرب الأمريكي (الويسترن) و لكن طبعا بمهارة أقل بكثير من الرايس, مما جعل جمهور المتفرجين- المستمعين لا يميلون إلى رواياتي ميلهم لروايات المرحوم الرايس.
و كانت السهرات الليلية تتخللها أيضا وصلات غنائية تقليدا لكبار المطربين الكلاسيكيين الشرقيين أمثال محمد عبد الوهاب و فريد الأطرش و عبد الحليم حافظ و أم كلثوم و أسمهان و غيرهم. كما كانت الأغاني الغربية أيضا ضمن فقرات السهرة مثلها في ذلك مثل الأغاني المغربية, التي كانت إما أغان عصرية (هكذا كانت تسمى في ذلك الوقت) أو أغان شعبية بدوية.
و كان من أفضل المغنين في المعتقل أحمد مرزوقي الذي أطلقنا عليه إسم البلبل.
ولم تكن هذه السهرات تقتصر على الأفلام و الأغاني بل كانت تتخللها أيضا نكت مثيرة للضحك و مواقف ساخرة لا تقل إضحاكا لنا نحن الذين كنا نعيش كأشباح معزولين داخل زنازيننا لا نعرف بعضنا البعض إلا بالصوت.
و بطبيعة الحال لم تكن ليالينا كلها سهرات , فبعد عدة أشهر انتهى مخزوننا من الأشرطة و الأغاني و بدأنا نكرر الكثير منها. بيد أننا لم نكن نعدم مواضيع للحديث أو النقاش ,ففي الليالي الأخرى كنا نتحدث عن حياتنا الماضية و عن المستقبل الذي ينتظرنا, و كنا نتخيل طرقا غريبة للفرار من هذا المعتقل الرهيب ونتساءل عن طرق اتصالنا بعائلاتنا وإبلاغهم بمكاننا ووضعيتنا.
النقيب السابق أحمد الوافي يروي:تفاصيل جديدة عن تازمامارت و المحاولتين الانقلابيتين
أذكر ردة فعل زوجة النقيب أحمد الوافي، التي جاءت مرة إلى بيتي وطلبت مني ألا أعود مرة أخرى إلى زيارتها. وأذكر أنها قالت بالحرف: «أبنائي لم يعودوا راغبين في أي شيء يربطهم بوالدهم».
خديجة الشاوي زوجة محمد الرايس
النقيب السابق أحمد الوافي يروي:تفاصيل جديدة عن تازمامارت و المحاولتين الانقلابيتين
جبران خليلنشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 06 - 08 - 2011
هما رحلتان أو قوسان انغلقا علينا ذات صيف و لم ينفتحا إلا بعد مرور ثمانية عشر عاما. قوسان عانينا بينهما أفظع ما يمكن للمرء أن يتصوره. فترة عشنا أثناءها ظروفا تتحدى كل تصور و معاناة تفوق كل خيال.
الرحلة الأولى قادتنا إلى معتقل تازمامارت الرهيب في ليلة صيفية قائظة هي ليلة سابع غشت 1973, و نحن شباب في كامل عنفواننا و قوتنا.تم اقتيادنا خلالها من السجن المركزي بالقنيطرة, الذي كنا ضيوفه بعد أن تمت محاكمتنا و صدرت ضدنا عقوبات سجنية متفاوتة (أما الذين حكموا بالإعدام فقد نفذ في حقهم يوم 13 يناير 1973 في حقل الرماية العسكري بمهدية و لم يعودوا بيننا) بسبب تورط بعضنا في إحدى المحاولتين الانقلابيتين ضد النظام الملكي للحسن الثاني.
أما الرحلة الثانية فقد تمت في 15 سبتمبر 1991 , وهي التي أعادتنا إلى دنيا البشر قادمين ,كما الأشباح, من معتقل تازمامارت و نحن أشلاء بشرية تاركين خلفنا سنوات شبابنا و جثامين ثلاثين من رفاقنا الشهداء الذين سقطوا تباعا في ظروف لا أفظع منها و لا أقسى.
في الحلقات التالية سأشاطر القارئ الكريم جزءا من تفاصيل حياتنا و معاناتنا طيلة هذه الثمانية عشر عاما في معتقل مظلم و ظالم جدير بمعتقلات القرون الغابرة. كما سأتحدث عن الظروف التي قادتنا ? بعضنا بإرادته و البعض الآخر بتضافر ظروف و مقادير لا يد له فيها ? إلى هذا المصير, أي عن المحاولتين الانقلابيتين ل 10 يوليوز 1971 و 16 غشت 1972.
عند وصولنا أول مرة لتازمامارت و بعد أن رمونا داخل قبورنا الإسمنتية و انصرفوا لحال سبيلهم, و إثر تلاوة المفضل المكوتي للقرآن الكريم التي أخرجتنا من إحساسنا الفظيع بالضياع, و فيما كنا لا نزال نستكشف المكان المظلم الذي حبسنا فيه , سمعنا فجأة صخبا و صلصلة أقفال تفتح و تغلق, و جلبة و ضوضاء تصم الآذان.
انفتحت زنزانتي بقوة فتسرب نور باهت تمكنت بفضله من رؤية ثمانية أقدام لأربعة جنود ثلاثة منهم مسلحون بهراوات غليظة صاح أحدهم «هات البرو و الطبسيل» فسحبت البقرج و الصحن البلاستيكيين وملأ الرابع صحني بمرق و رمى بقطعة خبز ثم ملأ البقرج ذا الخمس لترات بماء ينساب من أنبوب مطاطي يجره وراءه و يغلقه بثنيه بين أصابعه. و ما أن سحبت الآنيتين حتى سمعت الباب الحديدي يصفق بقوة أمام وجهي كي يعم الظلام التام و المطبق من جديد.
و لم يكن هذا الصفق الكبير للباب ضروريا لإغلاقه, إذ لم يكن هناك من داع لهذا الدوي الذي يصم الآذان سوى أن النقيب محمد بلقاضي الضابط المسؤول عن إدارة و حراسة المعتقل,و هو ينحدر من نفس منطقة الجنرال الدليمي بسيدي قاسم, و كان شخصا لئيما و سكيرا و فاسقا ينتشي بتعذيبنا, كان يقف خارج العمارة و يقول للحراس: «أريد أن أسمع الأبواب تغلق عليهم» و كان لهذه العملية وحدها آثارها الكبيرة على إضعاف قدراتنا السمعية.
كانت أول وجبة تتضمن بعضا من الشحم و مرقا, و في المساء قدموا لنا حساء بالشعرية. أما في الصباح فقد تلقينا قهوة غير محلاة و 150 غراما من الخبز و هو حصتنا لليوم الكامل. و قد بقي نظام تغذيتنا بهذا الشكل لعدة أشهر قبل أن يسوء أكثر حين تولى الملازم بلقاضي مهمة تغذيتنا أيضا إضافة إلى حراسة و إدارة المعتقل.
هكذا أصبحنا ,ننظم أوقاتنا حسب نظام الأكل , إذ كانت زنازيننا تفتح لفترة وجيزة جدا , هي فترة استلام الماء و الأكل, ثلاث مرات في اليوم صباحا و ظهرا و مساء.
فقد كنا نتلقى في الصباح خمس لترات من الماء, هي حصتنا اليومية, و كوبا من القهوة المميعة غير المحلاة, إضافة إلى خبز (كوميرة) من نوعية رديئة كانت تقتسم الواحدة منها على أربعة عشر سجينا, أي أن بنايتنا بأكملها كانت توزع على قاطنيها خبزتان (كوميرتان).
أما وجبة الظهر فقد كانت تتكون دوما من صحن قطاني بدون زيت (فول أو عدس أو لوبياء...) شديد الملوحة في معظم الأحيان و غير ناضج دائما. و قد علمنا فيما بعد من الحراس أن الطباخ كان يلقى التشجيع من مدير المعتقل من أجل إيذائنا بطريقته, و هكذا كانت آنية الطبخ لا تخلو من حشرات و صراصير و حصى خاصة حين تكون وجبتنا عدسا إذ يصعب تمييز العدس عن الحصى أو عن الحشرات الصغيرة, أما الفول فقد كان شبيها بخلطة أسمنت لا تؤكل و لا علاقة لها ب»بيصر» المنطقة الشمالية, بينما كنا نقوم بفصل الحمص عن الماء المطبوخ فيه و نقوم بهرسه ? لأنه يكون نيئا تقريبا- حتى نتمكن من استعماله كسفوف أو كزبدة نطلي بها الخبز, خاصة أن معظمنا فقد أسنانه بعد ثلاث سنوات من هذا النظام الغذائي الفقير و الخالي من الفيتامينات.
و في المساء كانت وجبتنا الدائمة هي «الشعرية» مسلوقة في الماء القراح و لم تكن تقل سوءا عن الوجبات السابقة. أما اللحم أو الفواكه أو الشاي فقد افتقدنا مذاقها و لم نستعد هذا المذاق إلا بعد ثمانية عشر عاما, باستثناء اللحم الذي كان يقدم لنا مرة كل ثلاثة شهور تقريبا , لكن أي «لحم»؟ كانوا يعلنون عن قدومه فيتحلب ريقنا ثم تأتي الوجبة الموعودة فيقدمون مرقا بقطع صغيرة من الخضر و قطعة صغيرة من أعناق الدجاج. و أتذكر عيدا من أعياد الأضحى, و هو العيد الذي يأكل فيه جميع المغاربة حتى الشبع. في ذلك اليوم, و في وجبة الغذاء قدموا لنا مرقا بخضر رديئة الجودة و قطعة لحم صغيرة جدا, فسألت الحارس الموزع : « أليس اليوم يوم العيد الكبير؟» و أنا أشير إلى قطعة اللحم التائهة وسط المرق فقال لي متهكما :»لقد ذبحنا ماعزا لكن لحمه ذاب»
أما عن شهر رمضان, فحدث و لا حرج. يا إلهي أي عذاب مررنا به. فقد كانت الوجبات الثلاث تتقلص إلى اثنتين :وجبة الإفطار و تتكون من كوب قهوة بحليب محلاة قليلا مع صحن من شربة «حريرة» سيئة التحضير , تتكون من بضع حبات حمص تسبح داخل حساء طحيني شديد الملوحة, إضافة إلى قطعة الخبز المعتادة. بعد ذلك يغيب الحراس عنا حتى الثانية و النصف صباحا تقريبا حين يجيئوننا بشعرية تطفو في ماء مالح أو بقطع خضر في ماء مماثل, و طيلة ثمانية عشر سنة داخل المعتقل لم نحظ و لو بحبة تمر واحدة, و لم نستعد مذاق التمر سوى خلال الستة شهور الأخيرة قبل الإفراج عنا, حيث شرعوا في تزويدنا بستة إلى عشر تمرات كل يوم.
أما الماء فقد كنا نتوصل منه بخمس لترات في اليوم, للشرب و تنقية المرحاض و الاستحمام و تنظيف الملابس. و الماء هذا يكون مثلجا قاسي البرودة في فصل الشتاء, حارا و ساخنا في فصل الصيف, و كنا نتمنى لو كان الأمر معكوسا لخفت عنا وطأة البرودة و الحرارة معا.
و لم يكن الماء يطرح مشكلا كبيرا حينما يتم استخراجه من البئر بواسطة مضخة كهربية, لكن ما أن تصاب المضخة بعطب حتى يتحول الحراس إلى النهر المجاور لتزويدنا بحصتنا اليومية من الماء. و قد كان هذا الماء المستقدم من النهر ماء ملوثا, إذ كانت نساء البلدة يغسلن فيه جلود الأكباش و يقمن بتصبين ثياب أسرهن فيه. و في هذه الحالة كنا نوصي بعضنا بعدم استعمال هذا الماء للشرب و اقتصارنا على استخدامه للنظافة فقط.
و قد بتنا نتوقع انقطاع ماء البئر مسبقا حين تكف المضخة عن إصدار الضجيج فنعلم أنها عطبت فنشرع حينذاك في الحفاظ على ما تبقى لدينا من ماء صالح للشرب.و ما كان إصلاح المضخة ليتم لولا أن الحراس يتعبون من نقل مياه النهر إلى المعتقل فيسرعون في إصلاحها كي يستريحوا من عناء النقل.
(الحلقة المقبلة: حياتنا مع الحشرات)
لقد بدأت صورة معتقل تازمامارت تتوضح تدريجيا للقارئ الكريم. فهو يعرف الآن مساحة الزنزانة وهندستها و محتوياتها, و يتصور هذه العلبة الإسمنتية و قد لفها الظلام المطبق و التام إلا حين تتسرب بعض الخيوط النافرة و الباهتة من الضوء عندما يتم فتح الباب لتقديم وجبتي الفطور و الغذاء. و القارئ يعرف الآن نوعية تلك الوجبات التي تقدم لضيوف تازمامارت.و لكي تتقدم الصورة نحو الاكتمال, لا بد من التعرف على ضيوف آخرين يشاطروننا نفس السكن, بيد أن ظروفهم أفضل بكثير جدا من ظروفنا, ذلك أن هؤلاء يعيشون في وسطهم الطبيعي يتنقلون بكل حرية داخله بينما نحن أقل منهم درجة.
هؤلاء الضيوف الذين نتساكن معهم و نقاسمهم الحياة و يحاربوننا و نحاربهم في بعض الأحيان هم الحشرات و الزواحف و أكثرها سام و بعضها قاتل.
كنت أشعر بهذه الحشرات و أمسكها في بعض الأحيان مثل البق أو الصراصير و كنت أحتمي من بعضها الآخر مثل العقارب و الفئران و الأفاعي في جميع الأحيان, لكني لم أكن أتصور هذا الكم الهائل و المتنوع من هذه الحيوانات إلا في يوم من الأيام حين تمكنت من اقتناء ثلاثة أعواد ثقاب (و لذلك حكاية تروى) فأنرت زنزانتي و هالني ما رأيت.
أشعلت عود الثقاب الأول فرأيت حشرات تطير مختلفة الأشكال و الأحجام, تهوم بشكل مكثف شبيهة بتلك المناظر التي نراها في غابات الأمزون فبهتت لأني اكتشفت عالما جديدا و قريبا مني لكني لم أكن أعرفه, فأشعلت عود الثقاب الثاني لأتأكد مما رأيت و أستزيد...
لكن من بين الحشرات الأكثر تواجدا و الأكثر كثافة هي البق, فقد وجدت هذه الحشرات الماصة للدماء الفضاء الخصب لتكاثرها و عيشها في أمن نسبي, ففي الجدران غير المبلطة و في الأرضية المتربة للزنزانة , عثرت هذه الحشرة الصغيرة على المسكن الملائم لها كما وجدت فينا نحن الكائنات البشرية الغذاء الملائم و الدائم. و قد كنا في مأمن من البق و لسعاته طالما ظللنا مستيقظين لكن ما أن نغط في النوم - و قد قرأت في إحدى المجلات العلمية أنه يستشعر بمجسات خاصة به خلود البشر إلى النوم ? حتى تتحرك جحافله خارجة من المسارب و الشقوق التي تسكنها نهارا , و تتجه نحو ضحاياها النائمين لتشرع في مص دمائها و هو ما يشكل غذاءها الحيوي.و البق لا يمص الدم من أي مكان من الجسم بل يختار مواضع بعينها لكي يمتح منها دم الإنسان, و أفضل هذه المواضع بالنسبة إليه هي المرفقين عند ملتقى الساعد و الذراع , و لا أدري لماذا, لذلك فقد كنا جميعا نحك مرافقنا حتى تدمى و تتحول إلى دمل.
و للبق طريقة عجيبة في مص الدماء , فهو يعمد بعد أن يضع «يده» على المنطقة الجيدة من جسم الضحية إلى لسع النائم بخرطومه الشبيه بشوكة و يضخ سائلا مخدرا داخلها و يشرع في عملية الامتصاص بهدوء غير خائف من ردة فعل الضحية الذي لا يشعر بأثر ذلك إلا حين يستيقظ فيبدأ عملية الحك أو الهرش.
و ما أن ينال البق حصته اليومية من دمنا ?و الحصة الأكبر هي ما اغتصبه جلادونا منا- حتى يتوجه إلى مخبئه ليسكن هادئا شبعانا طيلة النهار, بيد أن بعضا من هذه الجيوش الصغيرة تجد في انتظارها حشرات ضارية و جائعة هي الصراصير التي تعشق هذه الأكياس الصغيرة الممتلئة بعد امتصاصها لدمنا و المتنقلة ببطء فتلتهمها بنهم. و قد كانت زنازيننا تعج بهذه الحشرات إلى درجة أن بعض سيئي الحظ منها كان يسقط في صحون أكلنا فنزدرده دون علم منا.
و قد كانت لنا علاقة توادد مع الصراصير لأنها لم تكن تحاربنا , مثل ما يفعل البق و لأنها كانت عدوا لعدونا , لذلك و في مرة من المرات و بعد مضي عدة سنوات على اعتقالنا, قام حراسنا برش الزنازين بمبيد حشري «دي.دي.تي» فقمت باصطياد ستة صراصير و خبأتها في مخبئي السري (و سنتحدث عن المخابئ السرية فيما بعد) إلى أن خف مفعول المبيد أو انقضى, فاستخرجت تلك الحشرات و أطلقت سراحها في زنزانتي, و كذلك فعل البعض منا ,و حكمة ذلك أن الصراصير و هي آكلة للبق إن تم القضاء عليها ازدادت قوة البق و أصبح أكثر فتكا. و حين اكتشف رفاق محنتنا في تازمامارت أهمية الصراصير أصبحوا يطلبوها منا فكنا نرسل البعض من القليل الذي لدينا بواسطة ذلك الحبل الجرار الذي صنعناه من أجل التواصل بيننا و تبادل الأشياء بيننا.
و إذا كنا نحن البشر لا نضمر شرا للصراصير, فإن كائنات أخرى كانت تتربص بها الدوائر و هي إما العقارب أو الفئران, التي كانت تقاسمنا الزنزانة نفسها. أما الفئران, و هي رمادية اللون صغيرة الحجم جميلة الشكل فلم تكن تؤذينا مباشرة و إن كانت تتسلق برشاقة أجسادنا في بعض المرات , بينما كان خوفنا كبيرا و استعدادنا عظيما لمحاربة العقارب التي تتحرك بالليل و النهار.
و لكن كيف يمكننا تفادي و مقاومة هذه الحيوانات السامة في ظلمة حالكة؟ لا شيء سوى التضرع إلى الله كي لا تكون لسعتها قاتلة, و لذلك فكل رفاقنا تعرضوا على الأقل للسعة واحدة أثناء مقامنا المقيت في تازمامارت. لذلك كانت النصيحة المتبعة بيننا هي الحرص التام على الامتناع عن التحرك فور شعورنا باللسعة الأولى لأن اللسعة الثانية تكون مميتة خاصة مع حالة الضعف و الهزال البدني التي أصبحنا عليها.و فور تعرضنا للسعة العقرب نشعر بمفعول حمام بارد قبل أن ينتشر الألم الكثيف في مجموع جسدنا.
و ليست العقرب و الفأر هما نهاية السلسلة الغذائية في تازمامارت, إذ أن هناك حيوان زاحف تعتبر الفئران و العقارب غذاء مفضلا له, لذلك يحدث بين الفينة و الأخرى أن يزورنا و هو الثعبان الصحراوي السام, الذي ما أن يلاحظ أحدنا دخوله إلى البناية حتى تعلن حالة الطوارئ و يتم إنذار جميع الرفاق الذين يشرعون في سد كل منافذ و ثقب الزنزانة مهما صغرت لمنع الثعبان من التسلل إلى إحدى الزنزانات فلا يراه صاحبها بسبب الظلمة الحالكة و قد يتعرض بذلك للدغة قاتلة قاضية.
الحلقة المقبلة : اختراعاتنا الصغيرة
الثلاثاء، 5 يناير 2021
الصوت الممنوع مع السيد : مفضل المغوتي أول طيار في شمال المغرب وسجين تزممارت
الصوت الممنوع: الجزء الأول مع السيد : مفضل المغوتي
الصوت الممنوع: الجزء الثاني مع السيد : مفضل المغوتي
الصوت الممنوع: الجزء الثالث مع السيد : مفضل المغوتي
الصوت الممنوع: الجزء الرابع مع السيد : مفضل المغوتي
الصوت الممنوع : الحلقة الخامسة على جحيم ومعاناة سجن تزممارت
الصوت الممنوع: الجزء السادس مع السيد : مفضل المغوتي
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير
حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير
-
صالح حشاد...طبيب تازمامارت...النشأة و الإنقلاب (الجزء الأول) صالح حشاد...طبيب تازمامارت...المحاكمة و الاعتقال...الجزء الثاني
-
محاولة انقلاب أوفقير محاولة انقلاب أوفقير أو عملية بوراق إف 5 هي محاولة انقلاب جرت في 16 أغسطس 1972 قام بها أفراد من سلاح الجو ا...
-
صالح حشاد صالح حشاد ضابط طيار مغربي سابق، كان يحمل رتبة كومندوم سكادرون أريين ويعد من أوائل الطيارين المغاربة حيث كان من المتخرجين ...






