السبت، 2 يناير 2021

المانوزي والعسكريون

 قال إن المانوزي كان «مطور».. يجامل المعتقلين العسكريين في حضورهم لكنه يعتبرهم أغبياء وحمقى



سليمان الريسوني
العدد :2380 – 21/05/2014

عندما اقتحمت عليه «المساء» خلوته في باريس، كان يسند رأسه إلى رأس شقيقه بايزيد، يتحاكيان ذكريات يختلط فيها المجد بالمرارة. فوق كرسي اعتراف «المساء»، حكى مدحت «René» بوريكات عن والده التونسي الذي تعلم مبادئ الاستخبارات في الأكاديمية العسكرية بإسطنبول، فقادته إلى الرباط؛ وعن والدته العلوية، قريبة محمد الخامس؛ وعن نشأته وإخوته في محيط القصر الملكي واحتكاكه بالأمراء.. يتذكر مدحت يوم بعثه والده في مهمة خاصة إلى محمد الخامس في فرنسا بعد عودته من المنفى.. ثم اشتغاله في موقع حساس في باريس جعله يتنصت على مكالمات الأمراء والوزراء.. إلى أن سمع ولي العهد يتحدث إلى طبيب والده عن المرض الذي تسبب في وفاة محمد الخامس، والتي يقول بوريكات أنْ «لا علاقة لها بالعملية التي أجريت له على الأنف». في «كرسي الاعتراف»، نتعرف مع مدحت «René» على محيط الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، وعلى علاقة المال بالسياسة، وما يتخلل ذلك من دسائس القصور التي قادته، رفقة أخويه بايزيد وعلي، من قمة النعيم إلى متاهات الجحيم في تازمامارت، وجرجرت والدته وأخته بين دهاليز المعتقلات السرية. تفاصيل التفاصيل التي غابت عن كتابه «ميت حي – شهادات من الرباط 1973 إلى باريس 1992» يستحضرها مدحت بوريكات، الذي فقد 20 سنتيما من طوله خلال 20 سنة من الاعتقال، بقدرته المدهشة على الحكي الذي يجعله، يخرج من دور الضحية ليحاكم جلاده، بالسخرية منه طورا، وبالشفقة عليه طورا آخر.

– ما الذي حكاه لك الحسين المانوزي عن اعتقاله الأول في النقطة الثابتة (PF) التي قلت إنها كانت توجد على يمين طريق زعير في اتجاه عين عودة، والتي أودع فيها المانوزي مباشرة بعد اختطافه واستقدامه من تونس؟
عندما أدخل المانوزي إلى الـ«PF»، في نهاية 1971، التقى بكل من أمهروش عقا وأحمد مزيرك ومحمد اعبابو ومحمد الشلاط (الذين اعتقلوا على ذمة المشاركة في المحاولة الانقلابية على الحسن الثاني في القصر الملكي بالصخيرات في يوليوز 1971)، وكان هؤلاء قد استقدموا من سجن القنيطرة. في هذا الـ»PF» بقي المانوزي وهؤلاء العسكريين إلى غاية 1973 حيث تم إلحاقهم بنا (الإخوة بوريكات) في الـ«PF3»، وهناك سأتعرف على المانوزي الذي حكى لي ما أحكيه لك الآن.
– كيف كانت شخصية الحسين المانوزي الذي تعرفت عليه خلال تجربة الاعتقال بالـ«PF3»؟
كان «مطور».
– سق لنا أمثلة على ذلك..
مثلا، في الـ«PF3»، أصبح صديقا لأمهروش عقا، وحسسه بأنه مع العسكريين في مواقفهم واختياراتهم، لكنه كان يقول لي عنهم بالمقابل: «Des imbéciles» (إنهم أغبياء).
– هكذا كان يتحدث عنهم؟
(يضحك) نعم؛ فعندما كنت أسأله عن سر علاقته بعقا، كان يجيبني قائلا: هؤلاء (أي العسكريون) كلهم أغبياء وحمقى، لا يعرفون أي شيء، ثم يضيف: أنا لا يمكنني أن أقاسمهم أية فكرة، لكن بما أننا في السجن فمن الضروري أن أجاملهم.
– كيف كانت ثقافة المانوزي السياسية وغيرها؟
‏ «Pas mal» (لا بأس بها).. لقد كانت له ثقافة نقابية جيدة. وبما أنني كنت أيضا نقابيا، عندما كنت أشتغل في الاتصالات السلكية واللاسلكية، فقد كنا مرارا نخوض في نقاشات عن النقابة وغيرها. ذات يوم، قال لي المانوزي: لو أنني كنت خارج السجن وأردت أن أعرف تفاصيل الأمور عنكم (الإخوة بوريكات) لذهبت إلى أرشيف حزبنا، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولوجدت كل شيء عنكم.
– هل كان يقول ذلك ليدفعك إلى الحديث عن جوانب ظن أنك كنت تخفيها عنه حول الأسباب الحقيقية لاعتقالكم، وما إلى ذلك؟
لا، أنا لم أكن أخفي عنه ولا عن أي أحد شيئا في ما يتعلق بقضيتنا.
– ماذا كان تعليق المانوزي، باعتباره مناضلا اتحاديا، على المحاولة الانقلابية التي قام به زملاؤكم اعبابو وعقا ومزيرك والشلاط، بما أنه كان مقربا من عقا واعبابو وباقي العسكريين؟
اعبابو لم يكن يحبذ الحديث كثيرا عن المحاولة الانقلابية التي شارك فيها ضد الحسن الثاني، عندما كنا نكون مجتمعين. ربما كان يتحدث إلى المانوزي عن ذلك عندما كانا ينفردان ببعضهما، كما كان يفعل معي أنا.
– ما الذي حكاه لك اعبابو عن «الانقلاب»؟
في البداية قال لي ما كان قد أدلى به في المحكمة من تصريحات، أي أنه لحق بأخيه امحمد ليثنيه عن القيام بانقلاب ضد الملك. لكنني كنت أواجهه بالقول: هذه ليست هي الحقيقة يا اعبابو، فكان يصمت. لاحقا، عندما نشأت الثقة بيننا، قال لي: نحن دائما كنا ضد الحكم، لأننا ريفيون ومثلنا الأعلى هو «الريفوبليك»، الجمهورية التي كان سيؤسسها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي في الريف سنة 1921. وهذا الموضوع لم يكن اعبابو يتحدث إلي فيه على مسمع من شقيقيّ بايزيد وعلي.
– لماذا؟
لأنه كان يخشى من تسرب ذلك، وكان يقول لي وهو يحدثني: خذ حذرك، فأجيبه أنا: أنت من يجب أن يحتاط أثناء حديثه إلى الحراس.
– ما الذي كان يقوله للحراس؟
كان يقول لهم إنه متأكد من أن الحسن الثاني سوف يعفو عنه في أقل من ربع ساعة إن هو التقى به، ليعود إلى عمله السابق. لذلك كنت أحذره بقولي إن ما يفضي لهم به يصل مباشرة إلى الجنرال الدليمي.. (مستدركا) حينها لم يكن الدليمي سوى
كولونيل.
– لنعد. تحدث إلينا عن آخر اللحظات التي قضيتموها (مدحت وبايزيد وعلي بوريكات) في مقر الأركان العامة للدرك «L’état Major» في حي المحيط بالرباط، قبل نقلكم إلى جحيم تازمامارت..
في «L’état Major» كنا نعيش كسجناء فوق العادة.. فكان الدركيون يمدوننا بكل ما نطلبه، وقبيل تنقيلنا من هناك بوقت قليل، جاؤونا بأغطية من نوع «سيمونس»، وكانت هذه، حينها، من أحسن ماركات الأغطية، بالإضافة إلى شراشف بيضاء، كما كانوا يأتوننا بملابس جديدة، سواء طلبناها أو لم نطلبها. أما الطبيب، فكان يزورنا لمجرد إحساس الواحد منا بألم طفيف في رأسه، فيفحصنا ويمدنا بالدواء الذي يلزمنا تناوله، بالإضافة إلى أي دواء كنا نطلبه حتى لو لم نكن محتاجين إليه، إلى درجة أن بعض الدركيين عندما كانوا يريدون الحصول، لهم أو لأحد أقاربهم، على دواء مرتفع الثمن، كانوا يلتمسون منا أن نطلبه لهم من الطبيب الطيب الذي كان يعودنا. لقد كانت هناك تعليمات صارمة لحراسنا الدركيين بالإبقاء علينا في صحة جيدة، لشيء ما كان يرتب في المستقبل، ومما لا شك فيه أن تلك كانت أوامر الدليمي. لقد لاحظنا ونحن معتقلون كيف كان الدركيون يحتاطون أمام زملائهم المتحدرين من منطقة سيدي قاسم (مدينة الدليمي)، فهؤلاء كانت لهم امتيازات لا يحظى بها باقي الدركيين الذين كانوا يحدثوننا باستياء عن ذلك. حينها (1980-1981) أحسسنا بأن هناك منافسة بين مجموعة حسني بنسليمان ومجموعة الدليمي.

بوريكات: هذه تفاصيل ما حكاه لي المانوزي عن اختطافه من تونس....

 بوريكات: هذه تفاصيل ما حكاه لي المانوزي عن اختطافه من تونس....

عندما اقتحمت عليه «المساء» خلوته في باريس، كان يسند رأسه إلى رأس شقيقه بايزيد، يتحاكيان ذكريات يختلط فيها المجد بالمرارة. فوق كرسي اعتراف «المساء»، حكى مدحت «René» بوريكات عن والده التونسي الذي تعلم مبادئ الاستخبارات في الأكاديمية العسكرية بإسطنبول، فقادته إلى الرباط؛ وعن والدته العلوية، قريبة محمد الخامس؛ وعن نشأته وإخوته في محيط القصر الملكي واحتكاكه بالأمراء.. يتذكر مدحت يوم بعثه والده في مهمة خاصة إلى محمد الخامس في فرنسا بعد عودته من المنفى.. ثم اشتغاله في موقع حساس في باريس جعله يتنصت على مكالمات الأمراء والوزراء.. إلى أن سمع ولي العهد يتحدث إلى طبيب والده عن المرض الذي تسبب في وفاة محمد الخامس، والتي يقول بوريكات أنْ «لا علاقة لها بالعملية التي أجريت له على الأنف». في «كرسي الاعتراف»، نتعرف مع مدحت «René» على محيط الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، وعلى علاقة المال بالسياسة، وما يتخلل ذلك من دسائس القصور التي قادته، رفقة أخويه بايزيد وعلي، من قمة النعيم إلى متاهات الجحيم في تازمامارت، وجرجرت والدته وأخته بين دهاليز المعتقلات السرية. تفاصيل التفاصيل التي غابت عن كتابه «ميت حي - شهادات من الرباط 1973 إلى باريس 1992» يستحضرها مدحت بوريكات، الذي فقد 20 سنتيما من طوله خلال 20 سنة من الاعتقال، بقدرته المدهشة على الحكي الذي يجعله، يخرج من دور الضحية ليحاكم جلاده، بالسخرية منه طورا، وبالشفقة عليه طورا آخر.

- ما الذي حكاه لك المختطف الحسين المانوزي أثناء مجاورتك له في معتقل الـ«PF3»؟
كان الحسين المانوزي يشتغل تقنيا في شركة للطيران في بلجيكا، تصنع طائرات «فوكر»؛ وبما أنهم كانوا يتعاملون مع الخطوط الليبية فقد التحق، في فترة من الفترات، بليبيا للعمل هناك. إلى جانب هذا، كان المانوزي ناشطا نقابيا ومناضلا في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وفي 1968 عاد إلى المغرب، فاعتقل سنة 1970 ضمن عدد كبير من الاتحاديين، منهم الفقيه البصري وسعيد بونعيلات والفكيكي وسباطة.. بالإضافة إلى عدد من أفراد عائلة المانوزي. بعد اعتقاله وتعذيبه، استطاع المانوزي، في سياق من السياقات، الهرب إلى فرنسا؛ وأثناء محاكمة مراكش الكبرى لسنة 1971 حوكم غيابيا، وصدر في حقه حكم بالإعدام. وحسب ما حكاه لي المانوزي، فهو لم يكن يعرف فرنسا جيدا، ولذلك لم يفلح في تذكر اسم ولا مكان الحديقة التي شهدت لقاءه الوحيد بالفقيه البصري في باريس. وبما أنه كان يخشى أن تعتقله فرنسا وتسلمه إلى المغرب، فقد غادرها على وجه السرعة..
- .. إلى تونس؛ لماذا تونس بالتحديد؟
كان قد عاد إلى ليبيا، وعلمت بأمره المصالح الدبلوماسية هناك، فأصبح مراقبا من طرف الأجهزة السرية، خصوصا وأن علاقة صداقة كانت تربطه بمغربي كان يشتغل مقاول بناء في ليبيا، وكان، حسب ما سيكتشفه المانوزي لاحقا، على ارتباط بالأجهزة السرية المغربية. في إحدى المرات، وفق ما حكاه لي الحسين، وكان شهر رمضان على الأبواب، فكر في قضاء ذلك الشهر إما في القاهرة التي كان يتردد عليها باستمرار أو في تونس، فاستقر رأيه على الأخيرة. وقد حكى لي أنه عندما دخل تونس العاصمة اتصل ببعض أصدقائه هناك فدعوه إلى فيلتهم، وبينما هم جالسون يحتسون القهوة، إذا بمجموعة من العناصر المسلحة، بلباس مدني، تقتحم عليهم
الفيلا.
- مغاربة كانوا أم تونسيين؟
كانوا في الغالب تونسيين، فلا أظن التوانسة يسمحون للمغاربة بالقيام بمثل هاته العملية على أراضيهم، لكنهم سوف يسلمون المانوزي إلى المغاربة. المهم أنهم «جمعوه» وساقوه إلى مرأب الفيلا، وهناك قيدوه («كتفوه») ووضعوا مجموعة من اللصاقات (Les sparadraps) على وجهه، ثم ألقموه رضاعة حليب فيها مادة مخدرة - منومة، ثبتوها بتلك اللصاقات، ثم حشروه داخل سيارة تابعة للسفارة المغربية وغادروا به.
- كيف عرف المانوزي أن السيارة التي أركب فيها تابعة للسفارة المغربية في تونس؟
استطاع رؤيتها عندما أنزلوه إلى مرأب الفيلا التي كان فيها. وقد انطلقت السيارة، برّا، في اتجاه المغرب. وفي الجزائر، وبينما كان قد استعاد بعضا من وعيه، تم اقتياده إلى سفارة المغرب أو إقامة السفير هناك، وعندها فكوا قيوده وتفقدوا حالته، ثم سألوه عما إن كان يريد الذهاب إلى بيت الخلاء أو شيء من هذا القبيل، قبل أن يعودوا إلى ملء الرضاعة بالحليب الممزوج بالمادة المخدرة - المنومة ويلقموه حلمتها ثم يثبتوها باللصاقات، بعدها «كتفوه» كما حدث في تونس، وانطلقت السيارة تشق طريقها في اتجاه المغرب. وعندما وصلوا إلى المركز الحدودي «جوج بغال» تحدثوا إليه قائلين: هاهي الحدود المغربية.. أنت حر في دخول المغرب..
- خيروه؟
هذا كان مخططا. هل تظن أنهم جاؤوا به من تونس ليخيروه بين دخول المغرب أو الرجوع على أعقابه!؟ هو لم يكن يملك أية وثيقة.
- وبالفعل، قصد المانوزي شرطة الحدود والجمارك من تلقاء نفسه؟
نعم، وما إن وصل إلى هناك حتى ألقي عليه القبض بشكل رسمي، واقتيد على متن سيارة البوليس إلى غاية الرباط، حيث أودعوه «دار الوزير».
- ما الذي تعنيه بـ«دار الوزير»؟
دار المقري، أو دار الوزير، هكذا كان يطلق على أغلب المعتقلات السرية التي كان يشار إليها بالنقط الثابتة، المعروفة اختصارا بـ»PF»، فكلها تقريبا كانت في ملك الوزير (محمد المقري، الصدر الأعظم) باستثناء مركب الشرطة («Le complexe de la police»)والذي كان يعتبر بدوره نقطة ثابتة، لأنه كان بناية حديثة تم تشييدها أساسا لتكون معتقلا سريا. المهم أنه تم اقتياد المانوزي إلى دار الوزير، ولكنه لم يعرف ذلك، لأنه لم يكن يعرف الرباط، ولأنه كان معصوب العينين. ودار الوزير هاته كانت توجد على يمين طريق زعير في الطريق إلى عين عودة، وكانت فيها حديقة وطابق علوي. وكانت هذه الإقامات-المعتقلات قد صودرت بعد الاستقلال من المقري وأعطيت للجنرال أوفقير، وهو الذي قرر تحويلها إلى مراكز سرية للاعتقال والتعذيب خارج القانون. وكان أكبر هذه المراكز الثابتة يوجد على تل قرب دوار الدوم بنواحي الرباط، وقد كان قصرا في ملكية ابن المقري الذي كان بمثابة وزير للمالية خلال الاستعمار الفرنسي. في هذا القصر- الـ«PF» تم اعتقال الطيارين المصريين الذين ألقي عليهم القبض خلال هبوطهم الاضطراري، في حرب الرمال بين المغرب والجزائر في 1963.
- يعني هذا أن حسني مبارك كان معتقلا في «PF» دوار الدوم؟
أنا لا أعرف ما إن كان حسني مبارك قد اعتقل، كل ما أعرفه هو ما حكاه لي مولاي علي (حارس الـ«PF3») الذي كان حارسا هناك قبل تنقيله إلى الـ«PF3».. لقد أخبرني بأنه كان هناك طيارون مصريون.



حينما تابع الحسن الثاني مع الجنرال بنسليمان هروب المانوزي من معتقل PF3

 حينما تابع الحسن الثاني مع الجنرال بنسليمان هروب المانوزي من معتقل PF3

فبراير كوم

خلال هروبه رفقة اعبابو والمانوزين ومزيرك والشلاط وعقا، من المعتقل السري « PF3 »  إذ قطعوا كيلومترات مشيا على الأقدام، أوضح بوريكات بخصوص تلك المرحلة قائلا:    “كنا قد مشينا الليل كله، ما يقارب خمس ساعات، باستثناء الشلاط الذي اختار الافتراق عن المجموعة، وعندما وصلنا قرب ضيعة برقوق لاحت لنا طائرة مسح، كان شقيقي علي أول من سمع صوتها، قبل أن نراها جميعنا تحوم غير بعيد عنا؛ دخل شقيقي بايزيد إلى تلك الضيعة للاختباء بها، أما أنا فلم أعد قادرا على المشي “رزمت”؛ رفقتي كان اعبابو ومزيرك (يشرح قائلا: مزيرك كان متزوجا من أخت الجنرال المذبوح)؛ سمعنا نباح كلب..ذهب شقيقي علي الى حافة الطريق لاستطلاع ما يجري، فرأى سيارات الدرك مقبلة تتقدمها كلاب مدربة؛ كنت على قدر كبير من الإنهاك، لذلك طلبت من المجموعة أن تفر وتتركني لحالي”.   ويردف بوريكات في حوار له مع يومية “المساء” في عددها ليوم غد الخميس 8 ماي قائلا: “في هذه الأثناء رأيت مئات من “الحياحة ديال العروبية” قادمين، وعندما رأوني على ذلك الحال من التعب اعتقدوا أنني مخمور، فقد سمعتهم يقولون عني: إنه سكران، فأجبتهم: أنا مريض سلموني إلى الدرك؛ وما هي إلا لحظة حتى داهتنا سيارة درك بينما طائرة الهيليوكبتير تحوم فوق رأسي، وكان بها الجنرال حسني بنسليمان، هذا ما أعرفه بعد لحظات من الاتصالات اللاسلكية التي جرت بين الجنرال وبين من اعتقلوني من رجاله وهم يسألهم عني؛ بعدما صفدوا يدي، فتشوا جيوبي فعثروا على روقة بها خريطة تضم أسماء عواصم الدول الإفريقية، كنا نستعملها كلعبة لتزجية الوقت في « PF3 » . يضيف بوريكات قائلا: اتصل أحدهم في اللاسلكي برؤسائه، وفجأة سمعت الحسن الثاني يتحدث”.   في هذه اللحظة استفسره محاوره قائلا:” الحسن الثاني شخصيا؟” فرد بوريكات قائلا: ” نعم، فقد أقام الحسن الثاني « Un bivouac » (إقامة عسكري مؤقتة) في فيلا الأمير مولاي عبد الله، بعد إعلان حملة طوارئ عامة في المغرب؛ وكنت وأنا على متن سيارة الدرك “جيب” أسمع ما يدور في “الراديو” اللاسلكي، حيث كان الحسن الثاني يتحدث طورا إلى حسني بنسليمان، وطورا آخر إلى أشخاص آخرين يسألهم عن شكلي وملابسي وعما إذا كان اعتقلوا شقيقيَ اللذين ذكرهما بالإسم؛ وبعد لحظات، أتوا بشقيقي بايزيد ثم علي إلى “الجيب” فيما فر اعبابو ومزيرك”. 



قصة الحسين المانوزي كما يرويها بوريكات.

اختطف المانوزي في “كوفر” سيارة سفير المغرب في تونس وأطلق سراحه على الحدود مع الجزائر !

التقى « فبراير. كوم » مدحت بوريكات، المعتقل السابق في جحيم تازممارت، حيث ذاق مرارة التعذيب..
ويحكي بوريكات، الذي اشتغل والده في الاستخبارات المغربية، لـ »فبراير. كوم »، في حوار مطول ينشر على حلقات، حكايات من التاريخ، لا يمكن أن تروى إلا عبر المرور من القصر، حيث يحكي عن ولي العهد حينها مولاي الحسن (الملك الراحل الحسن الثاني) وكيف تعرف عليه، يروي أيضا كيف اختطف واعتقل وعذب، حين كشف عن محاولة انقلاب ضد الملك، وقصص غرائبية أخرى كثيرة.

في هذه الحلقة يحكي بوريكات عن المانوزي، الذي سبق أن حوكم بالإعدام، كيف سرق مع مجموعة من أصدقائه مجموعة من الأسلحة من ثكنة عسكرية، حيث فر خارج المغرب، بعد أن علم أن الشرطة تبحث عنه، بتهمة التخطيط لمحاولة انقلاب رفقة رفاق المهدي بنبركة.

وفرّ المانوزي، يقول بوريكات، إلى بلجيكا، وبعدها إلى هولندا، حيث تلقى تكوينا في ميكانيك الطائرات، حيث كان يعمل في المغرب، وعين في فرع شركة هولندية في ليبيا. وأوضح بوريكات أن المانوزي فكر في قضاء أيام من رمضان في تونس عند أصدقائه، مشيرا إلى ان مجموعة مسلحة اقتحمت البيت الذي حل به في تونس، واعتقلوه، وقيدوه، وكمموا فمه، قبل وضعه في حقيبة السيارة الخلفي. وكشف بوريكات أن السيارة التي أقلت المانوزي من تونس إلى الجزائر العاصمة، كانت في ملكية السفير في تونس، حيث أزالوا القيد والكمامة، في مقر السفارة المغربية بالجزائر، لقضاء حاجته، قبل أن يأخذوه إلى الحدود المغربية الجزائرية، وأطلقوه وقالوا له اذهب إلى المغرب، حيث وجد رجال الأمن في انتظاره، ونقل إلى الرباط. وأشار بوريكات إلى أن المانوزي عذب في “دار الوزير” التي كانت مقرا للتعذيب، واعتقل رفقة عقا والشلاط مزيرك وعميدي شرطة وقائد.



بوريكات يروي قصة اختطاف الحسين المانوزي (1)
قضى رفقة أخويه علي وبايزيد حوالي سنتين من الاعتقال التعسفي في المعتقل السري «P.F.3» في نفس الفترة التي قضى فيها الكثير من المعتقلين فترات متراوحة في نفس المعتقل السري الرهيب الذي كان يشرف عليه رجالات الجنرال الدليمي. والتقى في دهاليزه بالمختفي قسرا والمجهول المصيرالحسين المانوزي وأيضا العسكريين اعبابو وشلاط ومريزك الذين شاركوا في الانقلاب الأول بقصر الصخيرات. جاء إلى المغرب بناء على استدعاء من قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالرباط للإدلاء بشهادته في قضية الحسين المانوزي المختفي منذ 29 أكتوبر 1972. وكان مدحت بوريكات آخر من رآه بعد فراقهما مباشرة بعد تنفيذ عملية هروب من المعتقل السري منذ13يوليوز 1975.. وفي الحوار التالي نعيد عقارب الساعة إلى الوراء لنكتشف حقائق لم يتم الكشف عن مصير الحسين المانوزي وأيضا خبايا الزج بأسرة بوريكات في غياهب المعتقلات السرية آخرها تازمامارت الذي غادره بداية التسعينيات.
التقيتم مؤخرا بالقاضي المكلف بالتحقيق في ملف الحسين المانوزي، هل لنا أن نعرف ما دار في التحقيق؟
نعم، التقيت قاضي التحقيق في يوم الأربعاء المنصرم. ووجه لي أسئلة فيما يخص قضية الحسين المانوزي، لأنه كما هو معلوم كنا قد هربنا معا من معتقل النقطة الثابتة رقم 3 بالرباط، وتم إلقاء القبض علينا في اليوم الموالي، إلا أن الحسين المانوزي وعقا أيضا لم يقبض عليهما في نفس اليوم، في ذلك الوقت نقلونا إلى مقر الإدارة العامة للدرك الملكي ثم قرروا بعد نصف ساعة أو ساعة إعادتنا إلى نفس المعتقل السري أي النقطة الثابتة رقم 3، وهناك بدأ التحقيق في نفس اليوم والليلة وبدأ التعذيب.
ماذا كان قاضي التحقيق يريد معرفته بالأساس؟
كان يريد معرفة أين هرب المانوزي الحسين، وهل ألقي عليه القبض في نفس اليوم، وكيف اختفى، وأين ذهب، وهل مات أم لايزال حيا. هذا ما كان يريد معرفته وبتدقيق. وأدليت له ببعض المعلومات التي أتوفر عليها بحكم أنني كنت شاهدا على الواقعة، وكنت من الفارين من المعتقل السري المذكور إلى جانبه وآخرين. حين غادرنا أسوار المعتقل توجهنا نحو سد عكراش، وتوقفنا في مزرعة لأننا رأينا سيارات تتجه نحونا، وهذا ما حكيت لقاضي التحقيق، واعتقدنا أنهم من الشرطة أو الدرك الذين يلاحقوننا، لكن لم يكن الأمر كذلك، وبعد نصف ساعة تقريبا اختبأنا في تلك المزرعة ليلا، وقررنا الابتعاد عن المعتقل، وحينها كان الحسين المانوزي برفقتنا ولايزال حيا، ولاجودان شاف «عقا» والنقيب «شلاط» و«مريزك» والمقدم «اعبابو» وأخواي علي وبايزيد وأنا.
ماذا كان مصير الحسين المانوزي بعد أن انقسمتم إلى مجموعات؟
بعد أن افترقنا في الطريق قرر الحسين المانوزي مرافقة «عقا»، ذهبنا نحن في اتجاه وذهبا معا في الاتجاه الآخر.
إلى أين اتجها بالضبط؟
أخبرونا أنهم يودون الذهاب في اتجاه غابة ما، هم يعرفون ذلك المكان، وانصرفوا، ونحن ذهبنا في اتجاه سد قريب، فحين كنا محتجزين في معتقل النقطة الثابتة رقم 3 كنا نسمع دوي البارود والقنابل التي تستعمل في الحفر والتفجير عن بعد، واتجهنا صوب السد بعد خروجنا. في البداية ذهبنا نحو مزرعة ولم نعثر على السد، لكن بمجرد أن مشينا للحظات وصلنا إلى السد تقريبا على بعد نصف كيلومتر، ووجدنا القنوات مازالت في مكانها في انتظار وضعها في أماكنها، ولا تزال الأشغال في بدايتها، واتجهنا في نفس الطريق تحت ظلمة الليل، وهناك ودعنا المانوزي وعقا.
أين بالضبط ودعكم الحسين المانوزي وعقا؟
قرب تلك القنوات بجانب السد أي على بعد كيلومتر أو كيلومتر ونصف من معتقل النقطة الثابتة رقم 3، في ذلك المكان انصرفا معا.
كم كانت الساعة حينها؟
حين هربنا كانت الساعة حوالي الثامنة أو التاسعة ليلا، لم يكن لدينا ساعة، المقدم «اعبابو» كان لديه ساعة صغيرة خبأها عن الحراس، وكان يضبط بها الوقت، لكن للأسف فوجئ بكونها معطلة في تلك اللحظة، وفررنا من المعتقل بعد ساعة من التوقيت المخطط له، وأخرجونا بالقوة لأنني أنا وإخوتي لم نتفق معهم على الهرب، ولأنهم مسلحون فقد صمموا أن نرافقهم.
سنعود لهذه النقطة، قلت إنكم افترقتم مع الحسين المانوزي وعقا واتجها صوب الغابة؟
ليس هناك غابة في ذلك الاتجاه، هما اعتقدا ذلك. الغابة بعيدة لحوالي 30 أو 40 كيلومترا، لكن ربما قد يكونا اتجها نحو عين عودة، لكن الأساسي أنهما سارا نحو ذلك الاتجاه.
هل سمعتم بعدها أخبارا عنهما، هل اعتقلا أم لا ؟
نعم سمعنا، لأن الدولة أعلنت حالة استنفار في المنطقة، وانتشر رجال الأمن والدرك بحثا عنا، وقطعت الطرقات وجندت الدوريات الأمنية لتفتيش السيارات في «البراجات»، كنا نسمع في الصباح طائرات الهليكوبتر تحوم في السماء بحثا عنا، وفي العاشرة صباحا وصلنا الدرك بالاستعانة بكلاب مدربة، واعتقلنا حوالي منتصف النهار.
أين اعتقلتم بالضبط؟
على بعد عشرة كيلومترات تقريبا من معتقل النقطة الثابتة رقم 3.
هل سألكم الدرك عن الاتجاه الذي هرب نحوه عقا والمانوزي؟
لا، كانت هناك حالة طوارئ في المنطقة كلها وفي كل الدواوير، وحين وصلنا الدرك قصدوني أنا في البداية، لأن أحد إخوتي ذهب إلى مزرعة لا تبعد سوى بـ 300 متر واختبأ هناك، وبقيت أنا تحت عمود كهربائي، لأنني كنت مريضا ولا أستطيع مواصلة السير، كان أخي يطلب مني التحرك بسرعة، وناداني، لكنني قلت له إنني لا أستطيع السير، فجلست وألقي علي القبض أنا الأول. وعلى الفور أخبر، بواسطة جهاز اللاسلكي، الدركي الذي قبض علي الجنرال حسني بنسليمان والحسن الثاني الذي كان بجانبه بأنه عثر على أحد الإخوة الثلاثة الهاربين. وسألوه هل الذي يرتدي قميصا أخضر وسروالا أحمر.
(مقاطعا) كيف عرفت أن الدركي اتصل مباشرة بحسني بنسليمان؟
لأنني سمعته يتحدث إليه في جهاز اللاسلكي
وهل كنت فعلا ترتدي قميصا أخضر وسروالا أحمر؟
نعم كنت أرتدي قميصا أخضر وسروالا أحمر، وطلب منه معرفة اسمي، فسألني الدركي، فأخبرته أنني بوريكات مدحت الأكبر من بين إخوتي، وسمعوا عبر اللاسلكي مباشرة حديثي مع الدركي. هذا الأخير طلب من الجنرال أن يعطيه رقم الهليكوبتر لتأتي لنلقي على الفور، حينها رد عليه بأن لا يعاود الحديث معه، وقاطعه الملك، وسمعته يقول له: أسكت. الدركي الذي اعتقلني أخبرهم أنه عثر لدي على خريطة ليبيا وكان ينوي الفرار نحوها، ذلك أثار سخريتي (يضحك) وضحكت ولو أن الأمر ليس لحظة ضحك.
وهل فعلا عثر لديك على خريطة ليبيا؟
فعلا كانت لدي خريطة وحين كنا نخرج للاستراحة، رسمنا أنا والمانوزي الحسين خريطة كبيرة في ورقة كبيرة شيئا ما عن أوراق الدفتر، رسمناها بقلم الرصاص وضعنا فيها خريطة إفريقيا بدولها وعواصمها وخبأتها، وبقيت به إلى حين إلقاء القبض علينا. الدركي أخبر الجنرال بها وتخاصم معه الملك أيضا، وقال له لا تحكي لنا التفاصيل، أخبرنا فقط بهوية الهارب الذي ألقي عليه القبض. بعد ربع ساعة ألقي القبض على أخي بايزيد، وبعد نصف ساعة ألقوا القبض على أخي علي، بعدها حضرت سيارة كبيرة تحمل الدركيين ومعهم «فضول» الذي لا يزال حينها «ليوتنان».
بعد أن أعادوكم إلى النقطة الثابتة 3 ألم يسألوكم إلى أين ذهب لاجودان الشاف «عقا» والمانوزي الحسين؟
لا حين عدنا إلى المعتقل وجدنا حالة استنفار، وجدنا عددا من رجال الدرك والحراس، وأدخلوني إلى زنزانتي وبالقرب مني على اليمين رأيت «الشلاط» لأنهم لم يضعوا أي شيء على عيني، ثم أدخلوا إخوتي إلى زنازنهم وأيضا مريزك وعبابو، وبعدها أغلقوا أبواب الزنازن، وفي الساحة أشعلوا أضواء كاشفة وأحضروا ما يقارب مائة كرسي، وفي الليل حضر الجنرالات ومعهم كبار الشخصيات في الدولة، وجلسوا في الكراسي.
هل كانوا كلهم عسكريين؟
لا، كان من بينهم عسكريون وقضاة وكبار رجال الأمن والدرك.
هل تعرفت على بعض الأسماء منهم؟
كان هناك حسني بنسليمان ثم الدليمي و.. ضباط آخرون لا أعرفهم، ولا أتذكرهم لأنني كنت في حالة يرثى لها ولأن الحاضرين جلسوا مختلطين صعب علي التعرف عليهم, وتعرفت حينها على عدد من رجال القضاء، كنت قد تعرفت عليهم في العاصمة الرباط، وأطالع على أخبار بعضهم في الصحف، لكن نسيت أسماءهم الآن.
تعرفت على أسماء منهم؟
نعم مثل «قدارة» رئيس المحكمة العليا على ما أعتقد وموظفين كبار.
ماذا حدث بعدها؟
أخرجوني أنا في البداية، واقتادوني نحو الزنازن المقابلة، وجلست في عتبة إحداها، وكان حسين جميل هو من يطرح علي الأسئلة أمام الحاضرين.
كم كان عددهم؟
عددهم يتراوح ما بين بين 40 إلى 50 شخصا وربما أكثر. الأمر كان أشبه بجمهور جاء ليشاهد مسرحية، كان يسألني وأنا أجيب، والكل يستمع إلي، كلهم كانوا صامتين. سالني الحسين جميل هل هربتم؟ أجبته : نعم. لم يكن البحث دقيقا بل فقط سطحيا. سألني أيضا كيف هربتم؟، أجبته: بأن مائدة لا تزال قرب الحائط الذي قفزنا منه وكرسي أيضا، وأشرت إليه إلى الجهة التي هربنا منها. أعاد سؤالي: كيف وقع ذلك؟، أجبته: كنا نشرب الشاي، حينها رأيناهم يكبلون الحراس ويغلقوا عليهم في الزنازن، وأخبرتهم بالتفاصيل لأنه لم يكن هناك سوى حارسين.
كم دام الاستنطاق؟
تقريبا عشر دقائق.
هل ذهبوا بعدها؟
الكثير منهم غادروا ولم يتبق منهم سوى عناصر الدرك والحراس.
هل استأنف الدرك التحقيق معك؟
لا، وطلب مني الإلتفات شمالا، وسألني هل أعرف شخصا أشار إليه، فأجبته : أعرفه إنه أحد الحراس الذي تم تكبيله قبل الفرار.
هل تعني الحارس مولاي علي؟
لا ليس مولاي علي، لأنه كان قد تم توقيفه كما يقولون قبل شهر من العملية، وحينها سمعناهم يطلبون منه جمع أغراضه لأنه سيغادر النقطة الثابتة 3، وجاء إلينا في الزنازن وأخذ مصحفا كان قد تركه لدى أخي علي وودعنا جميعا…
كم دام التحقيق بعدها؟
حوالي نصف ساعة.
وماذا فعلوا بك بعدها؟
أعادوني إلى الزنزانة.
هل استمعوا للبقية في نفس الليلة؟
لا لم يستمعوا لأي كان، وغادروا المعتقل جميعا باستثناء الحراس وعدد من رجال الدرك الشباب حديثي التخرج، وبقي الجنرال بنسليمان معهم إلى النهاية، بعدها أحضروا لنا وجبة العشاء.
ماذا كانت الوجبة؟
كنا نتناول العشاء دوما، لا أتذكر بالضبط، لكن كان اللحم موجودا في الطبق.
إلى حدود تلك اللحظة، لم يتم إحضار عقا والمانوزي، هل هذا يعني أنهما مازالا حينها في حالة فرار؟
نعم لم يتم إلقاء القبض عليهما إلى حدود تلك الساعة.
هل عاودوا التحقيق معكم في اليوم الموالي؟
لا، ولكن غادر الجميع، والمسؤولون الكبار، تركوا الأضواء، وبدأوا يعذبون «الشلاط» لساعات و«اعبابو» ويتناوبون عليهما.
كيف كان يتم تعذيبهما؟
كتفوا أيادي كل واحد منهما وأزالوا لكل واحد قميصه وظلا عاريين، وبدؤوا في ضربهما بـ «الكرافاشات»، فيما أحد من رجال الأمن في الغالب وليس الدرك تكلف باستنطاقهما، ومولاي علي أيضا عذبوه طيلة الليل.
ماذا كانوا يطلبون منهم؟
الشلاط كنت أسمعه، قال لهم بأن مولاي علي الحارس هو من ساعدنا على الهرب.
إذا أرادوا معرفة من دبر عملية الهروب، ألم يسألوا إلى أين اتجه عقا والمانوزي بعد فرارهما؟
كان «شلاط» يحكي لهم قصة الهروب، لكنه اختلق قصة أخرى، وقال لهم إنهم أحضروا لنا شاحنة ونقلونا عبرها، وحين وصلنا محطة بنزين اتجهوا بنا نحو مدينة سلا، وكانت تلك حكاية من نسج خياله ولا أساس لها من الصحة، وكانوا يعذبونه، ويسألونه من جديد، فيقول لهم أشياء أخرى، وحين يكتشفون تناقضات كلامه يعذبونه من جديد ويطلبون منه قول الحقيقة.
* وأين كان اعبابو ومريزك؟
** كان كل منهم في زنزانته.
* ألم يتعرضوا بدورهم للإستنطاق؟
**لا لا نهائيا، إلا في الغد.
* كم دامت ساعات استنطاق شلاط؟
* * حوالي خمس إلى ست ساعات أي إلى طلوع النهار الموالي.
* أعادوه بعدها إلي الزنزانة؟
** نعم
* وماذا فعلوا بكم في اليوم الموالي؟
** عاد رجال الدرك تقريبا الساعة التاسعة أو قبل ذلك لاستنطاقنا.
* هل نمت تلك الليل؟
** لا لم أذق طعم النوم طيلة خمسة عشر يوما.
* وماذا حدث في الصباح؟
** حضر مدير الأمن الوطني، وكان حاضرا في الليل أيضا.
* من كان المدير حينها؟
** المدير كان هو المسمي «ربيع»، وبدأ في البحث من جديد لمعرفة كيف نفذنا عملية الهروب، وفتش زنازننا، وكان برفقته عمداء أمن اقليميين، وجاء الدليمي أيضا، وكان «موح بوثلوث» من رجال النقطة الثابثة3 وثلاثة من إخوته علي وآخرين، وكان هو الرئيس المكلف بالمعقل تحت حراسة الدرك. بالقرب من زنزانتي، كانت هناك غرفة تخزن فيها المواد الغدائية والمؤونة، وخصصت له للمبيت فيها وكان يبقى فيها ليل نهار رفقة إخوته، وكانت مهمته الإشراف على تعذيبنا رفقة الحراس الآخرين. وكان رجال الأمن يتكلفون بالتحقيق، وحين عادوا بدأت جلسات الإستنطاق والتعذيب. الحارس مولاي علي عذب كثيرا من طرفهم. وفي العاشرة نهارا تمادوا في تعذيبه، وأجلسوه قرب حمام على ركبتيه وأطلقوا الرصاص نحوه فمات على الفور أمام أعيننا إلى جانب حارس آخر قتل بدوره بذات الطريقة.
* من أطلق عليهما الرصاص؟
** لا أعرف هويته، لكن قد يكون من عمداء الأمن أو المخابرات.
* حول ماذا تمحورت أسئلتهم لحارس مولاي علي؟
** سألوه لماذا كان لطيفا معنا ويتعامل معنا بشكل جيد، لأنه قبل شهرين من تنفيذ عملية الهروب تم إيقافه من عمله، وربما علموا أنهم كان يزور بيتنا، وفي رمضان كان يأتينا ببعض الأكل مما تعده والدتي، وكان لي صهر يعمل في الأجهزة السرية، وربما ضبطه أثناء زيارة والدتي، وقد سأل والدتي ذات مرة من يكون ذلك الرجل فأخبرته بالحقيقه وأفشى السر للأجهزة الأمنية رغم أنها استعطفته أن يخفي الأمر عنهم، وتم اعتقاله فيما بعد.
* إذا الحارس مولاي علي قتل لأنه ساعدكم على الهرب؟
** لا، لم يسألوه عن مساعدته لنا عن الهرب، «الشلاط» هو من قال لهم ذلك حين اختلق حكاية من خياله، وأنه هو من سهل علينا الهرب بشاحنة..
* في اليوم الموالي لاعتقالكم، هل أثير مصير الحسين المانوزي وعقا؟
**لا
* هل هذا يعني في نظرك أنهم ألقوا القبض عليهما أيضا؟
** لا أعتقد أنه ماداموا لم يعيدوهم إلى المعتقل فإنه لم يتم القبض عليهم، لكن بعد مدة بعد مغادرتنا النقطة الثابثة رقم 3 مع أمي وأختي اللتان اعتقلتا معنا بدورهما، أي بعد عشرة أيام عشرة أيام من عملية الهروب جاءت سيارة أمن ونقلتنا إلي مركز الدرك بالسويسي، وهنا سأتعرف علي الحقيقة.
*من كان معكم حينها؟
** كنت أنا وشقيقاي علي وبايزيد وأمي وأختي
* وماذا عن اعبابو ومريزك؟
** الإثنين لقيا حتفهما في المعتقل أثناء التحقيق في اليوم الثاني بعد مقتل الحارس مولاي علي، كان حينها «بوثلوث» واقفا وناداه اعبابو وطلب منه رؤية المسؤول عن المعقل، وبعد ربع ساعة حضروا ونقلوه إلي الجهة الأخرى للمعتقل حيث المكاتب أي على بعد حوالي 500 متر من مكان تواجد الزنازن لأن المعتقل به حوالي هكتار ونصف تقريبا، وبعذ ذلك جاءوا لاحضار «مزيرك»، وتعرض لتعذيب شديد عكس «اعبابو»، وحين أعادوا هذا الآخير أدخلوه إلى الحمام وتركوه هناك، وكنت حينها في المرحاض، وسمعتهم يقولون «أدخلوه، أدخلوه، العيالات جايين»، في تلك اللحظة التقيت اعبابو لآخر مرة، وقال لي «غير كونو هانيين أنتم الثلاثة، لقد تحملت المسؤولية لوحدي وحكيت لهم كل شيء»
* هل هذا يعني أنه أخبرهم أنه هو من خطط للهرب ولوحده ؟
** نعم، أخبرهم بذلك، وأدخلوني على الفور إلى زنزانتي حتى لا ألتقي أمي وأختى اللتين دخلتا بعدها إلى الحمام. اعبابو لم أره من ذلك الوقت، ولم يعيدوه إلى الزنزانة، وقد يكون قتل أو نقلوه إلى مكان آخر، أجهل مصيره.
* وماذا عن مريزك؟
** حين عدت لزنزانتي، أخرجوه من زنزانته، وكان قد تعرض لتعذيب في الليل حتى عجز عن الكلام نهائيا.
* هل لأنه رفض الحديث؟
** لم يتفوه ولو بكلمة واحدة رغم التعذيب القاسي
* كم مكتثم بعدها أنت وعائلة في معتقل النقطة الثابثة رقم ٣؟
** استنطقنا الأيام الثلاثة الأولى، ونقلونا بعد عشرة أيام
*كيف كانت معاملة المحققين معهم؟
** لم تكن قاسية، عكس الحراس الذين تم تعذيبهم بل وقتل بعض منهم…
حاوره : أوسي موح لحسن


بوريكات: هكذا أصبحت "جاسوسا" عند الملك الحسن الثاني


بوريكات: هكذا أصبحت "جاسوسا" عند الملك الحسن الثاني

 الجمعة 5 شتنبر 2014 - 00:00

أورد مدحت روني بوريكات، المعتقل السابق الذي أمضى زهاء عقدين من السجن في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، سرده لطريقة اختطافه رفقة أشقائه بايازيت جاك وعلي أوغيست، والحكم عليهم بـ18 عاما سجنا، وكيف كان يتجسس لفائدة الحسن الثاني وينقل له ما يجري من مؤامرات في قلب المؤسسة العسكرية والسياسية.

شهادة بوريكات قدمها لقناة فرانس 24 بمناسبة إحياء اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري بساحة “الجمهورية في باريس، حيث أكد أنه اختطف بجانب ثلاثة أشقاء في 1973 من قبل السلطات المغربية بأمر من الملك”، مشيرا أنهم كانوا على اطلاع وأصحاب نفوذ سياسي، وعلاقات مع العسكر”

وأردف بوريكات أنه توصل بمعلومات مؤكدة عن انقلاب عسكري يتم الإعداد له ضد الملك الحسن الثاني، وتحديدا من العقيد أحمد الدليمي الذي أراد أن يستغل شغور الساحة بعد التخلص من الجنرال أوفقير”، مضيفا أن “الدليمي حين اختفى كافة الضباط السامون خلال انقلابين عسكريين فاشلين، كان يريد الاستيلاء على السلطة”.

وتابع بوريكات، في شهادته على فرانس 24، أن الدليمي استغل قربه من الحسن الثاني والذي خصه بالثقة الكبيرة، كما حاول الدليمي الاستفادة من هذه الثقة وجمع عددا من الضباط مع أخذ العبرة والدروس من الانقلابات السابقة التي فشلت بهدف إنجاح انقلابه” وفق تعبير بوريكات.

وزاد المعتقل السابق “كنت أنا السبب المباشر لاعتقالي مع أشقائي حيث قدمت تقريرا للملك الحسن الثاني مفاده وجود خطة انقلاب عسكري ضده لكنه قام بحسابات أخرى، حيث طلب مني تقديم تقرير ثان مع مزيد من التفاصيل، فأعددت تقريرا ثانيا وأشرت إلى المصادر التي زودتني بالمعلومات، وبينهم جنرالات هم أصلا متوفون اليوم”

وأكمل بوريكات روايته الخاصة للأحداث “تكفل أحد أشقائي الذي كان رسول محببا في القصر الملكي بإيصال التقرير، ولكن بعد فترة قصيرة أمر الملك الحسن الثاني بإلقاء القبض علينا، حيث أنه كان يخشى أن يقوم بعملية تنظيف أخرى في صفوف الجيش”.

واستطرد بوريكات بالقول “لقد قام الملك الحسن الثاني بلعبة مزدوجة، حيث وضع ثقته في العقيد الدليمي وتم ترقيته إلى جنرال، وقدم له التقريرين الذين كتبتهما أنا بالتفاصيل والأسماء وأماكن الاجتماع، وأمره بإجراء تحقيق”.

“في هذه اللحظة تراجع الدليمي عن مخططه الانقلابي وقرر تأجيله، وقام بالقبض علينا ووضعنا في أكثر من سجن سري في مدينة الرباط، وأخيرا وضعنا في سجن تازمامارت رفقة العسكريين الذين قاموا بالانقلابين في 1971 وحادثة الطائرة في 1972” يورد بوريكات في شهادته.




الإخوة بوريكات...من النعيم إلى الجحيم...قصة العائلة الغامضة

 الإخوة بوريكات...من النعيم إلى الجحيم...قصة العائلة الغامضة



علي بوريكات

 علي بوريكات

علي بوريكات هو رجل أعمال مغربي/تونسي اعتقل سرا وسجن لسنوات من قبل الحكومة المغربية في سجن تازمامرت. وهو الآن مواطن فرنسي يعيش في الولايات المتحدة. كما تجدر الإشارة إلى أنه ابن سلالة العلويين الفيلاليين الحاكمة وكان ابن أميرة عملت في البلاط الملكي، وبعد خروجه من السجن مباشرة عمل على تأليف كتاب يحكي فيه عن معاناته وكيفية اختفائه قسرًا ومدى الظروف التي عاشها في محنته هاته.

علي بوريكات هو رجل أعمال مغربي/تونسي اعتقل سرا وسجن لسنوات من قبل الحكومة المغربية في سجن تازمامرت. وهو الآن مواطن فرنسي يعيش في الولايات المتحدة. كما تجدر الإشارة إلى أنه ابن سلالة العلويين الفيلاليين الحاكمة وكان ابن أميرة عملت في البلاط الملكي، وبعد خروجه من السجن مباشرة عمل على تأليف كتاب يحكي فيه عن معاناته وكيفية اختفائه قسرًا ومدى الظروف التي عاشها في محنته هاته.

في عام 1973، كان رفقة شقيقيه مدحت وبايزيد، حيث اختطفتهما الشرطة المغربية بشكل سري وقد تعرضا بعد ذلك للتعذيب والسجن دون محاكمة لأسباب يدعي أنها غير معروفة حتى لنفسه.

كان في الأصل من ضمن المحتجزين في مرافق قريبة من العاصمة الرباط وفي عام 1973 نجح في الهروب جنبًا إلى جنب مع المتمردين من محاولة انقلاب الصخيرات الفاشلة وقد ألقي القبض عليه بعد ذلك بعدة أيام. في عام 1981 تم نقله إلى سجن تازمامرت وهو مرفق احتجاز سري مات فيه 50% من سجنائه.هذا وتجدر الإشارة إلى أن عائلته لم تستلم أي معلومات عن مكان وجوده، بما يتفق مع ممارسات النظام المغربي في حالات "الاختفاء القسري" كما أنه لم يكن متهم بارتكاب أي جريمة.

في عام 1991، تم إطلاق سراحه بعد ضغط كبيرة من منظمات حقوقية وخاصة منظمة العفو الدولية وكذلك الحكومة الأميركية التي طالبت بالإفراج عنه جنبًا إلى جنب مع غيره من الباقين على قيد الحياة في سجن تزممارت، بما في ذلك إخوته على شرط أن يترك فرنسا أبدًا وألا يعود لها.

تعاونت الحكومة الفرنسية مع قوات الشرطة المغربية في إنكار سجنه، وقد ألف كتابًا بعد ذلك انتقد فيه بوريكات باريس عند تعاونها مع الحكومة المغربية بخصوص قضية الإفراج عنه، كما كتب عن تجاربه وعن علاقات وثيقة بين الحكومة المغربية والحكومة الفرنسية وقد ذكر أنه تعرض للتهديد والمضايقة من قبل كل من الشرطة المغربية والشرطة الفرنسية.

فر علي إلى الولايات المتحدة، حيث حصل على اللجوء فقط في أمريكا عام 1995 وذلك ضمن اللاجئين من فرنسا، وهو يعيش حاليًا في هانديرسونفيل، كارولاينا الشمالية (الولايات المتحدة الأمريكية) حيث كان ولا يزال من أشد منتقدي النظام المغربي.



حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير

حكايات السعدنى الحلقة السادسة عن الجنرال المغربي محمد اوفقير