الخميس، 4 فبراير 2021

عزيز بنبين : تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت-6-

 عزيز بنبين : تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت




ولد عزيز بنبين بمراكش سنة 1946 . عاش مخضرماً؛ يجمع بين المدرسة الفرنسية الحديثة والمدينة العتيقة في مراكش، وبين صرامة الأدب الحديث ومتخيَّل الحكاية الشرقية. أمضى عشرين سنة رهينَ السجن، سلخَ منها ثمانية عشرَ في معتقل تازمامَّرت.
فقد أُقحِم الضابط الشاب في المحاولة الانقلابية التي دارت وقائعها في قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، ثم قُدم إلى محاكمة تعسفية، ليُلقَى به في المعتقل العسكري الرهيب، الذي نبت يومها في قلب الصحراء المغربية...
لقد أقبِر صاحبنا طوال عقدين من الزمن، في زنزانته رقم 13، التي لم تكن تزيد عن قبو إسمنتي بسعة مترين على ثلاثة. لا تطرقه عليه غير العقارب والأفاعي والرتيلاءات والصراصير. وظل المعتقل الشاب يكابد مصيره، كسيزيف وكأنتيغون. وظل يتسلح بإيمانه على مغالبة ذلك الجحيم، الذي يؤثثه العذاب والجنون والموت، ليس له فيه من وسيلة للاتصال بالحياة غير السمع، فجعل يكرس نفسه لرفاقه في المأساة، ويجعل من نفسه لهم حكاءً أو بائع أحلام...
ويعود عزيز بنبين، ههنا، ليرفع هذا القبر المؤلم الممض من الكلمات، تمجيداً لكل واحد من إخوته ضحايا تازمامرت. ويضع شهادة نفيسة عن كابوس سجني حديث. إنها قصة تضرب عميقاً في أغوار الطبيعة البشرية، وتشحذ قوة الإيمان والخيال الفائقة في مواجهة الوحشية الكاسرة.
إن أول ما نستذكر من تازمامرت هم الرجال. أحياء وأمواتاً، وملائكة وشياطين، وحكماء ومجانين. رجال قذِفوا في عالم، فتساكنوا فيه مع أقصى الحدود وتآلفوا مع الأهوال. أولئك الرجال هم من أحرص على أن أرفع إليهم ههنا التحية، أولئك الذين ما عادوا بيننا ليحكوا عن أتراحهم وأفراحهم، وآلامهم وآمالهم. وبودي أن أحكي ما وسعني الصدق كيف عاشوا وكيف ماتوا، وأنقل تجاربهم على نحو ما عشته، وعلى نحو ما خبرتُها، إلى أسرهم، وإلى أولئك الذين "يحسون على وجوههم بالصفعة التي تلقاها آخرون".
من بين هؤلاء الرجال، جاري المقابل : إدريس الدغوغي.
إلا ما أغرب المصير الذي كان من نصيب هذا الذي ولد باسم قاسم. وكان أوبوه رجلاً عجوزاً قد تزوج من امرأة أولى أنجبت له أبناء كثراً؛ كان أكبرهم، والمسمى إدريس، في الأربعين عند مولد بطلنا. ثم لما صارت المرأة العجوز في سن لا تسمح لها بالإنجاب، دفعت بزوجها إلى التزوج من امرأة ثانية من القرية، قامت هي نفسها باختيارها، ومضت لخطبتها. وقالت له : "هي تلد، وأنا أربي".
وكذلك كان. فجاء صاحبنا قاسم إلى العالم محاطاً بحب امرأتين. وسرعان ما استأثرت زوجة الأب بالابن، حتى صار، بمضي الوقت، هو ابنها. والويل لمن يجرؤ على الاعتراض على مشيئتها! فصار الطفل قاسم يدعوها "ماما"، ويدعو أمه الحقيقية باسمها. وزاد القدر إمعاناً في السخرية أنه لما بلغ الطفل سن التمدرس، اشترطت "أم"ه أن يلتحق بالمدرسة، ولا يكون أمياً مثل أخوته الكبار. فلزم، لأجل ذلك، أن يكون للأسرة كناش للحالة المدنية. ولقد اجتهد الأب لتحقيق هذا الأمر، وقام بتسجيل الأبناء جميعاً لدى الإدارة، لولا أن خطأ وقع في تاريخ ميلاد قاسم وإدريس. فلما ذهب الطفل لطلب الحصول على نسخة من رسم الولادة للتسجيل في المدرسة، تبيَّن، ويا للغرابة، أنه كان في الخامسة والأربعين من العمر، وأنه، بالتالي، قد تجاوز سن التمدرس بكثير. ولزم لتصحيح ذلك الخطإ استصدار حكم من القاضي، وسلسلة طويلة من الإجراءات التي لا تخلو من تعقيد.
وكان الحل الذي بدا أنه الأيسر أن يتبادل الأخوان اسميهما. لذلك، أصبح قاسم، في سن الخامسة، يسمى إدريس. فورث اسم أخيه غير الشقيق، مثلما كان قد ورث من "أم"ه، وبذلك أمكن له أن يلتحق بالمدرسة.
ثم انخرط في الطيران الحربي، وذهب ليجري تداريبه في الولايات المتحدة. رحل ليكون طياراً. وقد كان كل شيء يشير إلى أنه يسير نحو الأفضل؛ فقد كان يجيد الإقلاع، ويجيد التحليق، ويجيد القيادة،. غير أنه لم يكن يفلح أبداً في النزول. فأُسقِط، ونُقِل إلى المراقبة الجوية.
وبقي الدغوغي يتجرع مرارته، ولا يجد سلواناً أن أصابته لعنة إيكار، وحكم عليه بأن يتحمل عقوبة طانطال : فكان يعلم الآخرين ما لم يستطع هو قط أن ينجزه : الهبوظ ! وصار يغرق إحباطه في الكحول، والقمار والنساء؛ عساها تنسيه خيبته. لقد باتت حياته محكومة بنظام غريب : فقد كان يشتغل أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، يكون أثناءها معتدلاً قنوعاً، متفرغاً إلى عمله، ينجزه بذمة ونزاهة، فإذا حانت الساعات الثماني والأربعون التي يتحلل فيها من العمل، أصبح فاقد الوعي من فرط السكر، أو مرتمياً في حضن مومس. إلى أن ساق له القدر، في نهاية المطاف، مومساً شغفت به حباً، وجاءت لتشاركه بيته ولا تفارقه.
لقد وجدت المرأة مأوى، وإن يكن مؤقتاً، ورجلاً كانت تحسبه لها وحدها، وكرامة خادعة. ووجد فيها هو الآخر فائدة له؛ فقد كانت تعد له الطعام، وتنظف له ثيابه، وتغسل الأواني، وترتب البيت، ثم تشاركه الشرب، ولا تطلب مقابلاً. وقد كان ينفق أجره كله في القمار والكحول، فلم يكن يسأل قط من أين يأتي الطعام وما يتصل به من احتياجات البيت. واسمر الحال على هذه الصورة بضع سنوات، إلى أن قررت أمه، ذات يوم (زوجة أبيه) أن تصلح أمور حياته. فجاءت عنده، وأقنعته بالتزوج من فتاة من القرية قد اختارتها له. فوافقها إلى ما أرادت. ورأى، بسذاجته الكبيرة، أن من الطبيعي أن يرجع في الأمر إلى خليلته. فتلقت هذه الأخيرة الخبر كخنجر في الظهر. ولم تعلق بشيء، بل اقترحت، كذلك، أن تبقى بجانبه إلى أن يحين وقت الزفاف.
لقد صارت تعد لانتقامها بصبر، لكن بنجاعة. فجعلت، في البداية، تتردد على جميع الساحرات العجائز المشتغلات بشؤون المومسات؛ ذلك العالم الخاص بها، واختارت من قائمة السموم المحضرة ما به تخرب صحة عشيقها وتقضي عليها قضاء مبرماً، لكن من غير أن تقتله. واستخبرت من أخواتها عن رجل يكون مصاباً بالسفلس بدرجة متقدمة، ثم قصدته، وضاجعته إلى أن استيقنت أنها حملت منه العدوى، ثم عادت لتنقلها إلى العشيق الخائن. فتحقق له الانتقام.
وفي اليوم المحتوم، أعدت حقيبتها، وجاءت لتقول له بصوت هادئ، يكاد يخلو من أي أثر للضغينة، وهي تفكر في منافستها:
- وداعاً، لقد أورثتك بؤس وضعي كله!
وعلى الرغم من كل شيء، فقد تزوج إدريس قاسم الدغوغي، العاشق الخائن، والابن المدلل من زوجة أبيه. فوجد الاستقرار، ووجد الشرعية، لكن فقد صحته إلى غير رجعة. فقد كان يعاني من شقيقة مبرحة، وفقد الشهية، وإذا أكل، لم يستطع أن يحتفظ بشيء من الطعام في بطنه. لقد كان مصاباً بالسفلس من الدرجة الأخيرة، فلم يكن له حظ في الإنجاب.
وأما زوجته، فقد كانت فتاة قروية نشأت على التقاليد والاحترام، وهو شكل متنكر للخوف من الرجل، فرضيت بوضع الشهيدة الذي قضى عليها به القدر. وأما هو فجعل يغرق في الكحول، ومضادات الاكتئاب، ويفرط فيها. وأصبح مشتركاً في الخدمات النفسية في المستشفيات العسكرية. لكن الطب لم ينفعه بشيء. فقد كانت حالته مستعصية على العلاج، وكان يائساً، لا يعيش إلا ليهدئ من آلامه.
ثم كانت محاولة الانقلاب الثانية. وقد كان صاحبنا يومها في عطلة مرضية طويلة. ثم ما كاد يعود إلى استئناف عمله، حتى وقعت عليه تلك اللعنة القاضية. فأمضى السنة الأولى من اعتقاله في مستوصف السجن؛ حيث كان الطبيب يخفف عنه بما يحقنه من الفاليوم. وحينها وقع الانقلاب القدري، فنقل إلى تازمامرت. فكان يشغل الزنزانة التي قبالتي، فكان الرفاق الذين يعرفونه يتوقعون لجيرانه الأقربين أن يصطلوا بعذابه واضطرابه. فلم يحدث شيء من ذلك. لقد تعلق إدريس بالحياة وبي. فكنا نكثر من التحادث؛ فيحكي وأنصت متى طاب له الحكي آناء الليل والنهار. وأذِن له الرفاق العارفون بحالته في البداية، أن يتكلم آناء الليل، فكان يدعوني، فنتعاون على تخليصه من الهواجس التي تهجم عليه. وكنت أجتهد في اقناعه بأن ذلك المس عنده قد نجم عن جسمه المفتقر إلى المخدرات، فسلم بالأمر، ورضي به؛ فلم يكن له من خيار. ففي تازمامرت لم يكن لأحد من خيار. والتصرف الوحيد الممكن كان المقاومة الذهنية. فقد كان يلزمنا أن نصون كرامتنا إلى آخر رمق، كيفما كانت الأوضاع والمواقف. فذلك شيءٌ لم يكن بمقدور أحد أن يسلبنا إياه! ولقد نجا إدريس بحياته من تازمامرت. فلما وصل السجناء الأفارقة، تم نقله إلى البناية رقم 1؛ حيث تخلص من تلك المحنة بلباقة. فلما خرج، أجرى بعض الفحوصات والتحاليل الطبية، و... تحقق له الشفاء من السفلس!
وها إنه اليوم قد اجتمع بزوجته التي ظلت على انتظاره. فما عاد بحاجة إلى أدوية، لكنه لا يزال عاجزاً عن الإنجاب.
إن الدغوغي هو الشيء الذي أفخر به في مقامي بتازمامرت. ولو كان لأجله وحده، لما كان لي أن أندم أن أقمت فيها، ولكان لي مصدر فخار لامراء فيه.
لقد كنا نعيش في خندق مغلق، فكنا نساعد بعضنا، فنخرج منه معاً، أو نلبث فيه معاً.
ومن بين رفاقي الأقربين إليَّ، فإن الذي على يميني هو وحده الذي لم يكن يشاركني هذا الرأي. كان يعيش متوحداً، ويعيش في خضم من الحقد والموجدة، فأحال حياته إلى جحيم. ولسوف أعود إليه في النهاية، كان يدعى بدورو. وعلى يساري، كان يوجد الرقيب عبد العزيز اعبابو؛ تلك الفراشة التي احترقت أجنحتها من اصطلائها بنور أخويه الأكبرين. وفي قبالته، كان يوجد عاشور؛ الذي كان كأنه شخصية خارجة من أسوأ استيهامات دوستويفسكي.
ذلك هو المحيط البشري الذي كان عليَّ أن أواجهه، وقد كنت أراه يعكس الروح المغربية بما جُبلت عليه من حيل والتواءات، وأراه يعكس لي صورتي أيضاً. ولقد تعلمت من اتصالي بجيراني أن أتعرف المهم من التافه وأميز الدائم من العابر والزائل. وتعلمت أن أتجاوز عن الغضب والحقد، وأحاول أن أفهم، وأصفح؛ ولا أجرؤ أن أقول إنني تعلمت أن أحب! فالحب يجتذبني ويخيفني في آن. لقد تعلمته من دراسة الإنجيل، والاتصال بالمسيح. فأنا مسلم مقتنع بإسلامي وأحب المسيح، أرفض بعض المبادئ والقواعد في المسيحية، لكني معجب بنبيها، لأنه علمني معنى حب القريب، والصفح والتصاغُر.
كانت دائرة أحلامي كثيراً ما يعمرها الأنبياء، ولربما تكون تلك نتيجة لحفظنا للقرآن الذي يتحدث عنهم جميعاً. ومن بعد عيسى، فإن النبي المفضل عندي هو موسى. وقد كان كثيراً ما يتردد عليَّ في رواي، فتجمعنا أحاديث طويلة. لقد كان يمثل عندي القوة، والمهابة والعدل. وهي الصورة التي يجعلها له القرآن. وقد كانت تستخفني نحوهما مشاعر مختلفة. فموسى أشعر نحوه بالصداقة. وكنت أرى كذلك إبراهيم، ويوسف، وداود، وسليمان، وغيرهم كثراً. وأما محمد، فقد منحني الحرية في الاعتقاد، وممارسة من غير وسائط.
وأذكر بوجه خاص أنني، ذات مساء، رأيت حلماً كان له عليَّ تأثير كبير، وقد احتفظت به لنفسي، كمثل ما كنت أفعل بأحلام أخرى، أو ببعض الأفكار التي كنت أراها خاصة بي. فقد كان عندي بستان سري؛ ركن من نفسي لا يطرقه عليَّ أحد. فقد رأيتني راقداً فوق بلاطتي، في وضعتي المعتادة، وفجأة إذا بي أستيقظ (في الحلم دائماً). فرأيت عند قدمي يقف رجل طويل القامة متلفعاً في البياض، ينظر إليَّ نظرة ملؤها الطيبة. فنظرت إليه بدوري، في صمت، وأطلت إليه النظر، مسحوراً بذلك النور المنبعث منه، ثم اضطجعت ثانية، في سلام، وسرعان ما غلبني النوم.
لقد خيل إليَّ في اليوم الموالي أنها كانت رؤيا. فقد رأيت المسيح بشخصه. غير أني لا أصدق المعجزات. ولا أزال، إلى اليوم، على قناعتي أنه ما كان سوى حلم، لكنه كان لي مصدر متعة كبيرة، تلك كانت معجزة الإيحاء الذاتي.
لم يتفق لي قط أن رأيت النبي محمداً في رؤاي؛ ربما لأن بعض المفسرين يحظرون ظهوره بالصورة. ولقد بلغت هذه المحظورات من الترسخ في لاوعينا حتى لقد صرنا نعجز أن ننتهكها، ولو في الحلم.
كان الحلم يمنحنا راحة وسلاماً؛ فبعد كل شيء، ما هم أولئك الأنبياء، وأديانهم، ومعتقداتهم، ومثُلهم. إن ما كان يهمنا هو ما كانوا يمثلون : الحب، والرأفة، والعدل، والخير، أي كل ما يدخل في الجمال. لقد كان الدين في تصوري في غاية البساطة، وكان عندي حاضراً، في ما يتجاوز العقائد، ويتجاوز الأناسي، الذين يحيلونه إلى شيء بالغ التعقيد، ضارب في العبث واللامعقول.

تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت-5-

 تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت




ولد عزيز بنبين بمراكش سنة 1946 . عاش مخضرماً؛ يجمع بين المدرسة الفرنسية الحديثة والمدينة العتيقة في مراكش، وبين صرامة الأدب الحديث ومتخيَّل الحكاية الشرقية. أمضى عشرين سنة رهينَ السجن، سلخَ منها ثمانية عشرَ في معتقل تازمامَّرت.
فقد أُقحِم الضابط الشاب في المحاولة الانقلابية التي دارت وقائعها في قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، ثم قُدم إلى محاكمة تعسفية، ليُلقَى به في المعتقل العسكري الرهيب، الذي نبت يومها في قلب الصحراء المغربية...
لقد أقبِر صاحبنا طوال عقدين من الزمن، في زنزانته رقم 13، التي لم تكن تزيد عن قبو إسمنتي بسعة مترين على ثلاثة. لا تطرقه عليه غير العقارب والأفاعي والرتيلاءات والصراصير. وظل المعتقل الشاب يكابد مصيره، كسيزيف وكأنتيغون. وظل يتسلح بإيمانه على مغالبة ذلك الجحيم، الذي يؤثثه العذاب والجنون والموت، ليس له فيه من وسيلة للاتصال بالحياة غير السمع، فجعل يكرس نفسه لرفاقه في المأساة، ويجعل من نفسه لهم حكاءً أو بائع أحلام...
ويعود عزيز بنبين، ههنا، ليرفع هذا القبر المؤلم الممض من الكلمات، تمجيداً لكل واحد من إخوته ضحايا تازمامرت. ويضع شهادة نفيسة عن كابوس سجني حديث. إنها قصة تضرب عميقاً في أغوار الطبيعة البشرية، وتشحذ قوة الإيمان والخيال الفائقة في مواجهة الوحشية الكاسرة.
القبو الذي أُنزلت فيه لم يكن يزيد عن مكعب من الإسمنت والظلام بحجم مترين على ثلاثة؛ لم يكن بمقدور ضوء النهار الباهت أن يبدد ظلمتها تماماً. وفي العمق توجد بلاطة إسمنتية، تقوم مقام المقعد. وفي الزاوية، على مقربة من الباب، توجد مراحيض تركية. وتطل على الردهة ثلاثة صفوف من الثقوب بحجم عشر سنتيمترات، قد جعلت في أعلى الحائط، بعلو مترين ونصف. ويتوسط السقف ثقب من الحجم نفسه، يسمح بمرور الهواء. كان الثقب يطل على ما يشبه الحظيرة، بعلو نحو متر وثمانين، تشكل طابقاً من فوق الزنازن. إن هذا الطابق، الذي لم يكن بوسعنا إلا أن نتكهن به، ولا نراه، كان مغطى بسقف من المطلية المتموجة، وقد زود في جانبيه بفتحات عليها قضبان تصيرها إلى مربعات. كانت أبواب الزنازن تطل على ردهة تتوسطها، وتخترق البناية كلها. ويتوسط سقفها شقٌّ عليه قضبان من الفولاذ، كان هو مصدرنا الوحيد وغير المباشر من الهواء والنور.
ها أنذا في مقامي الجديد. وما كنت، قبل ذلك اليوم، أعرف التطيُّر، على الأقل في ما يتعلق بالتواريخ والأرقام. لكنني ابتُليت بالتطير، كسائر الناس الذين نهشتهم المصائب.
ما أن أوصد عليَّ الباب حتى اكتنفتني الظلمة. وخيَّم صمت ثقيل. وخرست حتى العصافير. وما أفلحت ضجة أحذية الجنود والانصفاق الحاد للأبواب أن تقوِّض الفراغ الذي هيمن على روحي وعلى فكري. جعلت أنظر إلى الثقب، وأنا لا أصدق نفسي. لقد جعلني أفكر في دياميس المسيحيين. فكرة جعلتني أبتسم. وكأن للموت ديناً!
لقد وعيت بوضعيتي : "ماذا فعلت بنفسك يا هذا!...". لقد كنت في ما يبدو أنه قبري.
كانت الزنزانة رقم "ثلاثة عشر" أسوأ الزنازن. فقد كانت المراحيض التركية من غير رشَّاف، فكانت زنزانتي تغص برائحة مزاريب البنايتين، فتشتد عليها النتانة، حتى إذا فتح الحراس عليَّ الباب ليقدموا إليَّ قوتي اليومي، كانوا لا يتمالكون أنفسهم، إذا صفعتهم هبة الهواء النتن، أن يتراجعوا إلى الوراء. وكان السقف منخرقاً كغربال، فإذا أمطرت استحالت الزنزانة دشاً حقيقياً. فإذا توقف المطر في الخارج، ظلت تمطر في زنزانتي لما لا يقل عن أسبوع آخر، إلى أن تجف بركة الماء المتجمع فوق السطح. وفي الشتاء تنخفض الحرارة إلى ما دون الصفر، فتصير الزنزانة شيئاً لا يطاق.
كانت الزنزانة خالية مقفرة، إلا من بلاطة من الإسمنت، وغطاءين عسكريين يعودان إلى سنة 1936، قد بليا حتى تسللت خيوطهما. وعلى الأرض وضع إناء للماء بسعة خمسة لترات، وصحن وقنينة من البلاستيك.
لقد لزمني أن أنفعل بسرعة، وأتخذ قرارات جذرية، وأقتلع من ذهني كل تساؤل، وكل ما يمكن أن يكبله، أو يشله، أو يجذبه إلى الأسفل، وإلى لجج الندم واليأس.
فلما سمعت الأقفال تنصفق كأنها الصنجات، أدركت أننا سنمكث في ذلك المكان لوقت غير يسير. فعقدت العزم على أن أنسى الخارج. فلم تعد لي أسرة، ولا أصدقاء، ولا ذكريات خاصة، ولا مستقبل. لقد كنت في ذلك المكان، وليس في غير ذلك المكان. كانت زنزانتي هي عالمي، ورفاقي في النكبة، ومجتمعي، وثقافتي وعقيدتي، وكل ثرائي. ولم يعد بد من الاستسلام، ونسيان الأسباب والكيفيات؛ ولزمني أن أقبل، أولاً، بما كنت أسميه الأحكام الثلاثة.
حكم بني البشر، الذين وصلت إلى ذلك المكان بإرادتهم، والذي قررت ألا أحتج عليه، ذلك بأنني قد دخلت مسلحاً، ولو برغم أنفي، بيتَ رجل، وانتهكت خصوصيته، وهدوء أسرته وأطفاله. ويقال في ثقافتنا : "الهاجم يموت شرعْ!". وأحرى أن أقول إنه يموت بكل مشروعية.
وحكم السماء، الذي رضيت به كمحنة، أو اختبار، أو بلوى. بلواي. فما الحياة عندي إلا اختبار عابر. فمن الناس من يهبهم الله كل شيء، ومنهم من يحرمهم كل شيء؛ وينظر في ردود أفعالهم جميعاً. وإنني لعلى يقين أنني لو وهبني الله كل شيء، لكنت فشلت، ولكنت اليوم جنرالاً عجوزاً أكرش، مدمناً للكحول، وفاسداً.
ثم حكمي أنا على نفسي : فأنا مسؤول عن المصير الذي كان من نصيبي، فلا يمكنني إلا أن أقر بذنبي. لقد كنت سيزيف وأنتيغون معاً، وكنت مستسلماً وشجاعاً. وبعد هذه المحاكمات الثلاث، ألغيت أناي، وتبدد عندي السؤال عن الأسباب؛ فصار بوسعي، حينها، أن أعيش وأصمد، وأعض على الحاضر بالنواجذ، وأن أكون أنا المقرر في مصيري.
في الخارج، توقفت ضجات العساكر فجأة، فما عدت تسمع غير هرير محركات الشاحنات وهي تبتعد، منسحبة بما بقي عندي من شك وارتياب في مصيري.
تصرم النهار متثاقلاً، وأصبح الصمت أشد وطأة؛ فكأن الزمن توقف، والحياة تجمدت. حتى العصافير أصرت على البقاء خرساء، يحتشد صمتها بكل الاحتمالات. ثم ارتفع صوت، خجول، يحمله الصدى خلال الحيطان الباردة الصماء، فكأنما يبحث في الإسمنت المسلح عن شق أو موضع رحيم يسكن إليه. ثم تلاه صوت آخر، وآخر، وبدأت تنتشر الأسئلة، ثم تلتها أجوبة لم يكن يتوقعها أحد؛ أسماء مجهولة، وأصوات شوهاء، وذلك الإسمنت القاسي الذي كان، كمصاص دماء استبد به الجوع لقرون من القحط، فهو يشرب بنهم تلك المزق من حيوات. ثم إذا العصافير قد باغتها عناد الطبيعة والتفاؤل القدري من بني البشر، فإذا هي تتغلب على خوفها، وتنخرط في ذلك الشغب العام.
في الزوال جاء الحراس، فدفعوا إلينا بخبزة من نحو مائة غرام، وصحن به حمص مطبوخ في الماء مع شيء من الملح. وستكون تلك هي وجبتنا الدائمة والثابتة في تازمامرت، مع طعام عشاء قوامه صحن عجائن مطبوخة هي الأخرى في ماء مع قليل من الملح.
لقد جرى نقلنا في عز شهر غشت، فحصلنا جميعاً على سراويل وقمصان كاكية؛ فتلك كانت الكسوة العسكرية التقليدية لفترة الصيف. وجرِّدنا من اللباس المخطط الذي هو لباس السجن المدني. لكننا احتفظنا بالصندل البلاستيكي الذي كنا نلبسه عند وصولنا. استبدلنا ثيابنا في شيء من الاغتباط. فقد كنا نشعر في قرارة أنفسنا بالارتياح أن تخلصنا من لباس العار، إلى لباس آخر محترم نسبياً، هو اللباس العسكري الذي كنا لا نزال به متعلقين. وكان يخيل إلينا، على الرغم من فظاعة تلك الأمكنة، أننا قد استعدنا احتراماً ظاهراً؛ ذلك بأن الأقسى من بين كل ما فقدنا، وقد فقدنا كل شيء، كان فقداننا لكرامتنا. بيد أن ذلك الوهم بالاحترام المستعاد، بعودتنا إلى حضن كيان عسكري، لن يدوم طويلاً. إننا لم نتراجع إلا لنتمكن من القفز طويلاً... إلى الهاوية.
وابتداء من مطلع شهر أكتوبر، بدأت الحرارة في الانخفاض. فبعد أن اصطلينا بحر الصيف الخانق، سنصير نخبر أهوال الشتاء الصقيعي، المميز للمناطق شبه الصحراوية، تزيد إليها قساوة المناخ في الأطلس المتوسط. لم يعمر الخريف إلا قليلاً. ثم بدأت درجات الحرارة في الانخفاض بلا هوادة. وطلبنا لباساً للشتاء، كما كانت العادة داخل الجيش، لكن من غير طائل. لقد اصطدمنا بما سيصير، منذئذ، حصتنا اليومية : اللامبالاة.
لكي أستطيع أن أنام في الليل، كنت أطوي غطائي بالعرْض إلى حزام من نحو خمسة عشر سنتيمتراً. وبذلك أحصل على شيء من سمْك، ولو قليل بين الجنُب والإسمنت، ذلك بأني لم يكن بمستطاعي أن أنام، بطبيعة الحال، إلا على الجنْب. فإذا رغبت أن أنقلب على الجنب الآخر، لزمني أن أنهض، وأقوم بتلك العملية، ثم أعود إلى الاضطجاع على الجنب الآخر، بعد أن أعيد العدة كلها هيأتها الأولى، وقد طويتها مرتين، وأحرص على أن أثبت طرفيها تحت جسمي. كان السر يتمثل في أن لا أدع من فتحة، مهما كانت صغيرة، يمكن أن ينفذ منها الهواء. إنه تمرين حقيقي كان يلزمني أن أقوم به بعد كل حركة أجيئها، كأنه طقس ثابت لا يتبدل. فأقل ثقب يلحق تلك القوقعة المرتجلة يصير أداة للتعذيب؛ شعاع متواصل يخترق منك الجلد والعظم؛ فإذا الحرارة العامة داخل ذلك المخبإ قد صارت، في الحال، شيئاً لا يطاق. فلكي أعالجه، كان يلزمني أن أعيد إعداد كل شيء من البداية. ولاحاجة إلى القول إن الأمر كان يستغرق من الوقت بلا حساب. ثم صرت، بتوالي الأيام، أكثر خبرة، فصارت تلك المعالجات عندي إلى تناقص. فهذا كان يتيح لي مزيداً من الوقت للنوم، وينقص عني أسباب الإجهاد.
فإذا صرت تحت الغطاء، باتت كل حركة أجيئها مخاطرة كبيرة. فلزمني أن أتحمل الآلام في وركي والآلام في كتفيَّ أطول ما في الإمكان، ولزمني خاصة أن أقتصد في الهواء المختزن، فلا أجيز لنفسي أن أغيره إلا عند الضرورة القصوى، متى صار غير قابل للتنشُّق. فقد كانت الحاجة ماسة إلى كل مصدر للدفء، وليس عليَّ أن أضيع شيئاً، فكنت أحفظ أقل ضُراط (ويعلم الله كم كان كثيراً بسبب القطاني التي كنا نبتلعها كل يوم!)، إلى حين أصير تحت الغطاء، وقد تأكدت أن ضراطي لن يضيع. الروائح؟ أي روائح؟ لقد كانت كثيرة. وتزداد كثرة مع كل يوم. حتى لقد صرنا عنها ساهين. فلقد اعتدنا النتانة، مثلما اعتدنا الجوع، والبرد وغيرها من المحن، واعتدنا العطش أيضاً، لأن الماء الذي يقدم إلينا يكون ملوثاً. فإذا أفرغناه في الإناء البلاستيكي، استحالت جوانبه على الفور لزجة دبقة؛ وعلاه غشاء من حمإ. وسرعان ما اجتمع رأينا على الإضراب عنه، فما عدنا نشربه. فقد كان الطعام في معظمه من السوائل، ما يجنبنا الموت عطشاً. فما عدنا نتجرع ذلك الماء القذر إلا في حالات الضرورة القصوى. وأما الذين أخلوا بتلك القاعدة، فقد كانت العواقب عليهم وخيمة.
تكون الحاجة ماسة في الشتاء إلى المشي. من ركن المدخل حتى الركن الذي يقوم بين المراحيض والمرقد؛ ذلك كان هو كل قُطر الحياة عندي، قُطر المشي. والمسافة لا تزيد عن أربع خطى في جانب، وأربع في آخر؛ ثم أستدير، تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار، حتى لا أصاب بالدوار؛ فذلك شيء تعلمته من السينما. فإذا لم أتمشَّ، أقمت الصلاة؛ فهي تمرين بدني جيد. فلقد قررت أن أسدد الديون التي في ذمتي نحو الله. الإسلام يأمر بالبدء في الصلاة في الثانية عشرة، لذلك قررت أن أؤدي لا خمس صلوات، بل خمساً وثلاثين صلاة في اليوم الواحد، بما يوفر لي ستة أيام إضافية، ويكون لي وسيلة جيدة للحفاظ على لياقتي.

عزيز بنبين : تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت-4-

 عزيز بنبين : تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت




ولد عزيز بنبين بمراكش سنة 1946 . عاش مخضرماً؛ يجمع بين المدرسة الفرنسية الحديثة والمدينة العتيقة في مراكش، وبين صرامة الأدب الحديث ومتخيَّل الحكاية الشرقية. أمضى عشرين سنة رهينَ السجن، سلخَ منها ثمانية عشرَ في معتقل تازمامَّرت.
فقد أُقحِم الضابط الشاب في المحاولة الانقلابية التي دارت وقائعها في قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، ثم قُدم إلى محاكمة تعسفية، ليُلقَى به في المعتقل العسكري الرهيب، الذي نبت يومها في قلب الصحراء المغربية...
لقد أقبِر صاحبنا طوال عقدين من الزمن، في زنزانته رقم 13، التي لم تكن تزيد عن قبو إسمنتي بسعة مترين على ثلاثة. لا تطرقه عليه غير العقارب والأفاعي والرتيلاءات والصراصير. وظل المعتقل الشاب يكابد مصيره، كسيزيف وكأنتيغون. وظل يتسلح بإيمانه على مغالبة ذلك الجحيم، الذي يؤثثه العذاب والجنون والموت، ليس له فيه من وسيلة للاتصال بالحياة غير السمع، فجعل يكرس نفسه لرفاقه في المأساة، ويجعل من نفسه لهم حكاءً أو بائع أحلام...
ويعود عزيز بنبين، ههنا، ليرفع هذا القبر المؤلم الممض من الكلمات، تمجيداً لكل واحد من إخوته ضحايا تازمامرت. ويضع شهادة نفيسة عن كابوس سجني حديث. إنها قصة تضرب عميقاً في أغوار الطبيعة البشرية، وتشحذ قوة الإيمان والخيال الفائقة في مواجهة الوحشية الكاسرة.
استمرت الحياة في المعتقل، أقل قسوة من ذي قبل. فبعد أن صدرت فينا الأحكام، أصبح لنا الحق في بعض الزيارات، وأصبح في إمكاننا أن نتلقى طروداً من أسرنا والرسائل؛ وصرنا نركن إلى الرتابة اليومية المعتادة في حياة السجين : الأكل، والنوم، والقليل من الرياضة، والقليل من القراءة. فلما نقلت إلى القنيطرة، صرت أفعل كما يفعل الجميع : فقد أقبلت على الصلاة. وقد كنت إلى ذلك الحين أؤدي صلواتي اليومية الخمس بصورة آلية، وأقرأ، بين الفينة والأخرى، بعض السور القرآنية. كنت أعتبرني مسلماً، غير أني لم أكن حريصاً على ممارسة الشعائر. وقد خبرت، منذ سن شبابي، أهم المعتقدات؛ بدءاً بالبراهمانية وانتهاء بالبوذية، وكذلك قرأت "الفيدا"، و"الجيتا"، وكونفوشيوس، ودرست العهدين القديم والجديد. وكنت، كعموم أبناء جلدتي، نمتلك تصورات واضحة نسبياً عن الإسلام، ولم نكن نتعداها.
وكما الكائنات التي تتألم، وتتخبط في الريبة والشك، أو التي انجرحت عميقاً بنوائب الحياة، وجدتني قبل المحاكمة ألوذ بإيمان مغرض، وأقبل على الصلاة بحماس واستبسال. كانت الصفقة واضحة : ربي، تخلصني وأعبدك. ولم أسأل نفسي قط ما فعلتُ لأجل الرب، أو لأجل مخلوقاته، وما صنعت بشخصي وبحياتي. ثم صدر الحكم، ومعه انهار إيماني الوليد المهتز. فانقطعت عن الصلاة من غير تمرد، ولا تجريم، ولا ابتئاس. وأحسستني حينها "غريباً"، أو كأنني مورسولت عند دفن أمه.
وذات يوم، كان التحول. لا يمكنني أن أقول من أين ولا كيف جاء. فما رأيت ملاكاً، ولا لمحت نوراً أبيض، أو سمعت مجرد صوت. كنا مع الرفاق في ردهة البناية حيث توجد زنازننا، ونحن في طريقنا إلى الفناء لأجل فسحتنا اليومية، وحينها التفتت إليهم وقلت :
- إنني أسلم نفسي من غير شروط!
نظروا إليَّ مندهشين. فلم يفهموا، ولم يدر في أذهانهم حقاً أنني كنت أهذي أو أتلفظ بحماقات. فما عاد أحد يستغرب للسلوكات الغريبة يأتيها الآخرون بعد كل ما ألم بنا. بل صارت حالة السواء هي ما يدعو إلى الاستغراب.
عدت أعقابي إلى زنزانتي، وتناولت ثيابي النقية، وقصدت الصنابير لأتوضأ، الوضوءين الكبير والصغير، وأؤدي صلوات اليوم. لقد فوضت أمري إلى الله، من غير قيد أو شرط، ولا خلفيات، ولا أي غرض إلا الخلاص لروحي. وقطعت عهداً ألا أطلب قط شيئاً في المقابل. ولقد وفيت بعهدي إلى النهاية. لقد انخرطت في محنة، وفي اختبار عابر، سيعطي حياتي معناها.
إن كل ما حدث لي، وما يفترض أنه سيحدث لي، يدخل في نظام أراه في منطق الأمور. وذلك قد كان عندي هو معنى كلمة "إسلام".
لقد اكتشفت في هذه المحنة شيئين أساسيين : الله، ونفسي. ولقد فوضت أمري إلى الله، واستسلمت، لا أطلب شيئاً. أعطي، بلا مقابل، ومن غير نفاق، أعطي لأجل ما حصلت عليه، ولأجل كل ما أخذت، وكل ما تعلمت، أعطي فقط.
ولو أنني أخللت، ولو لحين من زمن، بهذه القاعدة، لكان فيه ضياعي. وبعد بضعة أسابيع من صدور الحكم، إذا ببعض وحدات الشرطة تنزل على حين غرة، وتنقلنا إلى السجن المركزي في القنيطرة. فصرنا يومها مدنيين، وسقطت عنا الصفة العسكرية إلى غير رجعة، وصار بإمكاننا أن نؤمل في الحصول على وضع السجناء السياسيين. وذلك ما كان، فقد عاملتنا إدارة السجن بشيء من المراعاة. فجنبتنا الأشغال الشاقة والأعمال التي يُلزم بها بقية المعتقلين. وكانت تسمح لنا بالحصول على الطعام، والكتب، وأجهزة المذياع، وأجازت لنا أن نمارس التمارين الرياضية، وأن نلعب كرة القدم. لقد كنا في تلك الآونة، المحظوظين في ذلك المعتقل.
كان المستوصف مشرعَ الأبواب في وجوهنا، فكان الرفاق يفيدون مما فيه. وكان الأطباء لا يترددون أن يصفوا لنا شتى أنواع المهدئات ومضادات الانحطاط، عملاً بالنظرية القائلة إن كل سجين هو شخص مريض بالقوة.
وذات يوم، كنت في المستوصف، فجيء بأحد سجناء الحق العام، تلوح عليه سيماء المرض. تفحصه الممرض من كل جانب، ثم التف إلى الطبيب، وقال له :
- إن هذا يدعي المرض، يا دكتور، إنه يتمارض!
فرد عليه الطبيب :
- أن تكون سجيناً، يا صديقي، هو في حد ذاته مرضٌ. وهذا الرجل مريض، وينبغي معاملته كمريض.
كان بروست يقول : " كما الشعراء في الأزمنة التي فيها يتغنون، وكما العشاق في مبتدإ الحب، يكون المرضى أشد قرباً إلى أرواحهم". وكذلك هم السجناء، يكونون أقرب إلى أرواحهم.
في الداخل، اختلطنا بمعتقلي الحق العام. فكانوا ما أن يتجاوزوا باب بنايتنا ليقوموا بأعمال النظافة، حتى تنصرف عنهم عدوانيتهم. فتمحي الفوارق العضلية التي تخلق التراتبات داخل السجن، وتأخذ ملامحهم في الانبساط. إنهم يستعيدون، على الإجمال، شيئاً من كرامة.
فما السبب في ذلك التغيير التي وجدوه من أنفسهم لمجرد أن وضعوا خلف سياج؟ هل كان مصدره من الشعور بنوع من الأمان؟ دون شك. لقد وجدوا أنفسهم في محيط أكثر عقلانية، فكنت تراهم يبحثون، ولو خلال ما يقومون به من أشغال شاقة، عن دليل بأن المرء، ولو كان سجيناً، يمكنه أن يحتفظ بإنسانيته. وقد كنا المثال الحي على ذلك. فقد كنا نتخلص من توافه الحياة المادية، بالتشبث ببعض المثل وبعض المبادئ، أو بالإيمان والثقافة. وقد تأثروا، كذلك، بعدد الكتب التي كانوا يرونها لدينا. فالمعرفة كثيراً ما تدخل الروع في نفوس الأشداء.
إذا كان المرء يعيش في خضم من الشك والريبة والجهل، لم يكن ما يعصمه أن يتهالك على شتى أنواع الترهات. فما أكثر ما سمعنا من الأكاذيب والافتراءات على أثَر محاولة الانقلاب الثانية على الملك الحسن الثاني؛ تلك المحاولة التي قام بها "الطيارون" في غشت 1972 ! فقد قامت مجموعة من الضباط باعتراض طائرة البوينغ التي كانت تقلُّ الملك في طريق عودته من رحلة إلى فرنسا، وحاولوا عبثاً أن تجبر الطائرة على النزول في قاعدتهم في القنيطرة. ولقد قاموا بأكثر من محاولة لإسقاط الطائرة الملكية. وألحقوا بها إصابات كثيرة، لكنها أفلحت في النزول في مطار العاصمة. وشاءت الأقدار أن ينزل منها الملك وهو سليم معافى. وحينذاك، هاجم الانقلابيون القصر، وقنبلوا بنايات كثيرة فيه، لكن بعض الوحدات العسكرية أفلحت في الاستيلاء على قاعدتهم، واعتقال كل من كان فيه. واتهم الجنرال أوفقير بأنه المدبر لتلك المحاولة الانقلابية الفاشلة، فتم قتله في اليوم نفسه. فما أكثر الروايات الوهمية التي راجت يومها عن المدبرين لتلك المحاولة الانقلابية الجديدة وعن بركة الملك، وعن شتى التمائم والتعاويذ التي يتقلدها على الدوام؛ تلك الرقى التي يعدها الفقهاء بالاستعانة بشمهروش، ملك الجن. إنها ترسانة كاملة من الرقى الخارقة، الحصينة، من قبيل تلك التي سلمها إليه الباشا الكلاوي قبل وفاته، تلك "التباريد" المعلومة، التي من شأنها أن تحصن المرء من الرصاص، فلا ينفذ إليه. وفي ذلك الخضم من الشائعات، مرت واحدة من غير أن ينتبه إليها أحد؛ وهي التي كانت تتحدث عن معتقل عسكري كان يجري بناؤه في الصحراء. ويسمى تازمامَّرت.
حل الطيارون محلنا من السجن العسكري للقنيطرة، وبعد المحاكمة جرى ترحيلهم، مثلنا، إلى السجن المركزي. وبذلك، اكتملت الحلقة.
كان المكان ضيقاً لا يسع الجميع، فأنزلتنا الإدارة في جناح المحكومين بالإعدام؛ فهل تراها كانت إشارة من القدر؟ فلما تم الإفراج عن أولئك، من بيننا، المحكوم عليهم بعقوبات هينة، أي ثمانية عشر شهراً، بات المكان يتسع للباقي. فجرى حينها، في جوف الليل، نقل الطيارين إلى القاعات التي باتت شاغرة. وبتنا ليلتها متحرقين أن يسفر الصباح لكي نراهم، وبتنا نفكر كيف سيتسنى لنا أن نقترب منهم. واجتمع شملنا يومها؛ طيارين ومشاة. وقد كنا نؤمل أن تسير الأمور نحو الأفضل؛ لكنها ستسير إلى الأسوأ.
لم نعرف بعضنا يومها، ولن يتسنى قط لنا أن نتعرف على جيراننا الجدد بغير السمع. ففي منتصف الليل، وفي جو الحرارة الخانق لشهر غشت 1973، غشي سربٌ من رجال الشرطة والدرك العمارةَ، وفتحوا الزنازن واحدة فواحدة، وعصبوا أعيننا، وقيدونا، وحملونا في شاحنات كانت متوقفة في فناء السجن. لم يسبق لي أن رأيت انتشاراً لمثل تلك القوة، حتى أثناء تلك الأحداث. ومن المؤكد أنهم قد أعدوا لتلك العملية بإحكام؛ فهي لم تستغرق غير وقت يسير. وما هي إلا هنيهة، حتى أفرغت الزنازن، وجرى نقلنا، وبدأت الشاحنات تأخذ طريقها صوب القاعدة الجوية؛ حيث تجثم بعض الطائرات العسكرية على أهبة الإقلاع. وفي الفجر، أُنزلنا في مكان لم نكن نعرفه، ولم يكن بوسعنا أن نراه بأي حال : إنه مطار الرشيدية. وهنالك كانت شاحنات أخرى، عسكرية، في انتظارنا. فنقلنا فيها صوب المجهول.
وعندما توقفت الشاحنات، سمعت ضجة باتت مألوفة لديَّ؛ تلك الضجة التي تُحدثها أقفال أبواب الزنازن؛ ضجتان قصيرتان وشديدتان، "طاق طاق"، يعقبهما صدى يتردد كما صنجة في قرارة بئر أو مغارة. فلما حان دوري، شدت على كتفي يدان، وأوقفتاني. فتقدمت مترنحاً في الشاحنة. فلما بلغت الحافة، قذفتا بي بعنف في الفراغ. انقطعت أنفاسي لبرهة، في خضم من التشوش الشامل. وتسارعت أفكاري، وصرت لا أكاد أشعر بجسدي. لقد كان ذلك حقاً بفعل الخوف. فما أوشكت على السقوط، تلقتني أربعة أذرع شديدة، فأمسكت بي، ووضعتني فوق أرض بدت لي ناعمة. وقبل أن أعود إلى رشدي، وجدتني أمام ما سيصير، منذ ذلك الحين، قبرَ حياتي. إنها الزنزانة 13.

عزيز بنبين : تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت-3-

 عزيز بنبين : تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت




ولد عزيز بنبين بمراكش سنة 1946 . عاش مخضرماً؛ يجمع بين المدرسة الفرنسية الحديثة والمدينة العتيقة في مراكش، وبين صرامة الأدب الحديث ومتخيَّل الحكاية الشرقية. أمضى عشرين سنة رهينَ السجن، سلخَ منها ثمانية عشرَ في معتقل تازمامَّرت.
فقد أُقحِم الضابط الشاب في المحاولة الانقلابية التي دارت وقائعها في قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، ثم قُدم إلى محاكمة تعسفية، ليُلقَى به في المعتقل العسكري الرهيب، الذي نبت يومها في قلب الصحراء المغربية...
لقد أقبِر صاحبنا طوال عقدين من الزمن، في زنزانته رقم 13، التي لم تكن تزيد عن قبو إسمنتي بسعة مترين على ثلاثة. لا تطرقه عليه غير العقارب والأفاعي والرتيلاءات والصراصير. وظل المعتقل الشاب يكابد مصيره، كسيزيف وكأنتيغون. وظل يتسلح بإيمانه على مغالبة ذلك الجحيم، الذي يؤثثه العذاب والجنون والموت، ليس له فيه من وسيلة للاتصال بالحياة غير السمع، فجعل يكرس نفسه لرفاقه في المأساة، ويجعل من نفسه لهم حكاءً أو بائع أحلام...
ويعود عزيز بنبين، ههنا، ليرفع هذا القبر المؤلم الممض من الكلمات، تمجيداً لكل واحد من إخوته ضحايا تازمامرت. ويضع شهادة نفيسة عن كابوس سجني حديث. إنها قصة تضرب عميقاً في أغوار الطبيعة البشرية، وتشحذ قوة الإيمان والخيال الفائقة في مواجهة الوحشية الكاسرة.
دخلت القصر من ردهة ملتوية، واجتزت باباً، ألفيتُني بعده في قاعة فسيحة الأرجاء تطل على الشاطئ، يحيط بها زجاج كبير يقيها دخولَ الريح والرمل. كان المكان فارغاً. فأين كان الملك؟ تُراه أفلح في الالتجاء إلى مكان ما؟ ومن الجانب الآخر دخل مجموعة من التلاميذ، فحيوني بطريقة آلية، من غير أن يهتموا لأمري، ثم مضوا في سبيلهم. فمن أين جاءوا؟ وإلى أين يمضون؟ لم يكونوا هم أنفسهم يعلمون شيئاً. وفجأة، جاءني أحدهم، وقال لي : "هل تعلم، أيها الملازم أول، أن هذا الزجاج مصفح؟ انظر!". ورشقه بطلقات من رشاشه، وهز رأسه : "أرأيت!". ثم مضى ليلتحق برفاقه، الذين كانوا قد غادروا المكان.
كنت بقدر حيرتهم وضلالهم. فواصلت سبيلي، وآثرت إلا أخرج من أول باب يُتفق لي. لم أكن أشعر بارتياح في ذلك المكان، المقفر على غير العادة، المحفوف بصخب الموت وبشك وريبة طاحنين. في الخارج كانت الأجساد متناثرة في جل الأرجاء : أجساد لتلاميذ قد اختلطت بأجساد المدنيين؛ من رجال الأعمال الأثرياء، ورجال السياسة المتنفذين، وعبيد القصر البسطاء، قد باتوا جميعاً سواسية في الموت.
وجدتني، فور ذلك، على جانب ملعب الغولف، بقرب ما أظن أنها كانت المطابخ. وهناك كان اعبابو، يرافقه ضابط صف وأربعة تلاميذ. كان هائماً على وجهه، كروح معنَّاة. وكان شاحباً، يطوي ذراعه الجريحة. لم ينظر إليَّ. كان يبدو شارداً. فسرت من خلفهم أقفو خطاهم. وفجأة نهض رجل، كان منبطحاً على بطنه، وصاح في اعبابو حانقاً :
- اعبابو، ما هذا؟
فدنا أحد التلاميذ من الرجل، وأمسك بذراعه، لكن الرجل تخلص منه بعنف، واستمر يصب جام غضبه على الكولونيل:
- ماذا كان اتفاقنا؟
نظر إليه اعبابو نظرة شاردة، ثم أجابه في شيء من الرقة :
- أأنت هذا، أيها الجنرال؟ أين الملك؟
- قل لي أولاً ماذا تفعل ههنا، وفي هذه الساعة؟ ما هكذا كان اتفاقنا!
لقد بدا واضحاً أن الجنرال المذبوح لم يكن يريد أن يجيب عن سؤال الكولونيل؛ فقد كان حدسه يحدثه أن تلميذه غدر به. وبدا أن خللاً قد أصاب آلية الانقلاب الذي دبرا له هما الاثنان. غير أن المذبوح كان يعلم أن الملك كان يلبد في غرفة داخلية، أسفل الصالونات، مختبئاً ومعه الجنرال أوفقير ووالدي، الذي لم يكن يفارق سيده في أوقات الاستراحة. ولربما كانوا ثلاثتهم يبتهلون إلى الله ألا يجعل أحداً يفكر في الذهاب للنظر خلف ذلك الباب الخفي. ولو أنه كشف للكولونيل عن المخبإ، فما كان مستيقناً أنه لا يزال قادراً على التحكم في الكولونيل. لقد بات يشعر أنه لم يعد له من سلطان على الوضع. فكان ينظر إلى فتاه، كما المعلم ضبط تلميذاً بالجرم المشهود. ولقد انزعج اعبابو من سلوك مخاطبه، أكثر مما انزعج من عدم الحصول منه على جواب عن مخبإ الملك. وكان موقفه الغريب يظهر أنه بات مدركاً أنه خسر اللعبة.
وفجأة أمسك بذراع الجنرال، وجذبه نحو غيْضة، وهو يهمهم :
- تعال أيها الجنرال، ولنتفاهم!
ثم التفت إلى التلاميذ الذين كانوا بقربه، وأومأ إليهم أن يتبعوه. وإن هي إلا هنيهنة، حتى سُمع صوت طلق ناري. ثم عاد الكولونيل، يتبعه التلاميذ، من دون المذبوح.
في تلك اللحظة كان الجميع مرتاباً في الجميع؛ فجنرالات يغدرون بجنرالات، وجنرالات يغدرون بملكهم. وغاب عن الجميع أن القدر كان هو سيد اللعبة.
ولقد شكرت للسماء أن بقيت بمنأى عن تلك التصفية للحسابات. فما أكثر ما راودني، أثناء اعتقالي، سؤال : لو أنني كنت في موضع أولئك التلاميذ، وقد أعطيَني الأمر بإطلاق النار على أحد الأشخاص، وليكن الجنرال، فماذا كنت سأفعل؟ هل كنت سأجد الشجاعة لأرفض، مع احتمال أن يكون فيه مقتلي، أم كنت سأجبُن، فأنفذ الأمر؟ ولقد جنبني الله تلك المحنة. كيف كان يمكن لي أن أعيش مع ذلك العبء المثقل على ضميري؟ كلا، إنني لن أدين أولئك الذين وضعهم حظهم العاثر في المكان الخطإ، في الوقت الخطإ. فليغفر لهم الله، وليرحم الضحايا.
لقد وعيت بالحظ الذي قيِّض لي، وأدركت خطورة الوضع الذي كنت فيه، فقررت التعجيل بالابتعاد قدر الإمكان عن قائدي. فقد صرت حينها أمتلك تصوراً واضحاً لما جرى : لقد شاركنا في انقلاب، يبدو أنه مُني بالفشل. لقد كان كل شيء في وضع الكولونيل، وفي الوضعية الميدانية يصرخ لي بتلك الحقيقة. فلم أكن راضياً، وأحسستني ساخطاً على الطريقة التي جرت بها الأحداث. وحدثت نفسي، حينها، أنه مهما كانت النتيجة، "فلقد حزمت أمري، وقررت أن أهرب"، كما تقول الأغنية.
قصدت موقف السيارات، وبحثت عن سيارة مدنية، فوقعت على واحدة من نوع فياط 600، ووجدت المفاتيح فوق لوحة القيادة. فاستعرتها. وابتداء من تلك اللحظة صرت كالبهلون أتقدم فوق حبل مشدود. "كان الشر لامتناهياً من الجانبين". وسواء أكان اعبابو سيفشل أو سينجح، فإنني لم يعد لي بد من الرحيل. لقد كنت بحاجة إلى نصيحة أو مشورة. فقصدت أحد أعمامي، وكان مفوضاً للشرطة، مقرباً من الجنرال. لكنني لم أجده في بيته، ووجدت إحدى بناته، فحكيت لها عن مغامرتي. اقترحت عليَّ أن أستشير أحد أصدقائها، وكان دبلوماسياً ليبياً. فلما التحق بنا الرجل، تولى الأمور بنفسه. فقد نصح لي، في أول الأمر، أن أغادر بيت عمي، لأن وجودي فيه يضر بنا نحن الاثنين. وعرض عليَّ أن يستضيفني في بيته، وأن أمكث عنده إلى أن يتدبر الوسيلة لترحيلي عن البلاد. كان أمراً مأموناً؛ فلن يعن لأحد أن يأتي للبحث عني في بيت دبلوماسي. لولا أن هذه المسألة كانت هي الأخرى تقض ضميري : هل يحق لي أن أقحم أجانب في سقوطي؟ لذلك قررت أن أتولى أموري بنفسي. فطلبت إلى صديقنا أن يرافقني إلى لواء المظليين؛ وفي نيتي أن أسلم نفسي، وأنتظر تتمة الأحداث. فأقلني في سيارته، وأنزلني غير بعيد عن الثكنة. وهناك قدمت نفسي إلى مركز الحراسة، الذي أعلم ضابط المداومة، وقد اتفق أن كان مدربي أثناء فترة تدريبي على القفز بالمظلة. لم يكن الرجل على علم بشيء، فلم يهتد إلى ما يصنع بشخصي. أجملت له الوضعية، وقلت له إنني جئت أسلم نفسي. شعر بالتضايق أكثر من أي شيء آخر، ثم قبل في الأخير. فتناول سلاحي، وأفرغه، وأحصى الرصاصات، وهو الأمر الذي لم يكن للشرطة ولا لقاضي التحقيق أن يتجشما القيام به. ومع ذلك، فقد وضع تقريراً بالأمر، فهو شيء يلزم الضابط أن يقوم به : لم تكن تنقص رصاصة واحدة.
لبثت في مكتب المداومة، من غير أن يوصد عليَّ بابه، وحتى لقد كانوا يقدمون إليَّ طعام العشاء. لقد كانوا جميعاً مترقبين : ماذا سيحدث؟ وهل يكون الانقلاب نجح، مصداقاً لما كان يعلن المذياع؟
وأما الكولونيل، فقد رأى مخططه يمنى بالفشل في الصخيرات، بعد أن أفلت منه الملك، ومات الرجل الوحيد الذي كان بمقدوره أن يقوده إليه، فإذا هو يتوجه بما أمكن له أن يلملم من جنود صوب دار الإذاعة، التي كان يقوم على حمايتها الملازم الطايف، أحد مرؤوسيه السابقين. ولقد حاول الطايف أن يمنعه من الدخول، فأرداه فتيلاً فوق درج المدخل. فلما استحكم له الأمر، أجبر ملحناً مغربياً ذائع الصيت على أن يتلو على أمواج الإذاعة، خطاباً يعلن نهاية ملك الحسن الثاني واستيلاء العسكريين على السلطة. ثم توجه إلى قيادة الأركان العامة في الرباط، مؤملاً أن ينضم إليه سائر وحدات الجيش الملكي المغربي. فمني هناك بخيبته الأخيرة. وأدرك حقيقة الأمر؛ فلم يكن أحد ليتبعه. فقد علمت هذه الوحدات أن الملك كان لا يزال حياً يرزق، وتلقت الأمر بالزحف على الرباط. وأما الجنود الذين سمعوا، وهم لا يزالون في الصخيرات، بتلك التعليمات، ونفذوها، وإن يكونوا متورطين بدرجة معينة في العملية، فقد تخلصوا من الأمر بذكاء، وأما الآخرون فدفعوا فيها حياتهم. وأما اعبابو، فقد وجد نفسه وحيداً في قيادة الأركان. وما أسرع ما طوقته الوحدات المسلحة للعاصمة. فاستسلم التلاميذ الذين كانوا وإياه من غير مقاومة؛ ومنهم من تعرض للتقتيل على الرغم من استسلامهم، بأمر من ضباط شديدي حماس وجسارة ليأمروا بإطلاق النار على أسرى عزل. وظهر، حينها، الجنرال البشير، وهو يومها قائد الأركان، فغامر، على رأس وحدة، باحتلال مركز القيادة، من غير أن يلاقي مقاومة. ونادى على المتمرد بقوله :
- اعبابو، أيها النذل، سلم نفسك، وإلا جئت لأركل مؤخرتك!
فكان رد اعبابو أن أفرغ ما تبقى لديه من ذخيرة في جسم الجنرال العجوز، الذي أطلق النار هو الآخر، فأصابه إصابة بليغة. وترنح اعبابو، وهو يدرك أن كل شيء قد انتهى بالنسبة إليه، لكنه كان يرفض أن يسلم نفسه حياً. فالتفت إلى المخلص له عقا، وأعطاه آخر أوامره:
- أجهز عليَّ!
ومن المؤكد أن عقا كانت لديه تعليمات واضحة بهذا الشأن، فلم يتردد برهة. فقد سدد رشاشه الثقيل، الذي كان يمسكه بكلتا يديه، إلى سيده، وأطلق عليه النار، قبل أن يقفز من على السور، ويختفي وسط الأشجار.

عزيز بنبين .. تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت .. 02

 عزيز بنبين .. تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت .. 02




ولد عزيز بنبين بمراكش سنة 1946 . عاش مخضرماً؛ يجمع بين المدرسة الفرنسية الحديثة والمدينة العتيقة في مراكش، وبين صرامة الأدب الحديث ومتخيَّل الحكاية الشرقية. أمضى عشرين سنة رهينَ السجن، سلخَ منها ثمانية عشرَ في معتقل تازمامَّرت.
فقد أُقحِم الضابط الشاب في المحاولة الانقلابية التي دارت وقائعها في قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، ثم قُدم إلى محاكمة تعسفية، ليُلقَى به في المعتقل العسكري الرهيب، الذي نبت يومها في قلب الصحراء المغربية...
لقد أقبِر صاحبنا طوال عقدين من الزمن، في زنزانته رقم 13، التي لم تكن تزيد عن قبو إسمنتي بسعة مترين على ثلاثة. لا تطرقه عليه غير العقارب والأفاعي والرتيلاءات والصراصير. وظل المعتقل الشاب يكابد مصيره، كسيزيف وكأنتيغون. وظل يتسلح بإيمانه على مغالبة ذلك الجحيم، الذي يؤثثه العذاب والجنون والموت، ليس له فيه من وسيلة للاتصال بالحياة غير السمع، فجعل يكرس نفسه لرفاقه في المأساة، ويجعل من نفسه لهم حكاءً أو بائع أحلام...
ويعود عزيز بنبين، ههنا، ليرفع هذا القبر المؤلم الممض من الكلمات، تمجيداً لكل واحد من إخوته ضحايا تازمامرت. ويضع شهادة نفيسة عن كابوس سجني حديث. إنها قصة تضرب عميقاً في أغوار الطبيعة البشرية، وتشحذ قوة الإيمان والخيال الفائقة في مواجهة الوحشية الكاسرة.
لقد سبق للكولونيل اعبابو والجنرال المذبوح أن دبرا لمحاولة انقلاب أولى أثناء مناورات شبيهة أجريت في الحاجب، غير بعيد عن مدرسة أهرمومو، خاصة ملحقتها التي في صفرو. في ذلك الوقت، كان تلامذة صفرو ومؤطروهم قد أمِروا بالتوجه إلى الحاجب، معززين ببعض العناصر من عندنا، للمشاركة في تلك المناورات. ولم أكن يومها بين الجنود. ولقد جرى الإعداد لكل شيء؛ فتشكلت الكوماندوهات، وتجهزت الوحدات بعرباتها وأسلحتها وذخيرتها. وفي اللحظة الأخيرة، جاء الأمر بتفريق الصفوف، فقد ألغيت مشاركة المدرسة. والحقيقة أننا علمنا في وقت لاحق، بعد أحداث الصخيرات، أن الملك توجس يومها خيفةً من شيء يدبَّر له، أو يكون إنما تقاعس بسوء الطقس، فألغى مشاركته في اللحظة الأخيرة. فأحبطت العملية، لكنها لم تُلغَ، وإنما أجلت إلى حين. ففي 9 يوليوز 1971، جاءنا الأمر صباحاً بالاستعداد لنجري، في اليوم الذي بعدُ، مناورات بالذخيرة الحية في بنسليمان، على بعد كيلومترات معدودة من قصر الصخيرات.
أمضينا النهار بطوله نعد العدة، ونكوِّن التشكيلات، وننادي على الجنود بالأسماء، ونتحقق من أمتعتنا، ونوزع المؤن والأسلحة والذخيرة. لقد كانت مهمة صعبة، لأن الرجال لم تكن لهم تجربة في التمرُّن على الرصاص الحي؛ بل إنهم لم تكن لهم أي تجربة على الإطلاق. ومعظمهم لم يكن مضت ستة أشهر على التحاقهم بالخدمة. بل كان ما هو أسوأ؛ فلم يكن أي واحد منا، في ذلك اليوم، يتولى قيادة جنوده.
وفي المساء، كانت قد اكتملت كل الاستعدادات، وقد كانت جرت إعادة التمرين بضعة أشهر قبل، لكن ليس بالأفراد أنفسهم؛ وأما تلك المرة، فنحن الذين وقع عليه اختيار القدر. وبعد نهار من العمل الشاق، وجدنا أنفسنا على مائدة الضباط للعشاء، في لباس القتال بطبيعة الحال، وبأيدينا أسلحة وذخيرة. وإذا طبيب المدرسة، وهو ملازم فرنسي في مقتبل العمر، يدخل علينا، ويصيح بنا : "رباه، هل ستقومون بانقلاب؟". فقوبلت ملاحظته بانفجار ضحكة عامة. لكن شكاً صغيراً تولد لدينا حينها، وإن لم نصرح به لبعضنا.
وفي اليوم الموالي كان كل فرد قد اتخذ موقعه. وبدأ الموكب بالتحرك في الصباح الباكر. وكان يتألف من عشرين شاحنة محملة بالرجال، يتقدمهم ضابط وضابط صف. وفي مقدمة الموكب كما في مؤخرته، يوجد من كان يسمى الكوماندوهات؛ وقوامها سيارات جيب خفيفة، بعضها زودت برشاشات ثقيلة من نوع "/712"، وزودت الأخريات بمدافع مضادة للذبابات. وقد جعِل على كل سيارة جيب أربعة جنود، معظمهم عملاء للكولونيل. وقد علمنا في ما بعد، أن بعض هذه الوحدات الخفيفة كانت مكلفة بمهمة خاصة جداً : أن تحرص على ألا يخرج جندي أو تخرج سيارة من التشكيلة. وقد أعطيها الأمر بإطلاق النار على أولئك الذين ربما عنَّ لهم أن يخرجوا للتجول في تلك الأنحاء.
قطع الموكب مسافة ثلاثمائة كيلومتر الفاصلة بين أهرمومو والعاصمة، من غير أن يساور أفرادَه قلق، أو يلاقيهم درك أو شرطة، أو تلاقيهم من مراقبة على الإطلاق، وهو ما أمرٌ أقلُّ ما يقال عنه في بلادنا إنه غريب. فلما بات الموكب على مبعدة بضعة كيلومترات من الرباط، قريباً من الموقع الصغير المسمى بوقنادل، توقف الموكب عند مؤخر غابة. وتلقى الضباط وحدهم الأمر بالنزول. كان اعبابو هناك بانتظارنا، ومعه أخوه محمد، الذي كان يكبره سناً، لكنه كان دونه كفاءة. وكان هنالك، أيضاً، أشخاص آخرون لم يسبق لنا أن رأيناهم، كانوا من ضباط الصف. وسنعرف في وقت لاحق أنهم أفراد من عائلة الكولونيل. ألقى إلينا بالأوامر لإتمام المهمة : سيقسم الوحدة إلى موكبين، يتولى هو قيادة أحدهما، ويتولى أخوه قيادة الآخر. وينبغي لكل موكب أن يدخل من باب، وينزل إلى المماشي، ولا يطلق النار إلا بأمر، وأن يمنع أياً كان أن "يخرج".
لكن يخرج من أين؟
ويجدر بي أن أتوقف ههنا لأوضح أمراً أساسياً، أختلف فيه عن رفاقي، وهو المتعلق بمكان العملية. فأما أنا فقد سمعت مَن فاهَ بكلمة "قصر". وأما هم، فمنهم من زعم أنهم سمعوا عبارة "مكان المناورات". وكان هنالك آخرون، يقرون بسماعهم كلمة "قصر"، لكن يزيدون إليها توضيحاً أن "الملك كان في خطر"! فأين كان، لا الحقيقة، بل الواقع؟ فالزمن والأحداث كثيراً ما يبدلان من ذكرياتنا عن الوقائع.
لقد انطلقت آلة القدر، ولسوف تسحق كل المشاركين في تلك المأساة. فلن يفلت منها واحد بسلام.
***
كان قصر الصخيرات هو الإقامة الصيفية للملك، وفيه يحتفل بأعياد ميلاده التي توافق أعيادَ الشباب. ولقد أقبل على القصر في ذلك اليوم سائرُ من في البلاد من شخصيات من عوالم السياسة والدبلوماسية والجيش والأعمال، واجتمعوا من حول الملك. وجُعل على المدخل رجال الدرك، يرافقهم جنود من الحرس الملكي، ليقوموا بمهام الحراسة. فلما رأوا الموكب، رفعوا الحاجز، ووقفوا استعداداً لتلقي الأمر. فدخلنا، من غير أن ينتبهوا إلى أن الأمر الذي كان بحوزتنا كان شيئاً ملفقاً، وأن الملك لم يكن له علمٌ بتلك المناورات!
الممشيان اللذان طلعنا منهما، كانا يوجدان في طرفي القصر من الناحيتين الشمالية والجنوبية. وبينهما يمتد ملعب للغولف على مساحة معشوشبة فسيحة، تناثر عليها بعض الحُريجات، وبعض الأشجار اليتيمة؛ حيث كان يجري الاحتفال بعيد ميلاد الملك، في خليط عجيب ومزدحم، قد اجتمعت عليه نخبة البلاد. وفي المؤخرة تقوم بناية شديدة الطول، تضم مجموعة من القاعات الكبيرة، تطل، في ناحية الشمال، على الحجرات الملكية وملحقاتها. وأما الواجهة الغربية فتتخللها خلجان كبيرة مزججة تطل على الشاطئ الخاص. فيما كانت الواجهة الشرقية مغلقة من كل ناحية، وتطل على ملعب الغولف. وفي هذه الصورة التي كانت عليها تلك الأمكنة بعض تفسير للمذبحة التي وقعت في ذلك اليوم.
كان الدرس القتالي الأول الذي أعطيَ إلى التلاميذ أن عليهم، في حال تعرضوا لكمين، وتعرضوا لإطلاق نار من العدو، أن يندفعوا من الشاحنات ويردوا على الهجوم. ومن أسف أنهم نفذوا هذه النصيحة من غير تفكر ولا تمعن...
دخل الموكب الذي يتولى قيادته أخو اعبابو هوالأول من البوابة الشمالية، وتقدم حتى جاء الملعب المعشوشب؛ حيث ضيوف الملك متجمعون. وأما نحن فكنا على الجانب الآخر، نستعد للنزول. وفجأة سُمعت رشقة رصاص. أتكون نوبة هلع استبدت بأحد التلاميذ؟ إنه لغز محيِّر. فكانت بداية البلبلة. وإذا التلاميذ ينفذون التعليمات، فيندفعون من الشاحنات، ويشرعون جميعاً في إطلاق النار. وقد حاولنا بكل الوسائل أن نجعلهم يتوقفون، لكن عبثاً حاولنا. ولم يكن لنا حيلة إلا أن ننبطح أرضاً، لتحاشي الإصابة برصاصة طائشة. كان الرصاص ينهال طوفاناً من رتلي الشاحنتين اللذين كان يطوقان المكان، فكانت مذبحة على الجانبين؛ فالطلقات المتقاطعة حصدت الأشخاصَ الذين لبثوا واقفين في ملعب الغولف، كما حصدت تلاميذ كثراً، لم يُكشَف عن عددهم بعد الأحداث، لكن ما يزيد عن مائتين منهم سقطوا برصاص رفاقهم.
وما أسرع ما عمت الفوضى الأرجاء. فما عاد لأحد أن يتحكم في أحد، ولا عاد أحد يهتدي إلى ما يفعل. وحتى لقد اعبابو نفسه كل تحكم في الوضعية، وما كاد ينزل حتى تعرض لرصاصة نفذت في كتفه. ورأيت بعض التلاميذ يسقطون أمامي، فتعذر عليَّ أن أعرف حتى إن كانوا من تلاميذي. لقد استولت عليَّ الحيرة. وعبثاً أطلقت عقيرتي بالصراخ، فلم يستمع إليَّ أحد. أردت، أو كان يفترض بي، أن أدعوهم بأسمائهم، لكني لم أكن أعرفهم. فلقد أعطونا تلاميذ غير تلاميذنا، فقلصوا علينا نطاق المبادرة. فكانت الكارثة.
ثم توقف الرصاص، وما توقفت البلبلة والاضطراب. ثم نهضت لأجمِّع وحدتي، لكن ماذا بقي منها؟ لم يسعني أن أعرف، فاللائحة قد بقيت في الشاحنة. وأي شاحنة؟ وحده السائق كان يمكنه أن يخبرني، لكن لاسبيل إلى الاهتداء إليه، فلقد اختفى. ومن دون لائحة، كان يتعذر عليَّ الاهتداء إلى التلاميذ الذي لم أكن رأيتهم إلا مرة واحدة مساء اليوم الذي قبلُ.
تملكتني الحيرة والتلف، فقررت أن أقوم بجولة عساي أفهم ما حدث. فلم يعد يساورني شك حينها، بشأن الهدف من تلك المغامرة التي أُقحمت فيها. وكان المشهد مريعاً : أجساد ترقد في كل مكان، قد نزفت حتى آخر قطرة من ذمائها. تلك كانت أول مرة أرى فيها ميتاً عن قريب. والأشد قسوة عليَّ كان أن أقع على جثة لتلميذ من تلاميذي؛ فهذا كنت أعرفه، وهذا ثمت بكوينه وتدريبه، وما كان إلا فتى صغيراً. فأعظم بها من خسارة!

تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت-1-

 تازْمامَّرْت .. تازْمامَوْت




ولد عزيز بنبين بمراكش سنة 1946 . عاش مخضرماً؛ يجمع بين المدرسة الفرنسية الحديثة والمدينة العتيقة في مراكش، وبين صرامة الأدب الحديث ومتخيَّل الحكاية الشرقية. أمضى عشرين سنة رهينَ السجن، سلخَ منها ثمانية عشرَ في معتقل تازمامَّرت.
فقد أُقحِم الضابط الشاب في المحاولة الانقلابية التي دارت وقائعها في قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، ثم قُدم إلى محاكمة تعسفية، ليُلقَى به في المعتقل العسكري الرهيب، الذي نبت يومها في قلب الصحراء المغربية...
لقد أقبِر صاحبنا طوال عقدين من الزمن، في زنزانته رقم 13، التي لم تكن تزيد عن قبو إسمنتي بسعة مترين على ثلاثة. لا تطرقه عليه غير العقارب والأفاعي والرتيلاءات والصراصير. وظل المعتقل الشاب يكابد مصيره، كسيزيف وكأنتيغون. وظل يتسلح بإيمانه على مغالبة ذلك الجحيم، الذي يؤثثه العذاب والجنون والموت، ليس له فيه من وسيلة للاتصال بالحياة غير السمع، فجعل يكرس نفسه لرفاقه في المأساة، ويجعل من نفسه لهم حكاءً أو بائع أحلام...
ويعود عزيز بنبين، ههنا، ليرفع هذا القبر المؤلم الممض من الكلمات، تمجيداً لكل واحد من إخوته ضحايا تازمامرت. ويضع شهادة نفيسة عن كابوس سجني حديث. إنها قصة تضرب عميقاً في أغوار الطبيعة البشرية، وتشحذ قوة الإيمان والخيال الفائقة في مواجهة الوحشية الكاسرة.
كنت أحلم أن أكون صحافياً، أو كاتب سيناريوهات، فصرت عسكرياً. وكنت حفيداً وابناً لجليس ملوك، فصرت سجيناً. لكن، وكما يقول المثل، «العبد في التفكير والرب في التدبير».
كانت أمي بنتاً لقبطان جزائري في الجيش الفرنسي، قدم إلى المغرب في ما بين 1912 و1915 في ركاب جيش الحماية، الذي جاء يحمل التهدئة إلى البلاد. ثم أصبح ضابطَ اتصال بالأهالي، وفيها كان مقتله. فقد تعرض للتسميم بأيدي الأعيان المغاربة، لخشيتهم من هذا الجندي الفرنسي، والعربي المسلم، مثلهم، أن يسلبهم مكانهم. وليلقى حتفه في خدمة فرنسا؛ فارساً يتقلد وسام الشرف، والوسام العسكري، ووسام صليب الحرب، ووسام الاستحقاق، وهلم جرا... كانت أمي في الثامنة من عمرها، فأصبحت ربيبة الأمة. وفي الثامنة عشرة، تزوجت بوالدي. وكان ابناً لعازف يعيش في قصر الكلاوي، باشا مراكش الشهير، وقد كان له أخلص الرفقاء.
وأما والدي، فقد كان عالماً؛ أي فقيهاً في الأمور الشرعية في أرض الإسلام؛ حيث كان الدين والعلم مقترنين على الدوام، لا يفترقان، ولا يزالان مصدرين للسلطة والثراء، ولاسيما عندما يكونان يتنفسان تحت جناح "الأمير" الراعي والسخي.
وما كان لوالدي أن يشذ عن هذه القاعدة.
كان علمه وثقافته الواسعة يهيئانه ليدخل في خدمة كبراء البلاد. فخدم، أولاً، باشا مراكش الشهيرَ، الكلاوي، ثم دخل، بعدئذ، في خدمة الحسن الثاني، وأصبح مقرباً إليه. لم يكن له من مهام رسمية غير مرافقة الملك، فكان يراه صباح مساء، وفي أوقات شديدة الخصوصية، يكون فيها الملاك ينعم بالراحة والاسترخاء. ولقد أمكن لوالدي، بفضل قوة ذاكرته، وذلاقته الباهرة، أن يأخذ بنصيب من الأدب والشرع. فكان يحفظ القوانين المدنية والقوانين الإسلامية عن ظهر قلب، ويحفظ كتب النحو العربي والبلاغة، ويجيد اللغة العربية والأمازيغية والفرنسية. وتوج تلك المعارف بأن انبرى يحفظ الشعر العربي كله، بداية من العصر الجاهلي. وقد كان في شبابه يصادق أحد كبار الشعراء المغاربة، ذلك هو ابن إبراهيم، "شاعر الحمراء"، نسبة إلى لون مدينته مراكش. وقد كان شاعرنا لا تواتيه القريحة بجياد القصائد إلا وهو ثملٌ؛ ومن أسف أن كان إذا طلع عليه النهار يتبخر ما أنشأ من قصائد كما تتبدد عنه الثمالة. ولكي يتدارك هذا النسيان، كان يدعو إليه والدي، الذي لم يكن يشاركه شربه. ثم يأتيه في اليوم الموالي ليبيعه القصائد الذي هو صاحبها. فقد كان والدي يحفظها ما أن يسمعها أول مرة. فلما التقى أمي، أحبها من أول نظرة، وتزوجها، من غير أن يصارح تلك الفتاة العصرية بأنه كان متزوجاً من امرأة أخرى.
بقيت حتى سن السادسة عشرة أحمل الجنسية الفرنسية، من جانب أمي. فلما استقلت الجزائر، في 1962، اختارت لها الجنسية المغربية، فذلك كان الشرطَ لكي ترتقي إلى درجة المفتش المالي. وأما أنا، فقد اتخذت، بطبيعة الحال، الجنسية المغربية، فهي جنسية والدي، المغربي القح، الجامع بين الثقافتين الأمازيغية والعربية، فهو يعود بأصوله إلى الجذرين معاً. فلما حصلت على شهادة الباكالوريا، وحان الوقت لاختيار مهنة، كان أيسر الحلول أن أجري امتحان الأكاديمية الملكية العسكرية. فكنت ضمن الفوج الأول من الخريجين الذين التحقوا بهذه المؤسسة الراقية، وكنت سأصير ضابطاً، وهو ما كانت ستفخر به أمي كثيراً. لكنه فخر لن يعمر طويلاً، فبذلك جرت المقادير. فقد وقع حادث تافه، لا يزيد عن مشاداة طلابية، جعلتنا، في البداية، تحت رحمة الكولونيل اعبابو، فقضى بتحول كارثي على حيواتنا، وصيرنا المسوِّدين لأسود صفحة في تاريخ بلدنا الحديث.
وعند نهاية السنة الأكاديمية الأخيرة، سنة 1970، كان لنا حق في العطلة، كجري العادة منذ أجيال، بيد أن المدير قرر، من غير سبب معقول، أن يحرمنا تلك العطلة، ويرسلنا لنجري تدريباً على الآليات لم يكن فيه من نفع. وقد أحسسنا في ذلك الإجراء ظلماً كبيراً، فهربنا من التدريب. وعند الدخول، كان الإجراء التأديبي، وبدلاً من أن نعيَّن، والفوج السابق علينا في مختلف الهيئات العسكرية، كما جرى به العرف، عُهِد بنا إلى الكولونيل اعبابو، المعروف بقسوته. فتم تعييننا في أهرمومو بصفة الضباط المدرِّبين.
أهرمومو قرية صغيرة في الأطلس المتوسط، تقوم في سفح جبل بويبلان. الشتاءات فيها باردة صقيع، والأصياف حارة خانقة. والمدرسة تقوم في طرف القرية، فوق تلة تطل على سفح شديد الانحدار، لا تفتأ الرياح تكنسه وتكشطه. وقد كانت المدرسة تضم قرابة ألفين من التلاميذ، زيادة على الأفراد المؤطرين وأسرهم. وقد كانت هذه الساكنة تبعث الحياة في القرية، ويقودها الكولونيل اعبابو بحنكة ودراية، يساعده ضباط أوائل مخلصون مكلفون بشؤون الإدارة. وكان الضباط، أقصدُنا نحن، يقومون بمهام التدريب.
في أهرمومو كان النظام في غاية الصرامة، على التلاميذ، كما على الضباط سواء بسواء. فلم يكن لأحد حظ في معاملة تفضيلية، ولو كان من أشد المقربين إلى الكولونيل. بل إن هؤلاء كانوا يخافون أكثر مما يفعل الأخرون، لأنهم كانوا في المقدمة، فتكون الخسائر عليهم أعظم مما على سواهم. بيد أنهم لم يكونوا جميعاً ينهضون بالمهام نفسها؛ فقد كان منهم المشتغلون بالإدارة، ومجموعة من العملاء المكلفين بأحط المهام. لقد كانت مافيا حقيقية مخلصة قلباً وروحاً لسيدها، يشرف عليها المساعد أول الشهير عقَّا، الذي كان ذراعَ اعبابو اليمنى وعينه وسمعه.
ولئن كان النظام صارماً، فإن الفوائد والحسنات كانت هائلة، وهو شيء كنا له مدركين. وما كان المسؤولون يتوانون عن تذكيرنا به عند الحاجة. لقد أفلتت غالبيتنا يومها من عقوبة قاسية، فأُنزلنا في فيلات جميلة، لا نؤدي عنها كراء، وكنا نطعم مجاناً من على موائد الضباط، وقد توفر لنا كل العتاد العسكري الذي نحن في حاجة إليه، من غير أن يحصى علينا، أو نجبر على تعويضه أو تسديد قيمته إن ضاع أو تلف.
صرنا نتعود السلطة والنظام. لم تكن الأمور كلها خيراً أو كلها شراً، فكان يلزمنا أن نتعلم كيف نميز الفوارق واللوينات، وقد كانت عندنا كثرة كثيرة. وكان يلزمنا، خاصة، أن نتعلم المصانعة والنفاق؛ فلم يكن عنهما غنى لكل راغب أن ينجح في الإدارة، كلزوم إجادة السباحة للبحَّار. وقد كان لدينا في هذه الأمور سيد كبير، قد حاز قصب السبق بين المنافقين والمخادعين : ذلك هو اعبابو، الذي صنع لنفسه أسطورة في القوات المسلحة الملكية. لقد صار أشبه بجحا أو بعلي بابا. كان لصاً شديد البأس، على رأس كوماندو مخلص متفان، كان يغير ليلاً على ضواحي فاس، فيسطو على العتاد الذي بحوزة الجماعات والمقاولات والخواص، ويستولي على كل ما يقع عليه ويكون فيه نفع للحامية، أو تعزيز للبنيات التحتية لضيعات الكولونيل. ولا أستبعد أن تكون عمليات السطو تقع، كذلك، على رؤوس الماشية. فقد كانت جراءة ذلك الكوماندو بلا حدود. وقد كان الرجال عديمو الذمة يحظون، وقتها، بالتقدير. فقد كان الناس ينظرون إلى موت ضمائرهم أنه من الشجاعة، وينظرون إلى أفعالهم من السطو الكبير أنها أعمال بطولية باهرة. لقد كانوا محط إعجاب، وخوف، ويلقون الكثير من التملق، ما لم يلقوا من الحقد. وقد انجذب هؤلاء السادة إلى السلطة، كالذباب ينجذب إلى العسل، فكانوا ينحنون أكثر مما يفعل الآخرون، ليتسنى لهم أن يتخطفوا الكعكة في اللحظة المواتية. وكانوا يتعارفون، ويترابَتون، ويتراقَبون، في حرص على أن يخفوا أنيابهم ومخالبهم.
كان الكولونيل (اعبابو) رجلاً قصيراً، يميل إلى السمنة، بوجه كوجه الدمية، تلوح منه نظرة قاسية وباردة. كان يحب أن يذعن له سائر من حوله، فلم يكن يقعد عن وسيلة لتحقيق هذا المرام، والويل لمن يعترض عليه؛ فقد كان شديد الحقد والضغينة. وليس ببعيد أن تكون تلك الضغينة في نفسه هي التي قادته إلى جنون الانقلاب، لأجل أن يُضيع نفسه ويُضيعنا نحن أيضاً. لقد كان حاقداً على البشرية كلها أن خُلق قصيراً وفقيراً، وما هو بالأمر الصحيح كله؛ فأهل اعبابو كانوا أسرة من الأعيان، قد خرج من بين ظهرانيهم، في الماضي، صدر أعظم. وقد كان والد الكولونيل نفسه "شيخاً" على عهد الحماية، يأتمر بأوامر القايد المذبوح، أبي الجنرال الشهير المذبوح، الذي سيصير العضُد المكين ل "ملك"نا، وسيصير، خاصة، المدبرَ لمحاولة الانقلاب عليه. لكن مهما بلغ اعبابو تميزاً، فقد ظل، مثل أبيه، مرؤوساً لآل المذبوح. فكلما وجد نفسه أمام الجنرال، استيقظت لديه عقودٌ من الخضوع المرير. وقد تأكد من محاولته المشؤومة كم كان يتوق إلى أن يجعل، ذات يوم، تحت جزمته، لا سائرَ آل المذبوح وحدهم، بل وآخرين كثراً، وأن يتخلص - ولِمْ لا - من شخص الملك... فإذا أصبح هو السيد الأكبر ذات يوم... وقد كان يمتلك الوسائل لبلوغ هذا المرام! لقد تخرج من بين الأوائل في دفعته من الأكاديمية العسكرية الملكية، وكان هو الأول في مدرسة قيادة الأركان، ونجح متفوقاً في امتحانات المدرسة الحربية، في فرنسافاستحق على تلك النجاحات أن تُسند إليه قيادة المناورات العامة للقوات العسكرية في مراكش، بمحضر الملك الحسن الثاني. وقد كان يقع على كل وحدة، في أثناء تلك التمارين القتالية، التي جرت على صعيد الجيش كله، أن تتحرك بناء على أوامر مضبوطة جداً، وفي مهام محددة سلفاً، لأجل أن تساند وحدات أخرى أو تعيقها، حسْبما هل تناور بصفة الصديق أو بصفة العدو. ويمكن لتلك المناورات أن يُستعمل فيها الرصاص الحي، أو الرصاص الفارغ. وإنه لفخ رهيب! وكان اعبابو يمثل الجيل الجديد من الضباط المتحدِّرين عن ذلك الجيش المغربي الوليد، وكان أحدَ أنبغ عناصره. ولما كان أول الناجحين في المدرسة العسكرية، فقد كان هو الضابط الأول في ذلك الجيل المؤهل لقيادة مناورات على الصعيد الوطني. ولربما قيض له، في يوم من الأيام، أن يتولى قيادة الجيش. فكان من شأن أي غلطة تبدر منه، مهما كانت هينة، أن تقوض عليه مساره كله. وقد كانت التجربة ناجحة من كل الوجوه؛ فتلقى التهنئة من الملك، ومن سائر أفراد قيادة الأركان. ويومها ولِد قائد جديد، وربما ولدت معه، كذلك، عزيمة قوية ستقلب ذلك الخدر الذي كان يرين على النظام السياسي والاجتماعي في المغرب.

حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير

حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير