‏إظهار الرسائل ذات التسميات العائلات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العائلات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 14 يناير 2021

استعمال العنف ضد الحقوقيين المشاركين في الوقفة الرمزية التي دعى إليها منتدى الحقيقة والإنصاف أمام المعتقل السري بالنقطة التابثة 3 بطريق زعير

 

استعمال العنف ضد الحقوقيين المشاركين في الوقفة الرمزية التي دعى إليها منتدى الحقيقة والإنصاف أمام المعتقل السري بالنقطة التابثة 3 بطريق زعير


فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط يدين استعمال العنف ضد الحقوقيين المشاركين في الوقفة الرمزية التي دعى إليها منتدى الحقيقة والإنصاف أمام المعتقل السري النقطة التابثة 3 بطريق زعير مساء يوم الأربعاء 12 يوليوز 2006 والتي تتزامن مع الذكرى الحادية والثلاثين لفرار معتقلين منه من بينهم الحسين المانوزي، ومحمد اعبابو سنة 1975 مما كشف عن وجود هذا المعتقل والانتهاكات الجسيمة التي كانت تحدث داخله.
على إثر التدخل الأمني العنيف لمنع الوقفة الرمزية الاحتجاجية التي دعى إليها المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف يوم الأربعاء 12 يوليوز 2006 أمام المعتقل السري الرهيب الكائن بطريق زعير وتعرض العديد من الحقوقيين المشاركين للدفع والضرب والتعنيف، اجتمع مكتب فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط لتقييم هذه الواقعة معتبرا أن السلطات الأمنية بتدخلها هذا تسجل مرة أخرى انتهاكا إضافيا للحق في السلامة البدنية كما تنص على ذلك المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وإذ يدين مكتب الفرع الانتهاكات التي مارستها السلطات الأمنية في هذه الوقفة فإنه يحمل المسؤولية لوزارة الداخلية بشكل خاص وللحكومة بشكل عام نظرا لتجاهلها للمبادئ الكونية لحقوق الإنسان.

عن مكتب فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط
عبد السلام أديب: رئيس الفرع


الأحد، 10 يناير 2021

الشاوي زوجة محمد الرايس: الكوميسير الخلطي طلب مني أن أصفح عنه

 الشاوي زوجة محمد الرايس: الكوميسير الخلطي طلب مني أن أصفح عنه


نشر في المساء يوم 08 - 02 - 2013

- كيف كان إحساسك عندما اتصلت بمنزلك من المستشفى، حيث كنت تشتغلين، فكان المجيب هو زوجك محمد الرايس المعانق توّا للحرية بعد 20 سنة من الاعتقال في تازمامارت، وسنة إضافية في سجن القنيطرة؟ 
شعرت بفرح مشوب بالدهشة والتوتر ورغبة في البكاء، لكن الدموع تحجرت في مقلتيّ. وعندما كنت أهمُّ بمغادرة المستشفى، فهمت لماذا استدعتني الشرطة واعتقلتني في «كوميسارية» العرفان بالرباط لأزيد من نصف يوم. وقفت في الشارع، ومن لهفتي، كنت كلما لمحت سيارة حسبتها سيارة أجرة (طاكسي)، فأطفق ألوح لسائقها بيدي. كنت كالممسوسة، لا أعرف ما أقدم ولا ما أؤخر. عندما طرقت باب المنزل، كان زوجي هو من فتح لي الباب فارتميت في حضنه وعانقته مثل طفلة ثم أجهشت بالبكاء وأنا أصرخ دون وعي. لقد بلغ بي التأثر حدا امتزجت فيه فرحة اللحظة بحزن سنوات «الحكرة» والجفاء وتوسل المسؤولين وأنصاف المسؤولين.. سنوات «ربَّيت» فيها الأمل كحيوان على حافة الانقراض، كان يضيع مني حينا فأتقفى خطواته في شوارع مظلمة بعين الإصرار العنيد على أن زوجي ما يزال حيا. عانقت زوجي كما تعانق طفلة أباها وأمٌّ ابنها، وأنا أسترجع شريط الذكريات، قبل أن يقطعه رنين الهاتف.. كان المتصل هو الكوميسير الخلطي (محمد الخلطي أشهر عميد شرطة في الاستعلامات خلال سنوات الثمانينيات)، وبمجرد أن رفعت السماعة قال لي بنبرة تهديد: «ها حنا طلقنا ليك راجلك، وخلينا عليك فالتيساع»، فجاء ردي سريعا: «نتوما اللّي خاصكم تخليوني عليكم مع راجلي ووليداتي فالتيقار، ويلا ما هنيتونيش راني ماغاداش نجمع يدي وفمي»، فضحك الخلطي، وطلب مني أن أصفح عنه وأسامحه. ولمزيد من التوضيح، فالخلطي هو الذي كان مكلفا بمراقبتي، وهو من كان يبعث رجال الأمن ليداهموا بيتي بعد منتصف الليل وليحرضوا علي رؤسائي في العمل، وكان يبعث سيارات تربض أمام بيتي وتحصي علي أنفاسي وأنفاس أبنائي وزواري، وأخرى تتعقب خُطايَ وترهبني أنا ومن يرافقني.. كل هذا كان من فعل هذا الكوميسير الذي حينما أحيل على التقاعد أرسل إلي بعض معارفنا يطلب مني أن أسامحه. لقد تسبب الخلطي في كثير من الأذى للعديد من الأبرياء والمقهورين، فهل ينفع اعتذاره بعد كل التنكيل والتعذيب والترهيب الذي مارسه هو وأمثاله على نساء وأطفال ورجال لا حول لهم ولا قوة؟ 



الاثنين، 28 ديسمبر 2020

ابنة الطيار صالح حشاد ضحية تزمامارت هي من طلبت العفو من الملك الحسن الثاني على السجناء

 ابنة الطيار صالح حشاد ضحية تزمامارت هي من طلبت العفو من الملك الحسن الثاني على السجناء




Les années de plomb au Maroc au féminin

 Les années de plomb au Maroc au féminin



عايدة حشاد : خصنا ندافعوا على القضايا العادلة

 عايدة حشاد : خصنا ندافعوا على القضايا العادلة


Aida Hachad est pharmacienne, mère de deux enfants et militante des droits de l'Homme. Dans cet épisode, elle nous parle d'une période particulière dans sa vie et celle du Maroc, celle des années de plomb. Pendant 19 ans, Aida a été séparée de son mari qui a été placé dans la prison secrète de Tazmamart, après le "coup d'Etat" des aviateurs survenu contre le régime de Hassan II, le 16 août 1972. Dans cet épisode, elle nous raconte, non sans émotions, ses souvenirs de cette période, les conséquences de cette arrestation sur sa famille et les secrets de sa résilience.



الشاوي: حماتي أرادت أن ترميني رفقة أبنائي إلى الشارع

 الشاوي: حماتي أرادت أن ترميني رفقة أبنائي إلى الشارع

قالت إن زوجها الرايس طلب منها إيداع أبنائهما الستة في «الخيرية» والخروج للعمل
نشر في المساء يوم 15 - 01 - 2013

هل كانت معاناة معتقلي سجن تازمامارت، الأكثر فظاعة في تاريخ المغرب الحديث، أقسى وأبشع من معاناة أبنائهم وزوجاتهم الذين
عاشوا الجوع والتشرد والخوف؟ من خلال «كرسي الاعتراف» مع خديجة الشاوي، زوجة محمد الرايس، أحد أشهر معتقلي سجن تازمامارت، يختل الجواب بنعم. في «كرسي الاعتراف»، تحكي خديجة الشاوي كيف تزوجت «لاسبيران» (المرشح لرتبة ضابط) محمد الرايس، وعمرها 12 سنة، وكيف تركها عرضة للتشرد رفقة ستة أطفال، هم إرثها منه عندما اعتقل على ذمة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني سنة 1971. وكيف طرقت باب للا عبلة، والدة الحسن الثاني، وما عانته لمقابلة الأمير مولاي عبد الله، وصولا إلى لقائها بالحسن الثاني الذي استجاب لطلبها، ليس بالإفراج عن زوجها، وإنما بتخفيف الحكم الصادر في حقه من الإعدام إلى السجن المؤبد، قبل أن تفاجأ ذات صباح باختفاء زوجها من سجن القنيطرة إلى مصير مجهول، ثم كيف جن جنونها وهي تقرأ رسالة خرجت من جحيم تازمامارت، يقول فيها الرايس: «أنا في سجن هو أقرب إلى القبر»، لتبدأ معركة التعريف بقضية معتقلي تازمامارت والنضال من أجل الإفراج عنهم، إلى أن أخلي سبيل زوجها محمد الرايس الذي اقتيد من تازمامارت إلى سجن القنيطرة حيث قضى سنة إضافية، قبل أن يتدخل السوسيولوجي الفرنسي الشهير، جاك بيرك، لدى الحسن الثاني للإفراج عنه، لتجد الشاوي أمامها شخصا بملامح وطباع غريبة مقارنة بذلك الزوج الذي فارقها لمدة عشرين سنة.
- مباشرة بعد اعتقال زوجك محمد الرايس على خلفية محاولة انقلاب الصخيرات لسنة 1971، توطدت علاقتك بالمحامي النقيب عبد الرحمان بن عمرو، الذي سبق أن قلت إنك لا يمكن أن تنسي فضائله عليك؛ ما الذي حدث بالتحديد؟
بعد حوالي شهر على اعتقال الرايس، بعث إلي برسالة مع أحد حراس السجن، يطلب مني فيها أن أنصب محاميا ليترافع عنه. أخذت الرسالة إلى خالي الحسين الذي كان يشتغل في إدارة المالية، وطلبت منه أن يقرضني بعض المال ويبحث معي عن محام، فاقترح علي محاميا قال إن اسمه عبد الرحمن بنعمرو الذي تعامل معي، بعدما عرضت عليه القضية، كما يتعامل محام مع زبونة، حيث طلب مبلغ ألف درهم، إن لم تخني الذاكرة، كأتعاب، دفعها له خالي. لكن علاقتي بالأستاذ بنعمرو ستأخذ بعدا آخر بعدما سيزور زوجي في سجنه ويتحدث إليه، حيث استدعاني إلى مكتبه وأرجع إلي المبلغ الذي كنت قد سلمته إياه، ثم خصص لي كما قلت مبلغا شهريا، تضامنا منه معي وأبنائي الستة، طالبا مني أن أبقي الأمر سرا بيننا؛ وبذلك المبلغ البسيط والمهم في تلك المرحلة، كنت أعيل أبنائي. في هذه المرحلة أيضا، كان الأستاذ بنعمرو هو المخول له زيارة الرايس في السجن العسكري بالقنيطرة، فكان هو صلة الوصل الوحيدة بيني وبين زوجي.
- وفي نهاية المطاف، حكم على زوجك محمد الرايس بالإعدام؛ كيف عشت لحظة الحكم؟
كنت إلى جانب عائلات المعتقلين والمحامين في قاعة المحكمة، ولن أنسى ما حييت اسم القاضي الذي نطق بالحكم: عبد النبي بوعشرين. عندما أصدر حكمه القاضي بإعدام محمد الرايس، أطلقت صرخة دوت في أرجاء القاعة، أتبعتها، بجنون، بصرخات وشتائم صرت أطلقها، دونما وعي، وأنا أبحث بين الواقفين والجالسين والمغمى عليهن على المحامي بنعمرو، أمسكته بقبضتي وبدأت أرجه وأصرخ في وجهه، ثم أعود أسأله كالمجنونة عما يمكن فعله لإنقاذ زوجي من الهلاك، ثم أعود أصرخ، وللحظة فقدت الوعي، وبقيت مغمى علي إلى أن وجدت نفسي فوق عتبة منزل حماتي. لقد حملني أحد الدركيين، اسمه كبير -كان صديقا للرايس، وكان يعمل بالطيران العسكري، وقد مات لاحقا أثناء المواجهات مع جبهة البوليساريو- (حملني) إلى البيت على متن سيارته، وتركني قرب الباب، فصعدت عند حماتي أصرخ وأقول لها: «سيقتلون ابنك.. سيقتلونه»، وعندما رأيتها تنظر إلي أصبت بهستيريا وأنا أسألها صارخة: ماذا عساني أقول لأبنائه يوم يكبرون ويسألونني عن أبيهم؟
- ما الذي قمت به، بعدما استرجعت وعيك وهدوءك، ووجدت نفسك أمام ستة أبناء وزوج محكوم عليه بالإعدام؟
لوهلة، بدأت أفقد الأمل في إمكانية نجاة زوجي من الهلاك، وأخذت أفكر بجدية في البحث عن عمل أعيل به أبنائي وزوجي الذي تم اقتياده، بعد صدور الحكم، من السجن العسكري إلى السجن المركزي بالقنيطرة، حيث أصبحت أزوره مرتين في الأسبوع. وفي إحدى تلك الزيارات، طلب مني الرايس أن أترك الأبناء الستة في رعاية أمه وأخرج للعمل؛ وأذكر أنه أعقب طلبه هذا بالقول: «أنا ماتعوليش عيا.. أنا صافي انتهيت»، ثم أضاف: في حالة ما إذا رفضت والدتي مساعدتك في رعاية الأبناء، فأنا مستعد لكي أوقع لك على موافقتي على إيداعهم «الخيرية» على أساس أن تتفرغي لزيارتهم مرتين في الأسبوع. وعندما عدت إلى حماتي وأخبرتها بنيتي الخروج إلى العمل على أساس أن تهتم هي برعاية الأبناء، رفضت ذلك، وقالت: أنا من سيبحث عن عمل، أما أنت فابقي جنب أبنائك. وقد حاول الرايس، في إحدى الزيارات، ثنيها عن قرارها وإقناعها بأنني سأجد عملا محترما بحكم توفري على مستوى دراسي لا باس به، ولاسيما أنني كنت قد أكملت تعليمي بعد الزواج، لكنها رفضت.
- هل عدت، فعلا، إلى متابعة دراستك بعد زواجك من الرايس، مباشرة بعد حصولك على شهادة الدروس الابتدائية؟
عندما تزوجت من الرايس، وانتقلنا إلى السكن في أهرمومو، كانت زوجة القبطان عبد اللطيف بلكبير أستاذة، وكانت تمدني بدروس مختلف مواد المستويات الإعدادية، هي وسيدة أخرى كانت تمتهن التدريس، فكنت أنجز تمارين على هامش الدروس التي كنت أراجعها درسا درسا، ومادة مادة، كما لو كنت حاضرة في الفصل، كما كانت الأستاذتان تراجعان تماريني وتصححانها، وتجريان لي الامتحانات. وقد بقيت أتابع الدراسة، على هذا المنوال الحر، إلى أن وصلت إلى مقررات السنة الرابعة
إعدادي.
- لنعد إلى حماتك.. هل تركتك تهتمين بتربية أبنائك وخرجت، وهي امرأة مسنة، للعمل؟
بعدما واجهتْ حماتي رغبتي في الخروج إلى العمل بالرفض، أرادت أن ترميني أنا وأبنائي الستة إلى الشارع.
- كيف؟
زارت الرايس في السجن وقالت له إنها لا ترغب في وجودي رفقة أبنائي معها، مبررة ذلك بكونها تريد أن تستكين وتبقى وحدها في البيت. وهنا طلب مني الرايس بإلحاح أن أودع الأطفال في الخيرية وأخرج للبحث عن عمل، لكني رفضت بإصرار عنيد، وواجهته بالقول: سوف أخرج للعمل وسأترك أبنائي في البيت، أحبت والدتك أم كرهت. حينها عدت أطرق مكتب الأستاذ عبد الرحمان بنعمرو، طالبة منه مساعدتي في إيجاد عمل، فوعدني بأن يساعدني في ذلك، قبل أن يقترح علي خالي الحسين اصطحابي إلى عبد الرحيم بوعبيد، وتلك قصة أخرى.


الشاوي: ابنتي إلهام كانت أول من فجر ملف تازمامارت في إنجلترا وفرنسا

الشاوي: ابنتي إلهام كانت أول من فجر ملف تازمامارت في إنجلترا وفرنسا
قالت إن طبيبا فرنسيا سلمها شهادة مزورة تؤكد أن عمرها 16 وليس 12 سنة لكي تتزوج من الرايس
نشر في المساء يوم 11 - 01 - 2013


هل كانت معاناة معتقلي سجن تازمامارت، الأكثر فظاعة في تاريخ المغرب الحديث، أقسى وأبشع من معاناة أبنائهم وزوجاتهم الذين عاشوا الجوع والتشرد والخوف؟ من خلال «كرسي الاعتراف» مع
خديجة الشاوي، زوجة محمد الرايس، أحد أشهر معتقلي سجن تازمامارت، يختل الجواب بنعم. في «كرسي الاعتراف»، تحكي خديجة الشاوي كيف تزوجت «لاسبيران» (المرشح لرتبة ضابط) محمد الرايس، وعمرها 12 سنة، وكيف تركها عرضة للتشرد رفقة ستة أطفال، هم إرثها منه عندما اعتقل على ذمة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني سنة 1971. وكيف طرقت باب للا عبلة، والدة الحسن الثاني، وما عانته لمقابلة الأمير مولاي عبد الله، وصولا إلى لقائها بالحسن الثاني الذي استجاب لطلبها، ليس بالإفراج عن زوجها، وإنما بتخفيف الحكم الصادر في حقه من الإعدام إلى السجن المؤبد، قبل أن تفاجأ ذات صباح باختفاء زوجها من سجن القنيطرة إلى مصير مجهول، ثم كيف جن جنونها وهي تقرأ رسالة خرجت من جحيم تازمامارت، يقول فيها الرايس: «أنا في سجن هو أقرب إلى القبر»، لتبدأ معركة التعريف بقضية معتقلي تازمامارت والنضال من أجل الإفراج عنهم، إلى أن أخلي سبيل زوجها محمد الرايس الذي اقتيد من تازمامارت إلى سجن القنيطرة حيث قضى سنة إضافية، قبل أن يتدخل السوسيولوجي الفرنسي الشهير، جاك بيرك، لدى الحسن الثاني للإفراج عنه، لتجد الشاوي أمامها شخصا بملامح وطباع غريبة مقارنة بذلك الزوج الذي فارقها لمدة عشرين سنة.
- كم كان عمرك تحديدا عندما تزوجت من محمد الرايس؟
عندما حصلت على شهادة الدروس الابتدائية، وكان عمري وقتها 12 سنة بالتحديد، طلبت فاطمة، والدة الرايس، من أمي أن نعقد قراننا وأنتقل للعيش مع ابنها في بيت الزوجية، لكن والدتي رفضت ذلك متذرعة بأنني نجحت في الحصول على الشهادة الابتدائية وأنها تريدني أن أشتغل مع أخي في البريد. وهذا الموقف فجر غضب والدة الرايس التي ثارت في وجه والدتي معتبرة أنها نكثت عهدها لها بتزويجي من ابنها، ومهددة باللجوء إلى القضاء واستدعاء شهود يؤكدون أنها كانت تجدد خطبتي في كل مرة، وأنها كانت تنفق علي وتأتيني بالهدايا منذ كنت طفلة، بعد ذلك لجأت حماتي إلى بعض أفراد عائلتنا الذين أقنعوا أمي بلا جدوى عملي في البريد وبأنه من الأحسن لي أن أتزوج (تتنهد).. في نهاية المطاف، أنا كنت منذورة للزواج من محمد الرايس. لكن العقبات التي اعترضت زواجي من الرايس لن تقف عند هذا الحد؛ ففي يوم عقد قراننا، رفض العدلان أن يزوجانا بعد أن اطلعا على عقد ازديادي الذي يثبت أنني لم أتجاوز 12 سنة. في هذه الأثناء، زارنا أحد أبناء خالتي الذي كان قائدا في وزارة الداخلية، واقترح أن يتم عرضي على طبيب يسلمني شهادة تثبت أهليتي للزواج، وفعلا ذهبت إلى الدكتور بلونشار، فرنسي الجنسية، الذي كانت له عيادة في حي أكدال بالرباط، وبعدما فحصني سلمني شهادة طبية يقول فيها إن سني الحقيقي هو 16 سنة.
- هل، فعلا، كان عمرك الحقيقي هو 16 سنة؟
لا، عمري الحقيقي، المحسوب والمضبوط، لم يكن يتجاوز 12 سنة،
- تم تزويجك، إذن، بناء على شهادة طبية مزورة؟
نعم، وقد تم حملي من عيادة الدكتور بلونشار إلى بيتنا حيث ألبسوني جلبابا ووضعوا على رأسي منديلا وزينوني، قبل اقتيادي إلى مكتب العدلين بسويقة سوق الضباط في الرباط، وهناك كتبنا عقد زواجنا أنا ومحمد الرايس، ثم أقمنا حفل زفافنا في 1961. وبعد زواجي بسنتين حبلت بأولى بناتي: إلهام، التي تقيم اليوم بإنجلترا والتي تعتبر أول من أثار موضوع تازمامارت لدى المنظمات الدولية وفي وسائل الإعلام الإنجليزية والفرنسية، قبل أن يتحدث عنها أي أحد.
- أين أقمت مع محمد الرايس بعد زواجكما؟
بعد الزواج، انتقلت أنا والرايس إلى أهرمومو التي كان قد انتقل إليها من أجل العمل فيها قادما من أكادير، وذلك بعد أن أخبر الإدارة بأنه على وشك الزواج. وقد بقينا في أهرمومو منذ 1961 إلى غاية 1971، وهي السنة التي حدثت فيها محاولة الانقلاب على الحسن الثاني، لتبدأ معها كارثتنا الكبرى.
- ما هي تحديدا المهام التي كان الرايس مكلفا بها في مدرسة أهرمومو العسكرية؟
في أهرمومو كان الرايس يعمل أستاذا لمادة المسح الطوبوغرافي والسلاح.
- كيف كانت نظرة محمد الرايس إلى السياسة ونظام الحسن الثاني قبل محاولة الانقلاب؟
خلال الفترة التي تزوجت فيها كنت لا أزال طفلة صغيرة ولا أعرف شيئا عن الزواج والمسؤولية، فكيف أفقه في أمور السياسة. كما أنه طيلة الفترة التي قضيناها في أهرمومو، كان الرايس يغادر المنزل قاصدا عمله، ثم يعود بعد الانتهاء منه؛ كما كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع في البيت؛ ولم يكن يستقبل أحدا من الضباط أو من زملائه في أهرمومو في منزلنا، لأن الرايس لم يكن من النوع الذي يحب جلسات السمر التي كان ينظمها الضباط في منازلهم، فقد كان إنسانا محافظا وطيبا وعلى خلق رفيع، وكان يحسن معاملتي ومعاملة أبنائه، كما كان يسأل عن باقي العائلة ويزورها من حين إلى آخر.. لقد كان الرايس رجلا بكل ما للكلمة من معنى.
- متى كانت آخر مرة رأيت فيها زوجك محمد الرايس قبل انقلاب الصخيرات الذي تم يوم 10 يوليوز 1971؟
قبل الانقلاب، كان قد مضى علي أسبوع لم أر فيه زوجي، كنت قد ذهبت إلى منزل حماتي في الرباط لإجراء فحوصات على ابني التوأم، رشيد؛ وقد قدم الرايس لزيارتنا ثم عاد إلى أهرمومو. وفي نهاية الأسبوع، كان مفترضا أن يأتي لكنه اتصل ليعتذر ويخبرني بأن المدرسة طلبت منه في آخر لحظة الاستعداد للقيام بمناورة عسكرية في بنسليمان.
- كيف بلغك خبر الانقلاب؟
كنت جالسة أنا وحماتي في منزلها بالرباط، ثم اتصلت بنا زوجة عمّ الرايس ودعتنا إلى تناول وجبة الغداء في منزلها، وذلك ما كان. وبعد الغداء، بقينا جالسات نتحدث إلى حدود الساعة السادسة تقريبا، وبينما نحن عائدتان إلى منزل حماتي أثارتنا حركة غريبة في الشارع، وعندما سألنا بعض المارين أخبرونا بأن العسكر حاولوا الانقلاب على الحسن الثاني. لكنني، لم أفكر في أن زوجي قد يكون ضمن هؤلاء العسكر، لولا أن حماتي نبهتني قائلة: أخشى أن يكون ابني محمد من بين من حاولوا الانقلاب على الملك، فأجبتها باطمئنان بأن الرايس مجرد أستاذ يدرس تلامذة المدرسة العسكرية ولا دخل له في مثل هذه الأمور. المهم.. أدخلنا الأطفال الذين كانوا يلعبون قرب المنزل، وبقينا نستمع إلى الراديو. وبعد برهة، طرق شخص الباب وعرف بنفسه، كان واحدا من تلامذة زوجي في أهرمومو، اسمه عمر، وكان يقطن غير بعيد عن منزل حماتي في حي العكاري، وأذكر أنه جاء مرتديا جلبابا وحرص على تغطية رأسه ب«القب»، وبمجرد ما فتحنا الباب صعد الأدراج مسرعا، وهو يسألنا عما إذا كان الرايس قد عاد، وعندما قلت له إنه في أهرمومو، أجاب بأن ضباط وتلامذة مدرسة أهرمومو قاموا
بانقلاب.



الشاوي: عندما اعتقل الرايس كنت أمّا لستة أبناء وعمري أقل من 18 سنة

 الشاوي: عندما اعتقل الرايس كنت أمّا لستة أبناء وعمري أقل من 18 سنة

قالت إن زوجها هو الذي حمى عبد الحليم حافظ أثناء الانقلاب
نشر في المساء يوم 12 - 01 - 2013

هل كانت معاناة معتقلي سجن تازمامارت، الأكثر فظاعة في تاريخ المغرب الحديث، أقسى وأبشع من معاناة أبنائهم وزوجاتهم الذين عاشوا الجوع والتشرد والخوف؟ من خلال
«كرسي الاعتراف» مع خديجة الشاوي، زوجة محمد الرايس، أحد أشهر معتقلي سجن تازمامارت، يختل الجواب بنعم. في «كرسي الاعتراف»، تحكي خديجة الشاوي كيف تزوجت «لاسبيران» (المرشح لرتبة ضابط) محمد الرايس، وعمرها 12 سنة، وكيف تركها عرضة للتشرد رفقة ستة أطفال، هم إرثها منه عندما اعتقل على ذمة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني سنة 1971. وكيف طرقت باب للا عبلة، والدة الحسن الثاني، وما عانته لمقابلة الأمير مولاي عبد الله، وصولا إلى لقائها بالحسن الثاني الذي استجاب لطلبها، ليس بالإفراج عن زوجها، وإنما بتخفيف الحكم الصادر في حقه من الإعدام إلى السجن المؤبد، قبل أن تفاجأ ذات صباح باختفاء زوجها من سجن القنيطرة إلى مصير مجهول، ثم كيف جن جنونها وهي تقرأ رسالة خرجت من جحيم تازمامارت، يقول فيها الرايس: «أنا في سجن هو أقرب إلى القبر»، لتبدأ معركة التعريف بقضية معتقلي تازمامارت والنضال من أجل الإفراج عنهم، إلى أن أخلي سبيل زوجها محمد الرايس الذي اقتيد من تازمامارت إلى سجن القنيطرة حيث قضى سنة إضافية، قبل أن يتدخل السوسيولوجي الفرنسي الشهير، جاك بيرك، لدى الحسن الثاني للإفراج عنه، لتجد الشاوي أمامها شخصا بملامح وطباع غريبة مقارنة بذلك الزوج الذي فارقها لمدة عشرين سنة.
- ما الذي قمتِ به عندما طرق بابَ منزلِ حماتك أحدُ تلامذة زوجك الرايس في المدرسة العسكرية بأهرمومو، وأخبرك بأن ضباط وتلامذة المدرسة قاموا بانقلاب، وأن الرايس كان ضمن الانقلابيين؟
قال لي التلميذ، الذي كان اسمه عمر، أن مسؤولين في مدرسة أهرمومو العسكرية ساقوا تلامذة وضباط المدرسة كلها على أساس أنهم سيقومون بمناورة عسكرية عادية في منطقة بنسليمان. ولما وصلوا إلى بوقنادل، توقفوا هناك والتحق بهم الكولونيل اعبابو، قائد مدرسة أهرمومو، وسلمهم أسلحة بذخيرة حية، وأخبرهم بأنهم سيذهبون إلى القصر الملكي بالصخيرات لأن الملك في خطر، ثم أمرهم بأن يطلقوا النار على أعداء الملك بمجرد أن يعطيهم إشارة بذلك. كما أخبرنا التلميذ ذاته بأن الرايس تدخل عندما تم تسليمهم سلاحا بذخيرة حية، وقبل أن يتحدث اعبابو عن أعداء الملك الذين سيواجهونهم، سأله الرايس عن سبب تسليم الضباط والتلاميذ ذخيرة حية عكس ما هو معمول به في المناورات العادية، فالتفت اعبابو إلى الرايس قائلا: «هذا ليس من شأنك». وأضاف عمر أنهم عندما وصلوا إلى القصر وبدؤوا في إطلاق النار صاروا يصيبون بعضهم البعض، لأن الرصاص كان يتطاير في كل الاتجاهات.
- كيف تمكن هذا التلميذ من الهروب والقدوم إليكما لإطلاعكما، أنت وحماتك، على ما حصل؟
حين حصل ما حصل واكتشفوا في الإذاعة وفي مركز القيادة العامة للقوات المسلحة أن الأمر يتعلق بمحاولة انقلاب وليس بمناورة عادية أو مواجهة مع متربصين بالملك، بعد أن سمع التلاميذ والضباط المغرر بهم الجنرال البوهالي يتوجه إلى الجنرال اعبابو قائلا: «دّي اولادك وسير بحالك.. خطة الانقلاب لم تنجح»، حينها فقط فهم الآخرون ما حدث. هذه التفاصيل حكاها لي زوجي بعد أن خرج من السجن؛ كما حكى لي أنه ذهب إلى الإذاعة فوجد عبد الحليم حافظ هناك محاصرا بينما كان بصدد تسجيل أغنية بمناسبة عيد شباب الحسن الثاني، وأنه كان هو من أخبر العسكر بأن ذلك الشخص هو المغني عبد الحليم حافظ قبل أن يقوم بإخراجه سالما من مقر الإذاعة، ويعود لتفقد التلاميذ الذين اصطحب البعض منهم رفقة بعض الضباط على متن سيارة إسعاف. وبينما كان يقصد مركز أهرمومو أوقفه العسكر في فاس، ومنها اقتادوه إلى عين قادوس، حيث اعتقلوه وعذبوه كثيرا حتى تسببوا له في كسر ضلعين، وهو الكسر الذي صاحبه طيلة مدة اعتقاله في تازمامارت ولم يكتشفه إلا بعد الخروج منه وبعدما تسبب له الضلعان المكسوران في مضاعفات أخرى.
- كيف كانت علاقة الرايس بالكولونيل امحمد أعبابو والجنرال محمد المذبوح، المسؤولين المباشرين عن محاولة انقلاب قصر الصخيرات في 1971؟
زوجي لم تكن تربطه أية صلة بالمذبوح؛ أما اعبابو، الذي كان مدير مدرسة أهرمومو، فقد كانت تربطه به علاقة العمل لا أكثر. كان اعبابو صارما في تعامله مع الآخرين، وكان زوجي يحكي مرارا كيف كان اعبابو يصرخ في وجه الضباط، وكثيرا ما كان يعنف الضباط والتلاميذ على حد سواء. وقد قال لي الرايس، أثناء إحدى زياراتي له في سجن القنيطرة: لو كان الضباط على علم بأمر الانقلاب قبل حصوله لكانوا تخلصوا من اعبابو قبل أن يقوم بالانقلاب، لأن الكثيرين منهم كانوا يكرهونه كرها عميقا.
- قبل حدوث الانقلاب، كنتم تقيمون في سكن وظيفي بأهرمومو؛ متى تم طردك منه أنت وأبناؤك؟
في أهرمومو كنا نسكن بفيلا كبيرة، مع جنود وخدم يسهرون على راحتنا وخدمتنا. لكن قبل الانقلاب بفترة قصيرة، حدث أنني قدمت إلى الرباط لأن ابني الأصغر، سعيد، أصيب بالتهاب في اللوزتين مع ارتفاع في حرارته، وقد كان صعبا علي أن أهتم به وبأخته التوأم بشرى، فحملت الاثنين وذهبت إلى أم الرايس بالرباط كي تهتم بابنتي بشرى فيما أهتم أنا بابني المريض، وقد كان من المنتظر أن يلحق بنا زوجي ليأخذنا إلى المستشفى العسكري حيث كنت سأتابع علاج ابني مع أحد الأطباء، لكن الرايس اتصل بي وقال إنه لن يلحق بنا، فقد تلقوا اتصالا في أهرمومو يخبرهم بأن هناك مجموعة من الدركيين ستصل إلى المدرسة كي تتلقى تكوينا، وكان عليه أن يظل هناك لأنه من ضمن المكونين الذين كان عليهم أن يتولوا مهمة تدريب تلك المجموعة. وقد كان الرايس سيأتي لرؤيتنا في نهاية الأسبوع كما تعود أن يفعل حين نكون مع والدته في الرباط، غير أنه اتصل بي مجددا وأخبرني بأنه لن يتمكن من المجيء لأنه تقرر فجأة القيام بمناورة في بنسليمان. لقد تعود الكولونيل اعبابو أن يرسل في طلب الرايس أحيانا في ساعات متأخرة من الليل، عندما تصل مجموعة من الأسلحة الجديدة، لأنه كان متخصصا في السلاح، وكان زوجي قد أخذ يبدي تذمره في الفترة الأخيرة من مثل تلك الاتصالات المفاجئة، وكان يفكر في طلب الانتقال من أهرمومو بعد أن ضاق ذرعا بالمناداة عليه من طرف اعبابو في مثل تلك الساعات المتأخرة؛ وقد تقدم فعلا بطلب انتقال، لكن اعبابو عدل عن التوقيع على طلبه في آخر لحظة.
- عندما اعتقل الرايس في يوليوز 1971، كم كان عمرك، وكم ترك لك من الأبناء؟
كان عمري 18 سنة، أما الأبناء الذين ظلوا تحت رعايتي فعددهم ستة أبناء، وهم: إلهام التي ازدادت سنة 1963، وكريم وهو من مواليد 1964، ونادية التي رأت النور في 1966، ورشيد الذي خرج إلى الدنيا في 1968، ثم التوأمان بشرى وسعيد في 1969، وقد تركهما الرايس عند اعتقاله صغيرين جدا، إذ لم يكونا قد أكملا سنة ونصف السنة من العمر، لكن تبقى قصة ابني رشيد هي الأكثر مأساوية بين كل إخوته وأخواته.


الشاوي: المحامي عبد الرحمان بنعمرو خصص لي إعانة شهرية بعد اعتقال الرايس

 الشاوي: المحامي عبد الرحمان بنعمرو خصص لي إعانة شهرية بعد اعتقال الرايس

قالت إن ابنها رشيد ذا ال3 سنوات أصيب بالصمم والبكم والكساح بعد اعتقال والده
نشر في المساء يوم 14 - 01 - 2013

هل كانت معاناة معتقلي سجن تازمامارت، الأكثر فظاعة في تاريخ المغرب الحديث، أقسى وأبشع من معاناة أبنائهم وزوجاتهم الذين عاشوا الجوع والتشرد والخوف؟ من خلال «كرسي الاعتراف» مع
خديجة الشاوي، زوجة محمد الرايس، أحد أشهر معتقلي سجن تازمامارت، يختل الجواب بنعم. في «كرسي الاعتراف»، تحكي خديجة الشاوي كيف تزوجت «لاسبيران» (المرشح لرتبة ضابط) محمد الرايس، وعمرها 12 سنة، وكيف تركها عرضة للتشرد رفقة ستة أطفال، هم إرثها منه عندما اعتقل على ذمة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني سنة 1971. وكيف طرقت باب للا عبلة، والدة الحسن الثاني، وما عانته لمقابلة الأمير مولاي عبد الله، وصولا إلى لقائها بالحسن الثاني الذي استجاب لطلبها، ليس بالإفراج عن زوجها، وإنما بتخفيف الحكم الصادر في حقه من الإعدام إلى السجن المؤبد، قبل أن تفاجأ ذات صباح باختفاء زوجها من سجن القنيطرة إلى مصير مجهول، ثم كيف جن جنونها وهي تقرأ رسالة خرجت من جحيم تازمامارت، يقول فيها الرايس: «أنا في سجن هو أقرب إلى القبر»، لتبدأ معركة التعريف بقضية معتقلي تازمامارت والنضال من أجل الإفراج عنهم، إلى أن أخلي سبيل زوجها محمد الرايس الذي اقتيد من تازمامارت إلى سجن القنيطرة حيث قضى سنة إضافية، قبل أن يتدخل السوسيولوجي الفرنسي الشهير، جاك بيرك، لدى الحسن الثاني للإفراج عنه، لتجد الشاوي أمامها شخصا بملامح وطباع غريبة مقارنة بذلك الزوج الذي فارقها لمدة عشرين سنة.
- إلى أي وجهة اقتيد الرايس والموقوفون معه على ذمة محاولة انقلاب 1971، بعد اعتقالهم في سجن عين قادوس؟
بعد أن تم تعذيب الرايس ومن معه لحظة توقيفهم في عين قادوس، تم اقتيادهم إلى مخافر الشرطة، مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين، وظلوا هناك لمدة ثلاثة أيام دون أكل ولا شرب، بل دون السماح لهم حتى بدخول المرحاض. بعد مضي الأيام الثلاثة بعث الجنرال أوفقير من يأتيه بالرايس، ولما أدخل عليه الأخير مقيدا ومعصوب العينين صرخ أوفقير في وجه البوليس طالبا فك وثاق يديه ونزع العصابة عن عينيه. ونظرا إلى طول المدة التي ظل فيها الرايس مكبلا، حكى لي كيف أنه لم يقو، في البداية، على أن يعيد يديه إلى الأمام بعدما فكوا قيده، أما عيناه فكانتا مقفلتين بفعل العمش، بحيث لم يستطع فتحهما كاملتين. بعدها، أمر أوفقير عناصر الشرطة بمغادرة مكتبه، ثم سأل الرايس عما إن كان يرغب في شيء ما، فطلب منه زوجي أن يمده ببعض الماء، فريقُه كان قد جف من الظمأ، مما جعله يعب الماء بلا تنفس حين تمت مناولته القنينة، ثم طلب منه أوفقير أن يحكي له ما تعرض له، هو ورفاقه، من تعذيب في سجن عين قادوس وفي مخفر الشرطة، فحكى له الرايس كيف بقوا لثلاثة أيام مقيدين محرومين من الأكل والشرب ومن الذهاب إلى المرحاض. وعندما سمع أوفقير ذلك اتصل بجهة ما في البوليس وأمر بفكِّ قيود المعتقلين ومدِّهم بالماء والطعام والتعاملِ معهم بطريقة لائقة. وبعدما انتهت مقابلته مع الجنرال أوفقير، أعيد الرايس إلى معقله، دون قيود. وبمجرد وصوله، اتصلت إدارة الشرطة بمطعم «جور إي نوي» بالرباط وطلبوا أكلا جيدا للمعتقلين، ومن يومها أصبحوا يعامَلون معاملة لائقة إلى أن تم نقلهم إلى السجن العسكري بالقنيطرة حيث قضوا ما يزيد على سنة، كانوا خلالها يحضرون جلسات المحكمة ثم يعودون إلى السجن بشكل عادي.
- هل كان مسموحا لك خلال تلك السنة بزيارة زوجك محمد الرايس؟
لم يكن مسموحا للعائلات برؤية ذويهم المعتقلين، وأنا كنت أبعث إلى الرايس بالأكل، وأحيانا ببعض الملابس الداخلية، بشكل سري مع أحد الحراس الذي كنت أدفع له مالا مقابل هذه الخدمات.
- بعد اعتقال الرايس بأيام، أصيب ابنك رشيد بمرض غريب.. ما الذي حدث له
بالضبط؟
بعد اعتقال الرايس، بقيت رفقة أبنائي الستة في منزل والدته، حماتي، نقتات من معاشها الذي لم يكن يتجاوز 120 درهما شهريا. في تلك الظروف، أصيب رشيد بمرض غريب فعلا، ما زالت آثاره بادية عليه إلى اليوم، حيث أصبح فجأة مشلولا، أصم وأبكم. كان عمر رشيد، عندما اعتقل والده، ثلاث سنوات، وكان أكثر أبنائنا ارتباطا بأبيه، فلم يكن ينام إلا فوق صدره؛ والرايس بدوره كان متعلقا برشيد أكثر من باقي الأبناء، فكان يطعمه بنفسه ويلعب معه ويصطحبه معه إلى خارج المنزل وهو صبي.. وعندما لم يعد رشيد يرى والده، بعد اعتقاله، أصيب بصدمة وتوقف عن الكلام وفقد السمع والحركة، وبقي على هذه الحال مدة سبع سنوات، لم يكن يطيق خلالها أن تقترب منه أي أنثى، بما في ذلك أنا وجدته وأخواته. وعلى العكس من ذلك، كان رشيد كلما رأى رجلا إلا وقفز نحوه معانقا إياه، ظنا منه أنه والده، وحتى عندما ألحقته بالمدرسة ظل يرفض بشكل قاطع أن تدرسه امرأة.. لقد بقي رشيد لمدة سبع سنوات أصم، أبكم، كسيحا يزحف على بطنه، وقد عرضته على أكبر الأخصائيين النفسيين والعصبيين في الرباط، فكانوا كلهم يؤكدون أن حالته نفسية وناتجة عن صدمة قوية، وأنه بحاجة إلى قدرة إلهية لتخلصه مما هو عليه، كما نصحوني بأن أسجله في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة حتى يلقى رعاية من أخصائيين في الترويض، فذهبت إلى المصالح التعاضدية العسكرية Mutuelle militaire، وأخبرتهم بحالة ابني رشيد وذكرتهم بأنه ابن محمد الرايس الذي عمل في الجيش مدة 17 سنة، وأن عليهم التكفل بمصاريف تطبيب ودراسة الابن المعاق، لأن مدرسة ذوي الاحتياجات الخاصة كانت تكلف حينها مبلغ 500 درهم شهريا، ناهيك عن مصاريف التنقل، بينما كنت أنا عاطلة عن العمل وفي عهدتي ستة أبناء، كما أن أم الرايس كانت امرأة متقدمة في السن ولم يكن لها من عائد غير معاش زوجها الهزيل والذي لم يكن يتجاوز 120 درهما في الشهر، بالإضافة إلى أنها قامت بتأجير الطابق السفلي من منزلها مقابل 100 درهم للشهر كي تحصل على مدخول إضافي لنا. المهم أنني عندما أخبرت الموظف المسؤول في التعاضدية العسكرية عن حالة ابني وطلبت المساعدة صرخ في وجهي: زوجك تآمر ضد الملك، فكيف تتجرئين على طلب المساعدة من الدولة، ثم هددني بأن يطلب لي البوليس إذا عدت مرة أخرى إلى مكتبه.. ثارت ثائرتي وبادلت الموظف صراخا بصراخ وأنا أقول له إنني جئت أحدثه عن طفل بريء يحتاج إلى الرعاية الاجتماعية ولم أتحدث عن زوجي، لكن دون نتيجة.
- من أين أصبحت تتدبرين مصاريفك أنت وأبنائك، بالإضافة إلى «قفة» زوجك المعتقل؟
كما قلت لك، حماتي كانت تتلقى معاشا، عن زوجها الذي كان محاربا في صفوف الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، لا يتجاوز 120 درهما في الشهر. وأمام ذلك الوضع، استعطفت خالي الذي كان يشتغل في وزارة المالية أن يبحث لي عن عمل؛ وقد حاول بالفعل تشغيلي في أحد المستشفيات بمدينة الرباط، لكنه فشل في ذلك في نهاية المطاف. وبينما كنت أحاول جاهدة التوفيق بين تربية الأبناء الستة -الذين كانت ابنتي البالغة من العمر ست سنوات هي أكبرهم، بينما كان أصغرهم التوأمان اللذان كان يبلغ سنهما بالكاد سنة ونصفا- وبين البحث عن عمل، وإلى جانب هذا وذاك كنت أحاول توكيل محام للدفاع عن زوجي. في هذه الأثناء، تعرفت على رجل، هو نعم الرجل، ولن أنسى جميله ما حييت، أقصد المحامي المناضل الأستاذ عبد الرحمان بنعمرو الذي أصبح محامي زوجي الرايس وأخذ على عاتقه منحي مبلغا شهريا كإعانة لي على تربية أبنائي.


الشاوي: عبد الرحيم بوعبيد شغّلني في عيادة الهادي مسواك

 الشاوي: عبد الرحيم بوعبيد شغّلني في عيادة الهادي مسواك

قالت إن الدرك سرقوا حليها الذهبية وراتب زوجها من الفيلا التي كانا يسكنانها قبل الاعتقال
نشر في المساء يوم 16 - 01 - 2013

هل كانت معاناة معتقلي سجن تازمامارت، الأكثر فظاعة في تاريخ المغرب الحديث، أقسى وأبشع من معاناة أبنائهم وزوجاتهم الذين عاشوا الجوع والتشرد والخوف؟ من خلال
«كرسي الاعتراف» مع خديجة الشاوي، زوجة محمد الرايس، أحد أشهر معتقلي سجن تازمامارت، يختل الجواب بنعم. في «كرسي الاعتراف»، تحكي خديجة الشاوي كيف تزوجت «لاسبيران» (المرشح لرتبة ضابط) محمد الرايس، وعمرها 12 سنة، وكيف تركها عرضة للتشرد رفقة ستة أطفال، هم إرثها منه عندما اعتقل على ذمة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني سنة 1971. وكيف طرقت باب للا عبلة، والدة الحسن الثاني، وما عانته لمقابلة الأمير مولاي عبد الله، وصولا إلى لقائها بالحسن الثاني الذي استجاب لطلبها، ليس بالإفراج عن زوجها، وإنما بتخفيف الحكم الصادر في حقه من الإعدام إلى السجن المؤبد، قبل أن تفاجأ ذات صباح باختفاء زوجها من سجن القنيطرة إلى مصير مجهول، ثم كيف جن جنونها وهي تقرأ رسالة خرجت من جحيم تازمامارت، يقول فيها الرايس: «أنا في سجن هو أقرب إلى القبر»، لتبدأ معركة التعريف بقضية معتقلي تازمامارت والنضال من أجل الإفراج عنهم، إلى أن أخلي سبيل زوجها محمد الرايس الذي اقتيد من تازمامارت إلى سجن القنيطرة حيث قضى سنة إضافية، قبل أن يتدخل السوسيولوجي الفرنسي الشهير، جاك بيرك، لدى الحسن الثاني للإفراج عنه، لتجد الشاوي أمامها شخصا بملامح وطباع غريبة مقارنة بذلك الزوج الذي فارقها لمدة عشرين سنة.
- هل سلمتك إدارة مدرسة أهرمومو الأغراض التي كانت داخل الفيلا حيث كنت تسكنين رفقة زوجك الرايس وأبنائكما قبل محاولة انقلاب الصخيرات في 1971؟
كل أثاثنا وأغراضنا بقيت داخل الفيلا، فقد منعت من دخولها بعد اعتقال الرايس. ولأنني كنت في بيت حماتي، لحظة وقوع محاولة الانقلاب، فقد استمررت في العيش معها إلى حين وفاتها في أكتوبر 1989، بعدما صارت مقعدة وظلت على تلك الحال لمدة 10 سنوات. بعد عامين من اعتقال الرايس، جاءني رجال الدرك بأغراضي التي بقيت داخل الفيلا، لكن بعدما وضعوا اليد على أهم الأشياء التي بقيت داخلها مثل مبلغ مالي، هو آخر راتب قبضه الرايس، بالإضافة إلى بعض الحلي الذهبية، وبعض ملابس الرايس وكتبه.
- لماذا أصررت على العيش رفقة حماتك ولم تختاري العيش رفقة والديك؟
والدي كان لا يزال على قيد الحياة لكني تربيت بعيدا عنه، لذلك لم أفكر في الذهاب للعيش معه بعد اعتقال زوجي، فقد ربتني خالتي يزة التي كنت أناديها أمي، وخالتي هاته هي التي قامت بتربية أمي وتزويجها، ثم تكفلت بتربيتي بدوري حتى زوجتني من الرايس، وقد عرضت عليها أن أنتقل للسكن عندها بعدما حصلتُ على عمل في عيادة الدكتور الهادي مسواك، على أساس أن أسلمها راتبي كاملا، لكنها رفضت رغم أنها كانت تملك منزلا من ثلاثة طوابق.
- بعد الحكم على زوجك محمد الرايس بالإعدام، التقيت بالزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد؛ ماذا كان موضوع اللقاء؟
أخذني خالي الحسين، الذي كان يشتغل في إدارة المالية، إلى مكتب عبد الرحيم بوعبيد بالفعل، وقد حملت معي صور أطفالي الستة مرفقة برسالة أسرد فيها ما نعيشه من ظروف قاسية. تأمل بوعبيد ما قدمته إليه من وثائق، وطلب مني أن أعود إليه بعد يومين؛ وذلك ما كان. وعندما مثلت أمامه وفق الاتفاق الذي جرى بيننا، حمل سماعة الهاتف واتصل بالدكتور الهادي مسواك، رحمه الله، (والذي كان قياديا في الحزب الشيوعي المغربي)، ثم حكى له قصتي، وطلب منه في حضوري أن يبذل المستحيل ليجد لي عملا. وعندما استقبلني الدكتور مسواك في عيادته، سألني قليلا عن أبنائي وعن وضعيتنا الاجتماعية، ثم وعدني بأن يبذل ما في وسعه ليجد لي عملا كممرضة في مستشفى ابن سيناء «السويسي»، قبل أن يعرض علي أن أشتغل معه في العيادة في انتظار أن يتأتى له ذلك. وقد بدأت العمل معه في الحال، حيث خلعت جلبابي واستبدلته بالبزة
البيضاء.
- ما المهام التي أوكلها إليك الدكتور مسواك؟
بما أنني لم أكن أعرف شيئا في التمريض، فقد تكلفت بتنظيف العيادة واستقبال المرضى وتسجيل المواعيد، وكان الدكتور مسواك يسمح لي بالتأخر في الحضور إلى العمل، فلم أكن آتي إلى العيادة إلا في حدود الساعة ال11 صباحا. وعندما كنت أدخل، كان رحمه الله يسألني عما إن كنت قد وفرت لأبنائي أكلهم وشربهم وكل ما يلزمهم قبل المجيء للعمل، كما كان يسمح لي بالمغادرة على الساعة الثانية زوالا، لاستقدام الأطفال من المدرسة، وكان يدفع لي أجرا جيدا، يتجاوز قيمة ما كنت أقوم به من عمل. وعندما كنت قد التحقت بعيادة الدكتور مسواك، وجدت هناك فتاة تشتغل مساعدة له، ويبدو أن تلك الفتاة بدأت في وقت من الأوقات تشعر بالغيرة من المعاملة الطيبة التي كنت ألقاها من مسواك وزوجته التي كانت تعمل بدورها في العيادة؛ وقد حاولت هذه الفتاة مرارا أن تخلق لي مشاكل مع مسواك، من قبيل إخباره بأني لا أقوم بعملي وأني أقضي الوقت في تصفح المجلات، لكنه لم يكن يأبه لدسائسها، إلى أن ضبطها ذات مرة وهي تستلم رشوة من زبون لم يكن قد حجز موعدا للزيارة، لتجعله يقابل الطبيب قبل الآخرين؛ ولأن مسواك كان شيوعيا، فقد كان صارما في ما يتعلق بالمواعيد وبمعاملة مرضاه بنفس الطريقة، بالرغم من أنه كان من بينهم وزراء ومسؤولون كبار، وأذكر أن والدته أرسلت إليه مرارا بعض أقاربها فكان يرفض استقبالهم بدون موعد، وقد كنت شاهدة على اشتراطه على العديد من المسؤولين الكبار والوزراء الذين كانوا يتصلون به حجزَ موعدٍ قبل أن يقصدوا عيادته. المهم أنه في ذلك اليوم الذي ضبط فيه الدكتور مسواك مساعدته متلبسة بالارتشاء، دخل إلى العيادة واطلع على لائحة المواعيد، وعندما استقبل المريض إياه، أدرك أن اسمه لم يكن موجودا على اللائحة، ولما سأله عما إن كان لديه موعد أجابه بأن مساعدة شقراء أعطته موعدا، وقد كنت أنا والممرضة الأخرى شقراوان، فنادى الدكتور على الفتاة وسألها فأنكرت، ثم نادى عليّ أنا، وقد كان يناديني «مادام» لأنه كان يحترمني جدا، فنفيت طبعا؛ حينها نادى علينا معا وعرضنا على المريض الذي أشار إلى المساعدة الأخرى، فترك مسواك المريض جانبا واختلى بمساعدته وطلب منها دون إطالة في الحديث أن تخلع بزتها وتترك مفاتيح العيادة ثم تعود في اليوم التالي لكي «تاخذ حسابها». لاحقا، عرفت أن تلك المساعدة كانت تكيد لي وأن مسواك وزوجته كانا يتحريان في الأمر وكشفا إثر ذلك وجهها الحقيقي، ومنه أنها كانت تدخن وتترك الرماد وأعقاب السجائر في قاعة الانتظار، ثم تذهب لتشتكي من أنني لا أنظف القاعة جيدا. وبعد انصراف المساعدة، اقترح علي الدكتور مسواك أن أزاوج بين مهامي السابقة والمهام التي كانت تقوم بها، فصرت أحصل على راتب شهري جيد جدا، كما كان الدكتور مسواك وزوجته يحسنان معاملتي.


الشاوي: هكذا ارتميت على سيارة الأمير مولاي عبد الله

 الشاوي: هكذا ارتميت على سيارة الأمير مولاي عبد الله

قالت إن الهادي مسواك كان يمنح نقودا لحارس تازمامارت الذي كان يزورها في عيادته
نشر في المساء يوم 18 - 01 - 2013

هل كانت معاناة معتقلي سجن تازمامارت، الأكثر فظاعة في تاريخ المغرب الحديث، أقسى وأبشع من معاناة أبنائهم وزوجاتهم الذين عاشوا الجوع والتشرد والخوف؟ من
خلال «كرسي الاعتراف» مع خديجة الشاوي، زوجة محمد الرايس، أحد أشهر معتقلي سجن تازمامارت، يختل الجواب بنعم. في «كرسي الاعتراف»، تحكي خديجة الشاوي كيف تزوجت «لاسبيران» (المرشح لرتبة ضابط) محمد الرايس، وعمرها 12 سنة، وكيف تركها عرضة للتشرد رفقة ستة أطفال، هم إرثها منه عندما اعتقل على ذمة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني سنة 1971. وكيف طرقت باب للا عبلة، والدة الحسن الثاني، وما عانته لمقابلة الأمير مولاي عبد الله، وصولا إلى لقائها بالحسن الثاني الذي استجاب لطلبها، ليس بالإفراج عن زوجها، وإنما بتخفيف الحكم الصادر في حقه من الإعدام إلى السجن المؤبد، قبل أن تفاجأ ذات صباح باختفاء زوجها من سجن القنيطرة إلى مصير مجهول، ثم كيف جن جنونها وهي تقرأ رسالة خرجت من جحيم تازمامارت، يقول فيها الرايس: «أنا في سجن هو أقرب إلى القبر»، لتبدأ معركة التعريف بقضية معتقلي تازمامارت والنضال من أجل الإفراج عنهم، إلى أن أخلي سبيل زوجها محمد الرايس الذي اقتيد من تازمامارت إلى سجن القنيطرة حيث قضى سنة إضافية، قبل أن يتدخل السوسيولوجي الفرنسي الشهير، جاك بيرك، لدى الحسن الثاني للإفراج عنه، لتجد الشاوي أمامها شخصا بملامح وطباع غريبة مقارنة بذلك الزوج الذي فارقها لمدة عشرين سنة.
- بعد الحكم على زوجك الرايس بالإعدام، توسط لك القيادي الاتحادي الراحل عبد الرحيم بوعبيد لدى الهادي مسواك، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي المغربي، ليشغلك في عيادته؛ كم سنة بقيت مع الدكتور مسواك؟
اشتغلت في عيادة الدكتور مسواك مدة سبع سنوات، من 1972 إلى أن توفي في 1979. وقد قام الدكتور مسواك، رحمه الله، بتسجيل أبنائي في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، كما كان يمنحني مكافآت في كل المناسبات؛ وفي عيد الأضحى كان يشتري لي الأضحية، وخلال الدخول المدرسي كان يكفيني مصاريف كتب الأبناء وأدواتهم المدرسية، بل حتى أعياد ميلاد أبنائي كان مسواك يصر على إحيائها وسط أطفالي، فكان يشتري للمحتفى به من أبنائي الهدايا، بينما تتكلف زوجته بتحضير الحلوى. لقد كان الدكتور مسواك رجلا نبيلا وشهما وعلى قدر لا يمكن وصفه من الكرم والنبل، بل حتى أحد حراس تازمامارت الذي أصبح يجلب إلي رسائل من زوجي من داخل ذلك المعتقل الرهيب إلى العيادة، كان الدكتور مسواك يعطيني مبالغ مالية لأنفحه ببعضها وأبعث ببعضها الآخر ما يحتاج إليه زوجي من أغراض ومتطلبات. لقد عشت أنا وأولادي، حقيقة، بفضل الدكتور مسواك وزوجته، وبفضل المناضلين الذين وقفوا إلى جانبنا في عز المحنة، مثل الأستاذ عبد الرحمان بنعمرو الذي بذل أكثر من جهده لمساعدة الرايس وتخفيف الحكم عنه، ولا تزال علاقتي به قائمة إلى يومنا هذا. وأذكر أن بنعمرو زارنا في البيت يوم خرج الرايس من السجن رغم الرقابة المشددة، كما زارني لتقديم العزاء وليقف إلى جانبنا ويجدد دعمه لنا يوم وفاة الرايس. الحقيقة أن عبد الرحمان بنعمرو رجل حديدي من زمن الفرسان، والرجال من طينته لم يعد لهم وجود.
- هل عدت إلى زيارة عبد الرحيم بوعبيد بعدما اشتغلت في عيادة الدكتور الهادي مسواك؟
لا، لأنه كان يتعرض بسبب زيارتي له لمضايقات كثيرة. وبما أنني كنت مراقبة من طرف البوليس، فلم أشأ أن أزيده من متاعبي، لكنني أحتفظ لعبد الرحيم بوعبيد بكل التقدير والاحترام، فقد كان مناضلا كبيرا.
- كيف كنت مراقبة؟
منذ اعتقال زوجي وإلى حين خروجه كانت عيون البوليس والاستخبارات تلاحقني أينما حللت وارتحلت، بل إنهم لم يكونوا يتورعون عن اقتحام بيتي بمناسبة وبدونها.
- كيف أصبحت علاقتك بحماتك، أم الرايس، بعد خروجك للعمل؟
حماتي، رحمها الله، كانت امرأة حادة الطباع؛ فحين كنت، مثلا، أخاصم أحد أبنائي في مسائل متعلقة بالدراسة، كانت تصرخ في وجهي بل وتضربني أحيانا، كما كانت في بعض الأحيان تخبر الأطفال، زورا وبهتانا، بأنني لا أحبهم وبأنني ندمت على إنجابهم. وللحظات، كنت أفكر أن أرحل بعيدا وأستقل بنفسي وأبنائي عن حماتي. وقد استشرت أخوالي، وكانوا جميعهم ميسورين، في أمر السكن معهم أو الاستقلال بنفسي وأبنائي في سكن خاص بنا، لكنهم قالوا لي إنه من غير المقبول في عائلتنا أن تستقل امرأة لا زوج لها بنفسها في سكن خاص، كما اشترطوا علي لكي أسكن معهم أن أترك أبنائي مع جدتهم. وأمام هذا الوضع، فضلت المكوث في بيت أمّ زوجي.
- بعد الحكم على زوجك محمد الرايس بالإعدام، خضت تحديَ الوصولِ إلى الملك الحسن الثاني من أجل تخفيف الحكم عنه؛ ما الذي قمت به تحديدا؟
بعدما أكدت محكمة الاستئناف حكم الإعدام في حق الرايس، وأكدت محكمة النقض والإبرام الحكم نفسه، لم يبق أمامي لإنقاذ الرايس من موت محقق غير اللجوء إلى الملك من أجل إصدار عفو عنه. وهكذا فكرت بداية في طرق باب الأمير مولاي عبد الله ليتدخل لدى أخيه الحسن الثاني ويشرح له ظروف عائلتنا، ويخبره بأن الرايس كان بدوره ضحية لمن خططوا لمحاولة الانقلاب عليه.
- من الذي نصحك بطرق باب مولاي عبد الله؟
لا أحد، فكرت وحدي في أن الوصول إلى مولاي عبد الله قد يكون أسهل علي من الوصول إلى الملك، كما أنه سيكون الأقدر على إقناع الملك بفعل شيء ما في هذا الملف. سألت بعض الناس عن مكان إقامته، فأخبروني بأنه يقطن بالقرب من ملعب الفتح في الرباط؛ وهكذا أصبحت، كل يوم بعد انتهائي من العمل في عيادة الدكتور مسواك، أقصد باب قصر مولاي عبد الله لترصده؛ وذات مرة انتبه إلي عسكري ممن يحرسون القصر، وسألني عن مرادي فأخبرته بقصتي كاملة، فأشار علي أن أذهب إلى ملعب الفتح لأن الأمير يقصده يوميا لإجراء تمارين رياضية، وهو ما لم أتردد في القيام به. وعندما رأيت الحرس يتأهبون لدى خروج مولاي عبد الله، انفلتت من بينهم وارتميت أمام سيارته، وعندما حاول الحراس إبعادي رفع الأمير يده طالبا منهم أن يتركوني، ثم سألني عما أريده، فناولته رسالة أحكي فيها قصتي، ومعها صورة لزوجي.. ألقى نظرة عليهما ثم طلب مني الاحتفاظ بهما، وضرب لي موعدا، يوم الغد، لزيارته في مقر كتابته الذي يوجد غير بعيد عن ملعب الفتح، لكنني قلت له إن الحرس لن يسمحوا لي بزيارته، فأمرهم في حضوري بتنفيذ ما وعدني به، ثم انصرف. وفي الغد، أخذت الرسالة وحملت ابني التوأم، وكان عمره آنئذ حوالي سنتين، وقصدت مكتب الأمير.


الشاوي: أنا أول من تعرف على تازمامارت

 الشاوي: أنا أول من تعرف على تازمامارت

قالت إنها استقبلت حارس تازمامارت في عيادة مسواك وسلمها رسالة من الرايس مكتوبة بالرماد
نشر في المساء يوم 23 - 01 - 2013

هل كانت معاناة معتقلي سجن تازمامارت، الأكثر فظاعة في تاريخ المغرب الحديث، أقسى وأبشع من معاناة أبنائهم وزوجاتهم الذين عاشوا الجوع والتشرد والخوف؟
من خلال «كرسي الاعتراف» مع خديجة الشاوي، زوجة محمد الرايس، أحد أشهر معتقلي سجن تازمامارت، يختل الجواب بنعم. في «كرسي الاعتراف»، تحكي خديجة الشاوي كيف تزوجت «لاسبيران» (المرشح لرتبة ضابط) محمد الرايس، وعمرها 12 سنة، وكيف تركها عرضة للتشرد رفقة ستة أطفال، هم إرثها منه عندما اعتقل على ذمة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني سنة 1971. وكيف طرقت باب للا عبلة، والدة الحسن الثاني، وما عانته لمقابلة الأمير مولاي عبد الله، وصولا إلى لقائها بالحسن الثاني الذي استجاب لطلبها، ليس بالإفراج عن زوجها، وإنما بتخفيف الحكم الصادر في حقه من الإعدام إلى السجن المؤبد، قبل أن تفاجأ ذات صباح باختفاء زوجها من سجن القنيطرة إلى مصير مجهول، ثم كيف جن جنونها وهي تقرأ رسالة خرجت من جحيم تازمامارت، يقول فيها الرايس: «أنا في سجن هو أقرب إلى القبر»، لتبدأ معركة التعريف بقضية معتقلي تازمامارت والنضال من أجل الإفراج عنهم، إلى أن أخلي سبيل زوجها محمد الرايس الذي اقتيد من تازمامارت إلى سجن القنيطرة حيث قضى سنة إضافية، قبل أن يتدخل السوسيولوجي الفرنسي الشهير، جاك بيرك، لدى الحسن الثاني للإفراج عنه، لتجد الشاوي أمامها شخصا بملامح وطباع غريبة مقارنة بذلك الزوج الذي فارقها لمدة عشرين سنة.
- متى توجهت إلى المنظمات الحقوقية، للمطالبة بكشف مصير زوجك ومن معه، وما هي أول منظمة تعاملت معك؟
قصدت في بادئ الأمر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وكان أول من استقبلني هو رئيسها الراحل محمد الحيحي، رحمه الله، وقد كان يزورني في المستشفى المتخصص حيث أصبحت أشتغل بعد وفاة الدكتور الهادي مسواك سنة 1979 وإقفال عيادته. وكان خالي، الذي كان رئيسا لقسم الموظفين في وزارة المالية، قد عمل على إلحاقي بوزارة الصحة حيث عملت كاتبة إلى حدود بداية الثمانينيات، وعندما اشتريت شقة في العمارات المجاورة للمركب الرياضي مولاي عبد الله، أصبح عملي في الوزارة بعيدا جدا عن محل سكناي، فطلبت نقلي إلى المستشفى المتخصص، الذي كان أقرب نسبيا إلى منزلي. وهناك كان الراحل الحيحي يزورني ويستمع إلي ويشتغل حقوقيا على ملف زوجي ومن معه من معتقلي تازمامارت.
- متى تلقيت أول رسالة خرجت من عند زوجك الرايس من تازمامارت؟
كان ذلك سنة 1975، وكنت حينها لا أزال أعمل في عيادة الدكتور الهادي مسواك؛ فذات صباح وجدت أمامي شخصا، حسبته في البداية مريضا قبل أن يطلب الحديث إلي على انفراد، مشددا على أن زيارته تلك تخصني أنا شخصيا. تجنبنا مكتب الاستقبال بخطوات لأفاجأ به يهمس إلي قائلا: أنا مبعوث من طرف زوجك. كان الرايس قد أعطى الحارس وصفي، وأوصاه بأن يطلعني على أخباره. وقد وعد الرايس حارسَ تازمامارت بأنه سيحصل على مكافأة مني، وذلك ما حصل. لقد كان هذا الحارس يواجه مشكلة في صرف تعويضاته العائلية، وهو ما استغله الرايس، حيث أخبره بأن خالي مسؤول في وزارة المالية وأن بإمكانه أن يحل مشكلته تلك، لذلك تحمس الحارس وجازف بقبول لقائي.
- ما الذي أحسست به عندما أخبرك الزائر بأنه قادم من طرف زوجك؟
عندما طرق الرجل باب العيادة، استقبلته ظنا مني أنه مريض ثم بادرته بأن عليه حجز موعد، لكنه خاطبني: أريد قليلا من وقتك لغرض خاص بيني وبينك. وهكذا حين أبدى رغبته في التحدث إلي في أمر يهمني، أدخلته إلى صالة الاستقبال، فأخبرني بأنه قادم من طرف زوجي، وأنه يحمل إلي رسالة منه.. عندما سمعت ذلك انتابتني رعشة واختلطت علي الأمور. أدخلت الرجل بسرعة إلى قاعة العلاجات، وذهبت رأسا إلى مكتب الدكتور مسواك، وأخبرته بالأمر، فبقي مشدوها ثم أمرني بأن أوقف الزيارات.. رافقني إلى قاعة العلاجات حيث كان الرجل ينتظر. وقد ذهل الحارس عند رؤيته الدكتور مسواك معي، لكن الأخير طمأنه وسأله عما يحمله من أخبار، فأخرج الرجل قطعة ورق صغيرة لا يتجاوز حجمها 5 على 7 سنتيمترات، كتب عليها برماد شمعة «الحموم»، باللغة الفرنسية: «أنا الرايس، زوجك، أنا في تازمامارت التي تبعد حوالي 15 كلم عن الراشدية، وأطلب منك أن تساعدي هذا الرجل في حل مشكلته وأن تعطيه بعض المال مكافأة له وأن ترسلي إلي معه بعض المال أيضا».
- ما الذي قمت به بعد قراءة الورقة الخارجة من تازمامارت؟
ضممت قطعة الورق إلى صدري وأجهشت بالبكاء. أجلسني الهادي مسواك وأخذ يواسيني. وللحظة خرجت من لحظة الذهول والبكاء، وسألت الرجل: كيف يمكنني رؤية زوجي، لكنه أجاب بصوت قاطع: الأمر مستحيل؛ مضيفا أنه إذا علم أحد من مسؤوليه بزيارته لي فمن المحتمل أن يقتلوه، وقد ترجاني بحزم أن أكتم خبر زيارته لي.
- هل كنت أنت أول من علم بأن المعتقلين على ذمة محاولتي انقلاب 1971 و1972، يوجدون في معتقل اسمه تازمامارت؟
نعم أنا كنت أول من علم بوجود معتقل تازمامارت.
- كيف تأكدت من أن الحارس قادم من طرف زوجك وأن الورقة التي سلمك إياها كتبها الرايس بالفعل؟
تيقنت أنها فعلا من عند زوجي من خلال خطه، ومن توقيعه، ومن الملحوظة التي كتبها في الأخير: «Passe le bonjour à la princesse de l'inde» (بلغي سلامي إلى أميرة الهند)، وكان يقصد بذلك ابنتنا إلهام، لأنها بشرتها كانت سمراء، وكان الرايس يناديها تارة أميرة الهند وتارة «نكريتا» تصغيرا ل«نيكرا»، أي المرأة السمراء بالإسبانية.
- قبل أن تتلقي هذه الرسالة، ما الذي كنت تظنينه بشأن مصير زوجك ورفاقه؟
بالرغم من كل ما كنت أقوم به من محاولات في سبيل معرفة مصير الرايس ومكان وجوده، إن كان حيا، فقد كنت أفقد الأمل يوما بعد يوم في أنه لا يزال على قيد الحياة، وشيئا فشيئا أصبحت أتعايش مع فكرة أن زوجي قد مات، لأن أحدا لم يكن يملك خبرا عنه أو عمن كانوا معه.
- كيف تصرفت مع حارس تازمامارت بعد تسلمك الرسالة؟
أعطاه الدكتور الهادي مسواك 1000 درهم، فيما أذكر، واشترى له «كرتوشتيْ» سجائر، فيما طلبت منه أن ينتظرني ريثما أشتري بعض الملابس الداخلية والفواكه الجافة ليأخذها إلى زوجي، فقال إنه لا يمكن أن يحمل أشياء كهذه قد تثير شكوك حراس السجن وإدارته، مضيفا أنه يخضع للتفتيش لدى عودته إلى تازمامارت، أما المال فسيضعه في جيبه ولن يسأله أحد عن مصدره، وحتى إن سألوه فسيقول إنه ماله، والسجائر بوسعه أن يدخلها إلى الرايس بالتقسيط، ووافقت على الأمر لأنني كنت أعرف أن زوجي كان مدخنا شرها، ولولا أن السجن عجل بموته لكان التبغ قد تكفل بذلك.


الشاوي: هكذا عوقب خربوش حارس تازمامارت بعدما زارني

 الشاوي: هكذا عوقب خربوش حارس تازمامارت بعدما زارني

قالت إن الرايس استغل المشاكل الإدارية والمالية لأحد الحراس لكي يبعث به إليها
نشر في المساء يوم 24 - 01 - 2013

هل كانت معاناة معتقلي سجن تازمامارت، الأكثر فظاعة في تاريخ المغرب الحديث، أقسى وأبشع من معاناة أبنائهم وزوجاتهم الذين عاشوا الجوع والتشرد والخوف؟ من خلال
«كرسي الاعتراف» مع خديجة الشاوي، زوجة محمد الرايس، أحد أشهر معتقلي سجن تازمامارت، يختل الجواب بنعم. في «كرسي الاعتراف»، تحكي خديجة الشاوي كيف تزوجت «لاسبيران» (المرشح لرتبة ضابط) محمد الرايس، وعمرها 12 سنة، وكيف تركها عرضة للتشرد رفقة ستة أطفال، هم إرثها منه عندما اعتقل على ذمة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني سنة 1971. وكيف طرقت باب للا عبلة، والدة الحسن الثاني، وما عانته لمقابلة الأمير مولاي عبد الله، وصولا إلى لقائها بالحسن الثاني الذي استجاب لطلبها، ليس بالإفراج عن زوجها، وإنما بتخفيف الحكم الصادر في حقه من الإعدام إلى السجن المؤبد، قبل أن تفاجأ ذات صباح باختفاء زوجها من سجن القنيطرة إلى مصير مجهول، ثم كيف جن جنونها وهي تقرأ رسالة خرجت من جحيم تازمامارت، يقول فيها الرايس: «أنا في سجن هو أقرب إلى القبر»، لتبدأ معركة التعريف بقضية معتقلي تازمامارت والنضال من أجل الإفراج عنهم، إلى أن أخلي سبيل زوجها محمد الرايس الذي اقتيد من تازمامارت إلى سجن القنيطرة حيث قضى سنة إضافية، قبل أن يتدخل السوسيولوجي الفرنسي الشهير، جاك بيرك، لدى الحسن الثاني للإفراج عنه، لتجد الشاوي أمامها شخصا بملامح وطباع غريبة مقارنة بذلك الزوج الذي فارقها لمدة عشرين سنة.
- ماذا كان اسم الحارس الذي خرق قواعد تازمامارت ونقل إليك أول رسالة تخرج من ذلك الجحيم؟
احمد خربوش، وقد حدثني عنه الرايس كثيرا بعد الإفراج عنه. خربوش هذا سيتم اعتقاله في إحدى المرات حين كان عائدا إلى تازمامارت حاملا معه بعض الأدوية إلى المعتقلين، بعدما وشى به بعض زملائه من الحراس، وقد اعتقل مدة 60 يوما ثم أحيل على التقاعد النسبي، عقابا له على عمله الإنساني.
- كان الرايس قد شجع الحارس خربوش على زيارتك، بعدما اطلع على بعض مشاكله مع وزارة المالية، مؤكدا له أن أحد أقاربك لن يتردد في مساعدته إن أنت توسطت لديه لفائدته؛ ما الذي قمت به لصالح حارس تازمامارت هذا؟
الرايس أحسن استغلال مشاكل الحارس خربوش ليبعث به إلي. وعندما زارني في العيادة وسلمني رسالة تازمامارت الأولى، أعطاه مشغلي الدكتور مسواك مبلغا ماليا و»كرتوشتيْ « سجائر، فيما رافقته أنا عند خالي، الإطار بوزارة المالية، ليساعده في حل مشكلة التعويضات، كما وعده بذلك زوجي. ولكي يضاعف خالي مجهوده في مساعدته، أخبرته بأن الرجل مبعوث من طرف الرايس من سجن تازمامارت وأوصيته بكتمان السر. وبالفعل، لم يدخر خالي جهدا في مساعدة الحارس احمد خربوش قبل أن يقفل الأخير عائدا إلى تازمامارت. ومن يومها لم أرَه. أما أنا، فقد سرحني الدكتور مسواك لبقية اليوم، بعدما لاحظ توتر أعصابي من جراء هذه الزيارة الصادمة التي جعلتني أعرف، لأول مرة، مكان وجود زوجي ورفاقه. عدت إلى البيت، ولم يفتر غلياني، فغيرت ملابسي وذهبت مسرعة إلى زوجة حشاد في القنيطرة.. فاجأتها عندما دلفت عليها الصيدلية ووشوشت توا في أذنها: لدي أخبارا عن زوجك. سحبتني من يدي، وأخرجتني من الصيدلية قاصدة بيتها.. كانت تلك أول مرة أدخل فيها منزلها.. وهناك أخبرتها بأن زوجينا في معتقل قريب من الراشيدية اسمه تازمامارت.. بقيتْ مشدوهة للحظات قبل أن تمطرني بسيل من الأسئلة: «ذكريني أين يقع هذا ال«تازمامارت».. كيف عرفت به.. من أخبرك عنه؟ أطلعتها على تفاصيل زيارة حارس تازمامارت لي وعلى الرسالة التي تلقيتها من الرايس. ومن حينها أصبحت عايدة حشاد تواظب على الاتصال بي لتسألني عما إن كانت لدي أخبار جديدة، وأوصتني بأن أتصل بها كلما زارني مبعوث من تازمامارت، حتى تعطيه بعض المال والدواء ليحمله إلى زوجها.
- متى كانت ثاني زيارة لك من قبل مبعوث من تازمامارت؟
بعد الرسالة الأولى التي حملها إلي الحارس احمد خربوش، مضت حوالي أربع سنوات قبل أن تصلني رسالة أخرى من زوجي، لكن هذه المرة من خلال عايدة، زوجة صلاح حشاد، إذ تلقيت مكالمة هاتفية منها، طلبت مني فيها أن أحضر على عجل إلى بيتها. وعندما حللت بمنزلها سلمتني رسالة من زوجي، وقالت إن حارسا من تازمامارت سلمها رسالتين، واحدة من زوجها وأخرى من الرايس إلي، كما حمل الحارس إياه رسالتين أخريين من كل من عبد اللطيف بلكبير ومحمد غلول، سلمناهما إلى عمة الأول وزوجة أخ الثاني، في مدينة القنيطرة. كانت الرسالة الثانية التي بعث بها الرايس إلي أطول من الأولى، وقد أخبرني فيها بأنه مريض وفي حاجة إلى بعض الأدوية، كما حدثني فيها عن الذين لقوا حتفهم والذين أقعدهم المرض، والذين لا يزالون صامدين. ولم تكن رسالة تازمامارت التي وصلتني عن طريق عايدة حشاد، والتي كانت هذه المرة مكتوبة بقلم جاف، هي الثانية من نوعها، بل إن الرايس، كما سوف يخبرني بذلك بعد خروجه من تازمامارت، بعث إلي قبلها برسائل كانت تضيع في الطريق أو لا يحملها إلي أهالي المعتقلين الذي كانت تصلهم عبر حراس تازمامارت. ثم بعد هذه الرسالة بمدة طويلة، سوف أتوصل بأخرى أمدتني بها والدة المعتقل عبد الله عكاو. وكنت كلما توصلت برسالة من تازمامارت إلا وطبعت منها نسخة وحملتها إلى الأستاذ عبد الرحمان بنعمرو.
- هل تمكنت من بعث الأدوية التي طلبها منك الرايس في الرسالة التي وصلتك عبر عايدة، زوجة الطيار صلاح حشاد؟
عندما قلت لعايدة إنني أريد أن أبعث إلى الرايس بأدوية طلبها مني، ردت بأن المبعوث غادر بمجرد ما سلمها الرسائل. وقد رفضت أن تتركني أقابل حارس تازمامارت بناء على طلبه، كما قالت، لكنها وعدتني بأن تتصل بي إذا ما عاد لرؤيتها مجددا.
عدت إلى عملي في عيادة الدكتور مسواك، وبعد مدة قصيرة زارني أخ المعتقل عبد السلام حيفي، الذي كان قبطانا في القوات المساعدة. وكان هذا الشخص يزورني من حين إلى آخر ليسألني عما إن كنت أملك أخبارا عن زوجي وعن شقيقه. وفي تلك الزيارة وجد عندي الخبر اليقين، حيث أشعرته بأن أخاه في سجن تازمامارت، فانتابه حزن شديد لسماع الخبر. وقد أثر في نفسي كثيرا وصرت أتعاطف معه بالرغم من أنه لم يكن يساعدنا في الاتصالات والتحركات التي كنا نقوم بها مع المنظمات الحقوقية للكشف عن مصائر أقربائنا، ثم من أجل إطلاق سراحهم بعدما علمنا بأنهم في معتقلون في تازمامارت، لأن طبيعة عمله في القوات المساعدة لم تكن تسمح له بالتحرك العلني معنا، لكنه كان يأتي بين الحين والآخر ليسأل عن أخيه وعن زوجي وعن باقي المعتقلين. وبعد الرسالة التي توصلت بها عايدة حشاد، أصبحنا نتوصل برسالة كل سنة أو سنتين، كما أن المبعوث كان يودع كل الرسائل في صيدلية عايدة بالقنيطرة، لأن زوجي ومن معه علموا بأنني كنت على اتصال دائم بالمنظمات الحقوقية، وحدسوا أنني سأكون مراقبة من طرف الأجهزة الأمنية، لذلك فضلوا أن يبعثوا مرسوليهم إلى عايدة التي كانت تعطي انطباعا بأنها مجرد صيدلية.


الشاوي: هكذا واجهت إلهام الرايس ممثلَ المغرب في الأمم المتحدة

 الشاوي: هكذا واجهت إلهام الرايس ممثلَ المغرب في الأمم المتحدة

قالت إنه بعد تحركات ابنتها إلهام أعطيت الأوامر بإخراج معتقلي تازمامارت من زنازينهم وإعطائهم ملابس جديدة
نشر في المساء يوم 30 - 01 - 2013

هل كانت معاناة معتقلي سجن تازمامارت، الأكثر فظاعة في تاريخ المغرب الحديث، أقسى وأبشع من معاناة أبنائهم وزوجاتهم الذين عاشوا الجوع والتشرد والخوف؟ من خلال
«كرسي الاعتراف» مع خديجة الشاوي، زوجة محمد الرايس، أحد أشهر معتقلي سجن تازمامارت، يختل الجواب بنعم. في «كرسي الاعتراف»، تحكي خديجة الشاوي كيف تزوجت «لاسبيران» (المرشح لرتبة ضابط) محمد الرايس، وعمرها 12 سنة، وكيف تركها عرضة للتشرد رفقة ستة أطفال، هم إرثها منه عندما اعتقل على ذمة محاولة الانقلاب على الحسن الثاني سنة 1971. وكيف طرقت باب للا عبلة، والدة الحسن الثاني، وما عانته لمقابلة الأمير مولاي عبد الله، وصولا إلى لقائها بالحسن الثاني الذي استجاب لطلبها، ليس بالإفراج عن زوجها، وإنما بتخفيف الحكم الصادر في حقه من الإعدام إلى السجن المؤبد، قبل أن تفاجأ ذات صباح باختفاء زوجها من سجن القنيطرة إلى مصير مجهول، ثم كيف جن جنونها وهي تقرأ رسالة خرجت من جحيم تازمامارت، يقول فيها الرايس: «أنا في سجن هو أقرب إلى القبر»، لتبدأ معركة التعريف بقضية معتقلي تازمامارت والنضال من أجل الإفراج عنهم، إلى أن أخلي سبيل زوجها محمد الرايس الذي اقتيد من تازمامارت إلى سجن القنيطرة حيث قضى سنة إضافية، قبل أن يتدخل السوسيولوجي الفرنسي الشهير، جاك بيرك، لدى الحسن الثاني للإفراج عنه، لتجد الشاوي أمامها شخصا بملامح وطباع غريبة مقارنة بذلك الزوج الذي فارقها لمدة عشرين سنة.
- الحوار الذي أجرته ابنتك إلهام مع إذاعة «فرانس أنتيرن»، وتحدث خلاله عن تازمامارت، سمعه السجناء، ومنهم مبارك الطويل الذي اعتبر أن انتقاد السلطات المغربية سوف يضر بقضيتهم أكثر مما سيخدمها..
لقد طلب مني الرايس، في إحدى رسائله من تازمامارت، أن أبعث إليه ببعض الأدوية وبمذياع صغير؛ فذهبت عند عايدة، زوجة الطيار حشاد، وطلبت منها مدي بأدوية من أجل زوجي، وكانت هي الأخرى قد أعدت بعض الدواء لتبعث به إلى زوجها، ودفعت لها ثمن كل ما أخذته من دواء، وأخذنا تلك الأدوية وقصدنا زوجة شقيق المعتقل محمد غلول، حيث قمت أنا بحياكة أكياس من الثوب وضعنا فيها الأدوية، لأنه لم يكن ممكنا أن يدخل الحارس الأدوية في علبها، ثم كتبنا عليها أسماءها ووضعناها في كيس أكبر بعد أن جمعت ما سأرسله إلى زوجي وكتبت عليه اسمه ورقم الزنزانة 14 حيث يقبع، لكن الحارس الذي بعثه صلاح حشاد، والذي كان ينحدر من نفس المنطقة التي ينحدر منها حشاد، أخذ كل الأدوية إلى هذا الأخير، وبالتالي فإن الرايس لم يستلم الدواء ولا المذياع، حسب ما رواه لي بعد أن غادر السجن، وهكذا توفرت لحشاد كمية كبيرة من الدواء، لكنه لم يكن يوزعه على كل المعتقلين في الأوقات الحرجة. ويوم تحدثت إلهام عبر الراديو سمعها حشاد، وأخبر غلول بالأمر، وهذا الأخير كان في زنزانة مجاورة لزنزانة الرايس فنادى عليه وأخبره بأن إحدى بناته قد تحدثت عنه وعن تازمامارت في الإذاعة، ثم أخذوا يلومونه على ما فعلته ابنته ويذكِّرونه بأنهم كثيرا ما حذروه من بعث رسائل إليّ لأني كنت أراسل الجمعيات الحقوقية، وحملوه مسؤولية ما يمكن أن يطالهم من عقاب من قِبل إدارة السجن بسبب ما قالته إلهام على أمواج «فرانس أنتيرن». وسلم غلول جهاز الراديو للرايس وظل الأخير منتظرا اليوم كله إلى أن سمع صوت ابنته عبر الأثير، فأصيب بانهيار عصبي، كان سببه مزيجا من الفرح بابنته والخوف عليها، وظل يصرخ إلى أن وقع في زنزانته فاقدا الوعي، وقد تسبب له ذلك الحوار في جفاء الكثير من المعتقلين له، وخصوصا الطويل الذي كان قد أصبح يتمتع بوضع خاص، بعدما قابلت زوجته نانسي الرئيس الأمريكي حينها رونالد ريغان.
- ألم تُستدع ابنتك إلهام، بعد هذا الحوار الذي أجرته مع إذاعة «فرانس أنتيرن»، من طرف السفارة المغربية في إنجلترا حيث كانت تقيم أو في فرنسا حيث أجرت الحوار؟
أبدا، لقد كانت حينها تحمل الجنسية البريطانية، وربما كان هذا السبب كافيا لإبقائها في مأمن من أي مكروه، لكنها -كما سبق أن قلت- أصبحت تلاحظ وجود أشخاص بسحنات مغربية يتعقبون خطواتها، في المقاهي والأماكن العمومية، كما كانت تحس بأنهم يتنصتون عليها في الهاتف. لكن الأمر لم يتعد هذه الحدود.
- لن تقف إلهام الرايس عند هذا الحد، بل ستحضر في هذه المرحلة أحد مؤتمرات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف..
في نهاية التسعينيات، كانت إلهام قد أوكلت محاميا في فرنسا للدفاع عن قضية والدها، وسلمته نسخا من كل رسائل الرايس التي توصلنا بها من تازمامارت. وهذا المحامي الفرنسي هو الذي اقترح عليها أن تشارك في مؤتمر لحقوق الإنسان في جنيف، حيث ذهبت رفقته وكريستين
السرفاتي.
- هل تدخلت إلهام في إحدى جلسات المؤتمر؟
طبعا، فقد أخذت الكلمة وتحدثت بشجاعة عن معتقل رهيب يوجد في الجنوب الشرقي للمغرب اسمه تازمامارت؛ فارتبك ممثل المغرب في هذا المؤتمر ورد عليها قائلا إنه لا وجود لهذا المعتقل في بلادنا وإن المغرب بلد يحترم حقوق الإنسان، وما يروج عن وجود سجن بهذه المواصفات فوق تراب المملكة هو من نسج خيال بعض الصحافيين والمنظمات الحقوقية.
- ألم تحاول إلهام الحديث على انفراد إلى ممثل المغرب في هذا المؤتمر؟
كان من جملة الذين حضروا إلى هذا المؤتمر احمد السنوسي الذي كان حينها سفيرا للمغرب في الأمم المتحدة. وقد حكت لي إلهام كيف أنه اتصل بها وطلب لقاءها، وعندما قابلته أخذ يلومها ويتهمها بكونها فضحت بلدها دون موجب حق، وأساءت إلى صورة المغرب أمام العالم، فأجابته بأن الدولة المغربية هي التي فضحت المغرب باستمرارها في اعتقال سجناء أغلبهم أنهى مدة محكوميته في سجن لا وجود لمثيل له في القسوة واللاإنسانية في العالم الحديث، ثم تركته وانصرفت لفتح نقاشات مع منظمات حقوقية وهيئات للمجتمع المدني الدولي ومطالبتها بإرسال لجان تحقيق وتقصٍّ حول معتقل تازمامارت.
وقد حكى لي زوجي، بعد الإفراج عنه، أنه بعد أن تحدثت إلهام أول مرة في الراديو، اتصلت بعض المنظمات الدولية بالحسن الثاني ووزير داخليته، إدريس البصري، تستفسر عن معتقل تازمامارت وتطالب بإطلاق السجناء أو تحسين وضعيتهم على الأقل، فأعطي الأمر بإخراجهم من زنازينهم وتنظيفهم ومنحهم ملابس نظيفة، بعدما كانوا يلبسون أقمشة مهترئة، ومنها كانوا يصنعون جوارب وملابس داخلية؛ وأضاف الرايس أن المعتقلين فزعوا وظنوا أنه ستتم تصفيتهم ومحو أي أثر لهم بعد ما صرحت به ابنته، خصوصا وأنهم لاحظوا في تلك اللحظة أن حراس السجن أخذوا يحفرون حفرا في ساحة السجن، حيث ذهب تفكيرهم إلى أن تلك الحفر ستستعمل كقبور جماعية، فصاروا يصرخون في وجه الرايس ويلومونه.


حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير

حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير